الأربعاء، 31 أغسطس 2016

الإسراء والمعراج

عناصر الخطبة:
أحداث الإسراء والمعراج.
أهمية التسليم لنصوص الشرع.

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آيَاتِنَا إنه هو السميع البصير) .. حدث عظيم من أحداث سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحطة مهمة جدا في تاريخ الأمة الإسلامية.. إنها معجزة الإسراء والمعراج.. إنه الحدث العظيم الذي تجلت فيه قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته، حدثٌ فيه من العبر الكثيرُ الكثير، وفيه من الدروس والمواعظ ما يرشد الأمة إلى عزها ومجدها.. 
في تلك الليلة من ليالي مكة.. التي كانت تعج بالأذى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسبب دعوتهم إلى دين التوحيد وكفرهم بكل دين سواه، وبعدما غيب الموت أبا طالب عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان بمثابة الدرع الحامي له من كثير من مكائد المشركين.. وبعدما غيب الموت خديجة أمَّ المؤمنين، تلك المرأة المؤمنة الصالحة التي كانت أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق.. تلك المرأة التي واست النبي صلى الله عليه وسلم بنفسها ومالها وحملت معه همومه... وبعدما ذهب عليه الصلاة والسلام إلى الطائف داعيا إلى الله تعالى، طالبا النصر لهذا الدين، ولكنهم قابلوه بالتكذيب والأذى الشديد... بعد كل تلك الهموم التي تدك الجبال الرواسي.. جاءت المواساة من فوق سبع سماوات، وجاء الفرج بعد الشدة لمن دعا إلى الحق، جاء التثبيت من قبل رب الناس جميعا، في رحلة التقى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء الذين أوذوا وكذبوا كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العاقبة كانت لهم، والنصرَ كان موعدهم (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين)... 
في تلك الليلة انفرج سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ونزل جِبْرِيل وانطلق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم وشق صدره وغسله بماء زمزم وملأه حكمة وإيمانا، كما حصل تماما معه عليه الصلاة والسلام وهو طفل صغير، ولكن هذه المرة يهيَّؤ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأمر عظيم، وهو رحلة الإسراء والمعراج.. انطلق جِبْرِيل والنبي صلى الله عليه وسلم وهو على البراق، انطلقا إلى مكان لم تصله بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد، لكنه ومنذ فجر التاريخ لم يزل على ارتباط وثيق بهذه الدعوة، ولم يزل على ارتباط وثيق برسالة رب العالمين إلى البشر، إنه المكان الطاهر المبارك.. إنه المسجد الأقصى.. صلى به النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين وخلفه الأنبياء.. وكيف لا يصلي بهم وهو إمامهم، وكيف لا يصلون معه ودينهم واحد، هو دين الإسلام، هو دين التوحيد، الذي أرسل رب العالمين رسله لأجل الدعوة إليه، ولأجل إقامته في الأرض، ولأجل أن يخرج به الناس من الظلمات إلى النور.. (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (ولقد بعثنا في كل أمة نبيا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).. هذه هي دعوة الأنبياء جميعا، لم يدع الأنبياء أقوامهم إلى عبادة الصلبان والأحبار والرهبان والأصنام، إنما دعوا إلى التوحيد، إلى هذا دعا موسى، ولكن اليهود حرفوا دينه من بعده، وإليه دعا عيسى ولكن النصارى حرفوا دينه وكتابه، وأدخلوا فيه التثليث، وطاعةَ الأحبار في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فكفروا واستحقوا اللعنة والغضب (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان دَاوُدَ وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )
صلى عليه الصلاة والسلام بالأنبياء ثم كان موعده مع العروج إلى السماء.. حان الوقت لنسيان أذى صناديد الكفر، حان الوقت لمغادرة هذه الأرض التي طالما عُصي الله فيها، حان الوقت للعروج إلى مكان الطهر، الذي يطاع فيه أمر الله ولا يعصى.. صعد جِبْرِيل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الدنيا فاستفتح بابا من أبوابها، فقال خازن السماء: من هذا؟ قال: جِبْرِيل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به وأهلا به، فنعم المجيء جاء، ولا زال عليه الصلاة والسلام يصعد، وترحب به الملائكة، يرحب به الأنبياء، يستقبلونه بالمحبة والمودة والترحيب..... إذا طردك أهل الأرض يا محمد فأهل السماء يرحبون بك، إذا آذاك أهل الأرض فأهل السماء يفرحون بك.. وهكذا ينبغي أن يكون تفكير كل من دعا إلى الله ثم أوذي بسبب دعوته، إذا أغلقت أبواب الأرض فثمة أبواب مشرعة مفتوحة.. 
صعد به جِبْرِيل إلى السماء السابعة، وبلغ به سدرة المنتهى، ورأى الجنة وما فيها من نعيم، ورأى النار وجحيمها.. لقد رأى بعض الناس ممن حطوا رحالهم في الجنة بعدما عانوا في سبيل الثبات على الحق في وجه الطغاة.. هناك في الجنة مرَّ عليه الصلاة والسلام برائحةٍ طيبةٍ فقال: ما هذه الرائحةُ يا جبريل؟ قال: هذه رائحةُ ماشطةِ بنتِ فرعونَ وأولادِها، قال: وماشأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنةَ فرعونَ إذ سقطتْ المدري من يديها. فقالت: باسم الله. قالت لها بنتُ فرعونَ: أبي؟ قالت :لا. ولكن ربي وربُّك وربُّ أبيك. قالت: أَوَ لكِ ربٌّ غيرُ أبي؟ قالت: نعم، ربي وربك وربُّ أبيك الله. قالت: أقول له إذاً؟ قالت: قولي له. فدعاها فقال لها: يا فلانة.. أو لك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله الذي في السماء. فأمر ببقرةٍ من نحاسٍ فأحميتْ ثم أمر بها لتلقى هي وأولادها فيها. فقالت: إن لي إليكَ حاجة. قال: وما هي؟ قالت : أن تجمعَ عظامي وعظامَ ولدي في ثوبٍ واحدٍ وتدفننا. قال: ذلك لكِ علينا لما لكِ علينا من الحق. فأمرَ بأولادِها فأُلقوا في البقرة بين يديها واحداً واحداً، إلى أن انتهى ذلك إلى صبيٍّ لها رضيع، وكأنها تقاعَسَتْ من أجله. فقال: يا أمَّهْ! قَعِي ولا تقاعسي، اصبري فإنك على الحق، اقتحمي فإن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرة. ثم ألقيت مع ولدها. فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان.
يا لها من امرأة عظيمة.. قالت كلمة حق، ثم ثبتت عليها وتحملت تبعاتها، حتى ألقت بأولادها إلى الموت واحدا بعد الآخر، فرعون.. اسم ترتعد له القلوب إذا ذكر، قسوة قلب ووحشية وقتل وتعذيب، لكن هذا الاسم لم يرهب ذلك القلب الذي عمر بالإيمان، وكذلك الفراعنة الطغاة في كل زمان لا يرهبون قلوب المؤمنين.. ما أعظمها من مواساة للنبي صلى الله عليه وسلم، وما أجلها من موعظة لنا... 
اطّلع النبي صلى الله عليه وسلم كذلك إلى النار ورأى بعض أهلها، فكان مما رأى: أن رأى أناسا يأكلون الجِيَفَ فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس. وفي رواية أنه رأى قوما لهم أظفارٌ من نحاس يخمشون وجوهَهم وصدورَهم، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس ويقعون في أعراضهم... الغيبة عباد الله كبيرة من الكبائر، الغيبة التي صارت فاكهة المجالس عند كثير من الناس، تفسد العلاقات، وتشحن القلوب وتنشر البغضاء بين المسلمين، لا جرم أن تكون هذه هي العقوبة...
لقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، ثم صعد حتى بلغ مبلغا لم يبلغه مخلوق قط... لقد وقف جِبْرِيل كالحلس البالي، خوفا وخشية لله تعالى.. وصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم نور الله تعالى.. وفي هذا الموقف الجليل بين يدي الله، هناك فوق السماوات السبع فرضت الصلاة على هذه الأمة.. كل الفرائض نزل بها جِبْرِيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما الصلاة فقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء لتفرض عليه.. أفَيُضيُّعها ويتهاون في أدائها من في قلبه تعظيم لرب العزة والجلال، إنها العهد الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".. لقد فرضت خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس، ولها أجر الخمسين، فضلا من الله ونعمة وتخفيفا ورحمة بهذه الأمة... فالحمد لله على نعمائه...

الثانية
بعد هذه الرحلة العظيمة، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.. لقد كان في الليل في القدس، ثم عرج إلى السماء، وأصبح في مكة، إنه يعلم أن كثيرا من كفار قريش سيكذبونه ويستهزؤون به إذا أخبرهم، لكنه كان على يقين.. لم يتطرق الشك إلى قلبه.. لقد حُمِّل أمانة ولا بد من أدائها، إنها أمانة عظيمة، وحمل ثقيل.. هكذا نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسراء والمعراج، إنه ليس مناسبة ليقيم فيها الاحتفالات والمهرجانات ثم ينبذَ كتاب الله وراءه ظهريا كما يفعله بعض الناس... أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الناسَ بما حدث، فاستهزأ به أناس، وراحوا يذيعون ذلك، لقد ظنوها فرصة لا تعوَّض لينالوا من هذا النبي ودعوته.. لم يكونوا يعلمون أن مثل هذا الحدث لا يزيد المؤمنين إلا إيمانا وثباتا.. لقد جاؤوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ظنوا أنهم قد أتوه بباقعة تزلزل إيمانه ويقينه، قالوا له إن صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلةَ إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوةٍ أو روحةٍ.. معادلة بسيطة سهلة.. إذا كنتُ أصدقه بأنه يأتيه الوحي من السماء، فلماذا لا أصدقه في هذه المسافة القصيرة.. أين أولئك الذين يزعمون العقلانية ويتسابقون إلى رد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بأدنى شبهة تظهر لهم.. يحرفون الدين، ويطوعونه ليوافق حضارة العدو الغالب، ثم يزعمون أنهم يحمون الإسلام من سطوة المتخلفين، ووالله إن المتخلف حقا هو الذي يتخلف عن أمر الله ويكذّبه أو يحرفه... 

هذه بعض أحداث الإسراء والمعراج.. وهذا شيء قليل من فوائدها وعبرها.. نفعنا الله بها... وبصرنا بديننا
صنم مانديلا
(بمناسبة إقامة صنم لمانديلا في فلسطين)

عناصر الخطبة:
بيان حرمة الأصنام في الإسلام.
الرد على بعض الشبه التي تسوغ إقامة الأصنام.
أهمية القدوة الحسنة.


بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للأنبياء في آخر الزمان، بعثه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.. وأهم ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك ووسائله وما يؤدي إليه، وإن من أهم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا هو تحريم نحت الأصنام وتحريم نصبها وإقامتها.. روى مسلم عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وبأي شيء أرسلك؟ قال: " أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء". وروى مسلم كذلك عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفا إلا سويته". وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد الناس عذبا يوم القيامة المصورون، وهم الذين ينحتون الأصنام لتعبد من دون الله. 
فتحريم الأصنام من أسس دين الإسلام العظام، بل هو من أهم ما يميز هذا الدين عن غيره من الأديان المحرفة، ومن أهم ما يميز هذه الأمة عن ما سواها من الأمم.. وقد بقي المسلمون على هذا، لا يخالف في ذلك منهم أحد،  حتى غزيت بلاد المسلمين، وعمل الغرب على زعزعة ثوابت العقيدة في قلوب المسلمين، فراحوا يبثون الثقافة العلمانية التي تقوم على الانحلال من الأديان جميعا، وتعادي دين الإسلام على وجه الخصوص، فتأثر بذلك أقوام من المسلمين بسبب جهلهم، وبسبب نفوسهم الضعيفة المهزومة التي تخجل من دينها، وتحب الذوبان والاندماج مع الحضارة المزعومة.
عباد الله! يزعم بعض الناس أن تحريم إقامة الأصنام والتماثيل، كان قديما لما كان المشركون يعبدونها، أما اليوم فقد زال الشرك من قلوب الناس، ووعت قلوبهم التوحيد، فلا بأس إذا من نحت التماثيل وإقامتها، لأنها بزعمهم أحد مظاهر الحضارة في هذا العصر...
وهذا الكلام عباد الله باطل من وجوه، فإن تحريم التماثيل والأصنام تحريم أبدي، لا يزول ولا يتغير، هي محرمة لذاتها سواء عبدت أم لم تعبد.. والحكمة من تحريمها حتى لو لم تعبد، هي أن الزمان يتغير، وقلوب الناس تتغير، فإذا نصبنا نحن أنصابا ولَم نعبدها فلا يؤمن هذا على من يأتي بعدنا.. وهذا تماما هو ما حصل في قوم نوح لما أشركوا، وكان شركهم هو أول شرك يقع في الأرض، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنها في تفسير قوله تعالى: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا)، قال ابن عباس: هذه أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وأوحى الشيطان إليهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم [أي إذا رأيتم تلك الأصنام لأولئك الصالحين كُنتُم أنشط على العبادة] ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت، أي: لما مات الآباء الذين نحتوا تلك الأصنام ولم يعبدوها، وجاء بعدهم جيل قل العلم فيهم عبدوا تلك الأصنام.
عباد الله! إن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحا منصورا بنصر الله، وبسط سلطان الإسلام عليها، أمر بتحطيم الأصنام في مكة وما حولها،  فلا يقول عاقل إن الأصنام كانت ستعبد بعد فتح النبي صلى الله عليه وسلم لمكة، ولو كان ذلك الزعم صحيحا، لأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه أمر بهدمها وحرقها جميعا، وتتبعها وأرسل من الصحابة من يقوم بذلك.. ثم إن فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك في مكة ١٣ عشر سنة، أي أنه عليه الصلاة والسلام حطم أصنام قريش بعد تسعة عشر عاما من بعثته، وقبل موته بثلاث سنوات فقط .. أليست هذه فترة لاستقرار التوحيد في قلوب الناس.. ألم يصف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم خير الناس، فقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وأول ما يدخل في هذا التفضيل وهذه الخيرية هو الخيرية في التمسك بالتوحيد والبعد عن الشرك، فوالله ما كان ولا يكون مثلهم، استقامة على التوحيد وجهادا في سبيل الله، أفيأتي عاقل بعد كل تلك القرون، وفي زمن كثرت فيه الفتن ويقول: نحن في مأمن من الشرك أكثر من الصحابة.
ها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام).. إبراهيم الذي قال الله فيه: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ).. أفيأتي عاقل ويقول بعد ذلك: الناس اليوم قد فهموا الإسلام فلا بأس بإقامة الأصنام.. هذا لو كان قد فهموا الإسلام حقا، بل لا يحقق المرء التوحيد إلا إذا خاف الشرك على نفسه كما خافه إبراهيم عليه الصلاة والسلام.. فكيف إذا كان الحال حكال كثير من الناس هذا الزمان، في بعدهم عن الدين الحق، وتحريفهم لأصوله ومبادئه لتوافق الغرب، واستغراق كثير منهم في الشهوات، حتى تحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء"، فوصف النبي صلى الله عليه وسلم الصالحين المصلحين في آخر الزمان بأنهم قلة، غرباء، لا يسمع لهم.. أفيقال في زمان هذا حاله بأن أهله بعيدون عن الشرك..
ألا يرى ذلك القائل كم هي القبور والمشاهد التي تعبد من دون الله في العالم الإسلامي، تصرف لها النذور والدعاء والطواف، ألا يرى ذلك القائل كم هي الأصنام التي تعبد في العالم من قبل غير المسلمين، ألا يرى ذلك القائل موجة الإلحاد والعلمانية التي تجتاح بلاد المسلمين..
أما ما يزعمه البعض من أن الصحابة تَرَكُوا الأصنام في البلاد التي فتحوها مع قدرتهم على إزالتها فهذا من الظنون والأوهام، ما كان الصحابة ليتركوها مع القدرة عليها، أما ما بقي من تلك الأوثان فإما أنها لم تكن مكتشفة في أيامهم أو أنهم لم يستطيعوا هدمها لكبر حجمها، أما غير ذلك فلا زال دأب الصحابة هو إزالة الأوثان في أي بلد تمكنوا منه، مقتدين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا ثمثالا إلا طمسته.
أما زعمهم بأن الأصنام من التراث الإنساني والإرث الحضاري فيجب الحفاظ عليها، فزعم باطل.. لا كرامة ولا حفظ لمظاهر الشرك مهما كانت موغلة في القدم، لقد حطم النبي صلى الله عليه وسلم أصنام المشركين بمكة مع أنها كانت قديمة جدا، لم يحترمها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحترم دينهم الباطل، لأنه كان على يقين أن دينه هو الحق وأن ما سواه باطل، لم يكن عليه الصلاة والسلام في حيرة من أمره، ولم يكن مفتونا متشربا لثقافة الأعداء حكال بعض الناس في هذه الأيام... 

الثانية
القدوة الحسنة من أهم ما يعين الأمم على الارتقاء إلى المعالي، وكل شخص وكل أمة بحاجة إلى أناس عظماء تحتفي بهم وتقتدي بهم، وهذا الأمر تابع لما يعتقده المرء من دين وما يعتنقه من أفكار، فإن كان مستقيما اتخذ قدوة حسنة مستقيمة، وإن كان غير ذلك ساءت قدوته وساء اختياره، وضل عن الصواب في الشخص الذي يختاره ليكون قدوته... لقد ضرب لنا الصحابة أروع الأمثلة في الصبر على الأذى واحتمال العذاب، والشجاعة والبسالة وشدة البأس في القتال، وما علي بن أبي طالب، وبلال بن رباح، وخالد بن الوليد،  والمثنى بن حارثة، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد، وصلاح الدين ومحمد الفاتح إلا نماذج يسيرة من تلك الأعداد الغفيرة من العظماء الذين ولدتهم هذه الأمة، فمن أراد قدوة في التحرر من الظلم، أو في الشجاعة، أو في القوة في قول الحق، أو في الزهد في الدنيا، ففي تاريخنا عشرات الأمثلة لذلك... ولا يترك أحد عظماء الإسلام ليبحث عن قدوة له من الكفار إلا لأنه لا يعلم تاريخه العظيم، أو لأنه مفتون متابع للغرب في كل شيء، فإذا عظم الغرب شخصا ورفعه تابعهم على ذلك، من دون بحث وتحقق... هل يسوغ أن نربي أمتنا وأبناءنا على الاقتداء بأمثلة سلكت طريقا غير دين الإسلام، هل يسوغ أن نقيم التماثيل لمن روجوا لطريقة ناعمة في التحرر من الظلم، طريقة يحبها الغرب، لأنها قائمة على السلمية في مقاومة الظلم والاحتلال، وطلب المساعدة من دول الغرب لرفع الظلم ومن ثم تقديم التنازلات في سبيل ذلك، وهذا ما يراد ترويجه في هذه البلاد، وأول ما يتنازل عنه في سبيل ذلك هو ثوابت الإسلام، وتمكين التغريبيين من العبث بعقول الناس، والغريب أنه مع كل تلك التنازلات التي قدمت لم يزدد اليهود إلا بطشا وقتلا وهمجية، ولم يزدد الغرب إلا دعما لليهود، إلا من بعض المشاهد التمثيلية التي يخدرون بها عقول بعض الناس.. هناك فرق بين أن يكون الإنسان ضعيفا ذليلا لكنه لا يرضى بذلك ويعمل على رفع الذل عن نفسه بقدر ما يستطيع، وقد لا يستطيع! فرق بين هذا وبين من يستمرئ الذل ويحبه، ويشرعنه ويجعله ثقافة لأبناء المسلمين
فتنبهوا عباد الله...
الصبر طريق النصر، سوريا

عناصر الخطبة:
منزلة الصبر في الإسلام.
التمسك بالدين من أهم معالم الصبر.
سوريا وحقوق الإنسان!
خطورة الهزيمة النفسية.
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).

(يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) لقد جعل الله سبحانه للصبر منزلة عالية في الإسلام، وسببا مهما في النصر على الأعداء، فالنصر والصبر قرينان.. ولأهمية ومنزلة الصبر في الإسلام ذكره الله تعالى في كتابه أكثر من مائة مرة، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: "وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر". وقال علي رضي الله عنه: ألا إنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس باد الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له. 
عباد الله! كما أن للصبر فوائد تعود على العبد في آخرته، فإن له كذلك فوائدَ تعود عليه في دنياه، ومن أهم هذه الفوائد أن الصبر على جهاد الأعداء من أهم أسباب النصر والظفر، وهذه سنة من سَنَن الله الكونية لا تتخلف..لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش إلى الإسلام عشر سنين، ولاقى منهم ما لاقى من أصناف الأذى، سبوه ونكذبوه واتهموه بالجنون والسحر، وضعوا عليه سلا الجزور وأدموا قدميه... “ولا زال الله تعالى يأمره بالصبر وبالتمسك بهذا الدين مرة بعد مرة خلال تلك السنوات العصيبة: {فاصبر صبراً جميلاً}، {فاصبر إن وعد الله حق}، {فاصبر على ما يقولون}، {واصبر حتى يحكم الله}، {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت}، {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل}… ثم بين الله تعالى الحكمة من ذلك، وقرّر القاعدةَ التي تربط النصر بالصبر فقال: {ولقد كُذّبت رسلٌ من قبلك، فصبروا على ما كُذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا}، فإنهم صبروا فنُصروا. ثم جاءت تتمة الآية لتؤكد تلك القاعدة وتقررها سنّةً من سنن الدنيا الدائمة: {ولا مُبدّلَ لكلمات الله}، فإنها سنة باقية في الوجود إلى آخر الزمان…" لكن على ماذا يكون الصبر؟ ولماذا يتحمل المسلم الأذى والجوع والقتل؟ أيصبر على البلاء حتى إذا عرضت عليه الدنيا سارع إليها ونسي دينه؟ لقد عرضت الدنيا على محمد صلى الله عليه وسلم فرفضها؟ فلأي شيء إذا تحمل كل ذلك الأذى؟ تحمله لأجل الدين، تحمله ليبقى ثابتا على ذلك المبدأ العظيم الذي هو دين التوحيد.
عباد الله! إذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم وجدناه واقعا مريرا... مسلمون يقتلون ويحرقون ويجوعون في شتى بقاع الأرض... هاهم اليهود قد عاثوا في بلادنا فسادا، وأمعنوا فينا تضييقا وإذلالا، في كل يوم يسفكون منا الدماء، ويأسرون منا الأشلاء...وإذا تحدثنا عن جراح الأمة فلا بد لنا من أن نيمم وجوهنا إلى جرح الأمة النازف في سوريا، ذلك الجرح الذي ينبغي أن يوجه بوصلتنا إلى الاتجاه الصحيح لنعرف عدونا من صديقنا، أربع سنوات اختصر فيها أعداء الله ما فعله غيرهم في عشرات السنين، رصاص ونار تحرق الأخضر واليابس، براميل متفجرة، مملوءة بالحقد المجوسي على أمة الإسلام، وحشية لا تفرق بين الصغير والكبير، ولا تميز الحجر عن بني البشر.. ومن أقذر تلك الأسلحة التي استخدموها ويستخدمونها سلاح تجويع المدنيين العزل، مدينة مضايا هي إحدى تلك المدن التي اشتد حصارها، الذي تفرضه عليها قوات الكفر والرِّدة من النظام النصيري، وحزب اللات اللبناني، حتى أكل المسلمون هناك القطط والميتات وأوراق الأشجار، لقد ظل خبرها طَي الكتمان، حتى تسربت تلك الصور المرعبة، هياكل عظمية تحمل رمقا من روح، جماجم بشرية تنظر إلى العالم نظرة استعطاف، صور تلخص كذب ما يسمونه بالإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان. عباد الله! إن هذه المآسي ليس بأول ما يُفجع به المسلمون، فالتاريخ بل والحاضر مليء بتلك الابتلاءات التي يطهر الله تعالى بها عباده المؤمنين، فهذه قضية فلسطين المنسية منذ عشرات السنين، قتل وتهجير وتشريد، إلى أن آل حالنا إلى أن صرنا قضية مربحة للتجارة واستدرار الأموال، وهذه مأساة بورما التي لم تعط حقها من قبل الإعلام الرخيص المأجور الذي يدعي النزاهة والحياد، أناس مسلمون يموتون ويحرقون في حفلات الموت الجماعي، من قبل البوذيين الوثنيين، وتلك العراق قد رزحت تحت سطوة الرافضة، الصومال، مالي، السودان، مستضعفون في الصين يمنعون حتى من الصيام في شهر رمضان... عباد الله! كل هذه المأسي والمصائب يجب أن تكون حافزا لنا للتمسك بهذا الدين، فإننا لم نحارب إلا لأجله، حري بِنَا في هذه المواقف الصعبة أن نتذكر الأحداث العصيبة التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومع ذلك ظلوا صابرين ثابتين على دينهم حتى جاء وعد الله، وصاروا سادة العالم بلا نزاع... وإنه مما يؤسف أن بعض المسلمين امتدت الهزيمة إلى نفوسهم وقلوبهم، فصاروا يَرَوْن في الغرب مثلهم الأعلى في الأخلاق والقيم والتقدم، ويرون في دينهم أو فيمن يمثل دينهم كما يزعمون التخلف والرجعية بل والوحشية، تلك النفوس المهزومة صارت كل همها أن تطوع دين الإسلام للمفاهيم العلمانية والليبرالية، فتراهم يحاولون تحريف ثوابت من دين الإسلام، قد اتفق عليها المسلمون على مر العصور، كالولاء والبراء، وتكفير اليهود والنصارى، والجهاد، وتحكيم الشريعة، وحجاب المرأة، واختلاطها بالرجال، وما تركيزهم على هذه المسائل إلا بدافع الهزيمة النفسية والخجل من دينهم... هل يعقل في ظل كل تلك المآسي التي نشهدها أن تخرج مجموعة من الشباب والفتيات في إحدى جامعاتنا، يمسكون بأيدي بعضهم ويتراقصون من غير خجل ولا حياء... والمصيبة الأكبر هي أن نشهد احتفال بعض المسلمين بأعياد النصارى بحجة التسامح الديني، وما هو إلا الذل والانكسار أمام ثقافة العدو الغالب، وإذا كانت نفوسهم قد امتلأت بالتسامح إلى ذلك الحد فليوجهوه إلى المسلمين، الذين لم يحظوا منهم إلا بالخذلان والتجويع.

الثانية
عباد الله! إن الناظر في هذه المآسي يرى أنها تقع في هذا العالم، الذي تحكمه الأنظمة الغربية العلمانية الليبرالية، التي تزعم أنها تسعى لإنهاء الحروب والصراعات، وإحلال السلام، وهي تسعى لحل أي أزمة تقع في العالم، إلا إذا تعلق الأمر بقضية يقتل فيها المسلمون، فإنهم يقفون موقف المتفرج المراقب، بل إنهم يذكون تلك الحروب لتكون أشد فتكا بالمسلمين، ثم يخدرون المغفلين بالوعود الكاذبة، والتصريحات الزئبقية، وذلك لأنهم يريدون استئصال شأفة المسلمين، إن لم يقوموا هم بذلك تَرَكُوا غيرهم ليقوم به، وهذا ليس بغريب، فعداوة اليهود والنصارى للمسليمن مسطرة في كتاب الله، منذ مئات السنين (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) والتاريخ مليء بحقدهم وعدوانهم، ولا يجب أن يغيب عن بال مسلم ما فعلوه بالمسلمين بعد سقوط الأندلس من قتل وحرق وسلخ وتعذيب، وإجبار لهم على الدخول في النصرانية، وهل ينسى أحد الحروب الصليبية، والحملات الاستعمارية، وهل سلم فلسطين لليهود إلا بريطانيا، ومن الذي سلح اليهود بالسلاح النووي أليست فرنسا، ألا يستزؤون بنبينا صلى الله عليه وسلم ويسخرون منه علنا... إلا أن بعض الناس يتوهم أنهم أصدقاء بسبب بعض القرارات الباهتة، وبسبب الدعم الذي يعطونه لنا... عباد الله! إذا كانوا يعطوننا دينارا فإنهم يعطون في مقابله لليهود مائة دينار، ثم إن هذا الدينار الذي يمنون به علينا هم على يقين أنه سيعود بالنفع على اليهود، فكيف إذا علمت أخي المسلم -وهذه النقطة الأهم- أنهم يفرضون علينا كثيرا من الشروط في مقابل ذلك الدينار، ومن هذه الأمور فرضهم لمبادئ العلمانية في حياتنا، بدءا عبثهم بالمناهج الدراسية التي تدرس لفلذات أكبادنا، ومرورا بإفساد المرأة ونشر التبرج والاختلاط تحت شعار تحرير المرأة وتمكينها، وانتهاء بدعم جمعيات ومؤسسات لتنفيذ أجنداتها الخاصة عن طريق الأنشطة والدورات والرحلات، إنهم يقتلوننا لكن بعد أن يعطونا المخدر، إنهم يتبعون طريقة الحروب الناعمة المخملية، وإنها - لو علمتم- لأشد فتكا بالأديان والقيم والمبادئ من حروب النار والرصاص، إنها حروب تشترى فيها الضمائر والأقلام، وتسخر لها وسائل الإعلام، فلنكن عباد الله على بصيرة وانتباه، ولنتمسك بديننا، وإن الضعف وقلة الحيلة والنصير لا يعني الذل، ولا تغيير أفكار الأجيال القادمة لتوافق أفكار أعدائنا... (يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).

استقبال رمضان

عناصر الخطبة:
منة الله تعالى على هذه الأمة.
التبشير بقدوم رمضان.
كيف نستقبل شهر رمضان.
التحذير من الإفطار في نهار رمضان.

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
يعيش الإنسان في هذه الحياة الدنيا سائرا إلى الله سبحانه، سائرا سيرًا حثيثا إلى أجله ونهايته، وإن العاقل الموفق هو الذي يعمر هذه الفترة القصيرة التي يعيشها في الدنيا، ويجعلها ساعات للطاعة، تكون سببا لينال مغفرة الله جل وعلا، ويفوز برضوانه وبجنات النعيم.
وإن الله سبحانه لما جعل أعمار هذه الأمة قصيرة محدودة، أبدلها عن ذلك بمواسم الخير والطاعات، حتى تحصل المزيد من الأجور، وحتى تكون خير الأمم، يضاعف الله سبحانه حسناتها، فضلا منه ورحمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وإن من أعظم هذه المواسم الخيّرة المباركة، شهرَ رمضان، الذي قد أظلتنا نفحاته، وباتت نسائمه على مقربة منا، شهر عظمه الله سبحانه، وعظمه رسوله صلى الله عليه وسلم، وعظمه المسلمون، شهر الطاعة والإخلاص، شهر التوبة والإنابة، شهر سلامة الصدور وطهارة القلوب، شهر النصر والفتوحات والتمكين.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح بقدوم هذا الشهر.. يستبشر به، يبشر به أصحابه فيقول: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله -عزّ وجلّ- صيامه، تفتّح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم».
ياله من خير يسر المؤمنين، وياله من ثواب يحرك النفوس الخاملة، وياله من فضل يُلِين القلوب القاسية.
إنه مناد ينادي الجميع، ينادي الطائع المستقيم: أن قد جاءك موسم مضاعفة الثواب والحسنات فَجِدَّ واجتهد، وينادي العاصيَ المفرِّط: أن قد جاءك موسم الرحمة فتب إلى ربك، وأقصر عن عصيانك وغيك.
إنه شهر تصفَّد فيه مردة الشياطين، فيسهل على الصالح الاجتهاد في العمل الصالح، وتسهل التوبة على المذنب المفرط،  قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير: أقبل، ويا باغي الشر: أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».
عباد الله! إذا أردنا أن نوفَّق في شهر رمضان فعلينا أن نحسن استقباله، فإنه ضيف عزيز، لا يمكث طويلا، فإذا دخل رمضان فليس هناك وقت لتفكر ماذا تفعل، فإن أيامه سريعة، وإن النفس الأمارة بالسوء ستُمَنِّيك بطول الأمل، ولن يتركك أهل الفساد، ومروجو الرذيلة وشأنك في هذا الشهر..
فمن أهم الأمور التي ينبغي أن تَستقبل بها شهر رمضان: أن تفرح بقدومه، وتستبشر به، وتنوي صيامه إيمانا واحتسابا، إيمانا بوجوب صيامه على المكلفين من المسلمين، واحتسابا للأجر العظيم والثواب الجزيل عند الله سبحانه. قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وقال: «من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». فاطلب مغفرة ذنوبك بصيامك، واقصد العتق من النيران بجوعك وعطشك، كن محتسبا متذكرًا للأجر، إذا أحسست بتعب فقل هذا لترضى يا رب، لا تنظر إلى رمضان على أنه شهر جوع وعطش وحرمان، بل انظر إليه على أنه شهر توبة وطاعة وغفران...
ومن أهم الأمور التي ينبغي أن يُستقبل بها شهر رمضان كذلك: أن تعلم يا عبد الله كيف تستغل شهر رمضان، بماذا تملأ وقتك؟ ماذا يريد الله سبحانه منا أن نفعل في هذا الشهر؟.. إن المؤمن الموفق يعلم أن رمضان هو موسم عبادة، موسم مضاعفة الحسنات، موسم التسابق والمسارعة إلى الخيرات، موسم إطعام الطعام، موسم الصدقات، موسم القرآن والقيام، موسم تفتح فيه أبواب الجنة.. أيام معدودة، وساعات قليلة، إن أحسن المسلم استغلالها فاز وحظي بالخير العظيم، لذلك فالموفق في رمضان وقته ضيق، لأنه معمور بذكر الله وقراءة القرآن، تراه يتمنى لو وجد مزيدا من الوقت ليتقرب إلى الله سبحانه.. هذه هي النظرة الصحيحة لرمضان، هذه هي نظرة الصحابة لرمضان، هذه هي نظرة أصحاب الهمة العالية لرمضان... أما تلك النظرة الشائعة بين بعض المسلمين، والتي غذتها وسائل الإعلام الهابطة.. التي جعلت شهر رمضان موسما للمسلسلات، موسما للمسابقات والاحتفالات والبازارات، موسما للتبرج والاختلاط والسهرات الغنائية، موسما للبذخ والإسراف.. هؤلاء ليسوا إلا قطاع طرق، يقطعون عليك طريق المغفرة، يأخذونك إلى الاتجاه الخاطئ، ويضيعون عليك أوقاتك الغالية، فإياك وإياهم.. اقصد إلى ما تريد ودع عنك أولئك المفسدين..
عباد الله! ها نحن على أعتاب شهر رمضان، قد أوشك أن يحط رحاله بيننا، ويوشك أن يرتحل سريعا، ألا فلتعلموا عباد الله! أن إدراك هذا الشهر منحة عظيمة، واعلموا أن من أحسن ما يُستقبل به هذا الشهر: أن يُستقبل بالتوبة النصوح، وإذا كانت التوبة مرغبا فيها في كل وقت، فهي في رمضان أشدُّ تأكيدا، وباب التوبة مفتوح فأقبلوا على الله بقلوبكم، (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر لذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب يغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين). فَيَا أيها المقيم على العصيان قد أتاك شهر الغفران، تدارك نفسك، واشتر سعادتك، قبل أن يدركك الأجل، لا تعتمد على قوتك، فإنها تذهب في لمحة عين، ولا تؤمل بشبابك، فإنك ترى الموت يخطف الشباب كما يخطف الشيوخ، لن ينفعك مالك ولا جاهك ولا صديقك، ستموت وحدك وتحاسب وحدك، فأقبل على من بيده القلوب، واسأله توبة صادقة، ومغفرة تذهب بخطاياك. 
واعلموا عباد الله! أن التوبة لا تكون صادقة إلا بالإقلاع عن الذنوب، وبالندم على ارتكابها، وبالعزم على عدم العودة لها.. وإذا كانت هناك حقوق مالية لأحد عليك فتوبتك غير صادقة حتى تعيد الحق إلى أهله
(سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

الثانية
عباد الله! صيام شهر رمضان فريضة ربانية على كل مسلم مكلف بالصيام، فرضه الله تعالى في كتابه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ). 
وهو ركن من أركان الإسلام العظيمة، من ترك صيام يوم متعمدا من غير عذر فقد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وتعرض للعقوبة من الله سبحانه، وقد أطْلَع الله سبحانه نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم على عذاب بعض أهل العصيان فكان ممن رأى: أولئك الذين يفطرون في نهار رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: «.. ثم انطلقا بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشقّقة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: من هؤلاء؟! قالا: الذين يفطرون قبل تحلّه صومهم». معلقون من أرجلهم وتسيل أفواههم دما. 
وكيف لا يكون ذلك وقد خالفوا أمرا عظيما من أوامر الله سبحانه، لم يراعوا حرمة الشهر.
وإن ضعف الإيمان، وقلة العلم سبب لذلك التفريط العظيم، فضعيف الإيمان يلتمس أي فرصة ليفطر، ويعتبر مجرد الجوع والعطش سببا مبيحا للفطر، ويتذرع بأي ذريعة ليتملص من الصيام.. وهل يريدون الجنان بلا تعب ولا مشقة، أم يريدون الفلاح وهم مقيمون على شهواتهم وملذاتهم، إنهم يعرضون أنفسهم لعقوبة عظيمة لو كانوا يعلمون. 

وفئة أخرى قد ضاقت ذرعا بالإسلام وأحكامه، لا يَرَوْن في فرائضه وأركانه إلا كبتا للحريات، وكبحا للشهوات، قد غرقوا في مستنقعات العلمانية، فلا يَرَوْن وجوب صيام ولا صلاة ولا غيرها، قد يخافون من التصريح بهذا، ولكن يبدوا ذلك على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم، (ولتعرفنهم في لحن القول).
رمضان شهر النصر

عناصر الخطبة:
انتصارات المسلمين في رمضان.
العبرة من هذه الانتصارات.
انتصارات الفاسقين في رمضان.

فإن شهر رمضان شهر مبارك كثير الخير.. خير في دين الناس برجوعهم إلى الله تعالى، وإقبالهم على العبادة.. شهر مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات.. وهو شهر خير كذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا.. شهر تنزل فيه نصر الله تعالى على المسلمين، وكبت فيه أعداء الدين.. لما أخذ المسلمون بأسباب النصر كان النصر حليفهم في هذا الشهر في عدة مواقع عبر التاريخ.
فَلْنُشِح وجوهنا، ولنغمض أعيننا قليلا عن أولئك المخذولين، الذين سلبوا من هذا الشهر كل معاني العبادة والتقوى والعزة، وحولوه إلى لعب وَلَهْو، ولنعد إلى أيام العزة والتمكين، علنا نأخذ منها الدروس، ونجد فيها ما يرفع الهمة، ويقوي العزيمة.
معشر الصائمين: لقد كان “رمضان موسم نصر للمسلمين على امتداد التاريخ، حين شهدت أيامه الخالدة معارك خاضها المسلمون مع الأعداء على تنوع دياناتهم، واختلاف أقطارهم، وتفاوت عَددهم وعُدَّتهم، أكرَمَ الله فيها أولياءه بالنصر المبين، فكانت تلك المواقع الرمضانية فيصلاً في تاريخ الأمة، ونقطة تحوُّل في مسيرتها واتساع رقعتها، وشامة في جبين عزها وهامة هيبتها”.
ففي رمضان من السنة الثانية كانت غزوة بدر الكبرى، تلك الوقعة الفاصلة في تاريخ الأمة.. سماها الله تعالى بيوم الفرقان، فرق الله في هذا اليوم بين المشرك والموحد، فرق بين من خرج بطرا ورآء الناس وصدا عن سبيل الله، وبين من خرج مؤمنا صابرا يبتغي رضى مولاه، نصر الله عباده المؤمنين، وأيدهم بمدد من عنده، فنصر بهم دينه، وأعلى بهم كلمته، ونالوا شرف الدنيا والآخرة (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون).
وفي رمضان من السنة الثامنة كان فتح مكة على يد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بعدما نقضت قريش صلح الحديبية، دخلها النبي صلى الله عليه وسلم عزيزا قويا، متواضعا لله جل وعلا، عفا عن جملة قريش، ودخلوا ومعهم العرب في دين الله أفواجا، ثم حطم الأصنام، وحرق بعضها، ولم يترك واحدا منها، إقامة لمعالم التوحيد، ونبذا لمعالم الشرك إلى الأبد، ولو كره الكافرون.
ومن المعارك الأخرى التي وقعت في رمضان: موقعة البويب، وكانت في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، كانت مع الفرس على يد الصحابي المثنى بن حارثة -رضي الله عنه-. 
وفي رمضان من السنة الخامسة عشرة كانت معركة القادسية الشهيرة بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص.
وفي رمضان عام ثلاث وخمسين استعاد المسلمون جزيرة رودس على يد القائد جنادة بن أبي أمية، بأمر الخليفة الصحابي معاوية بن أبي سفيان. 
وفي رمضان من عام ثلاثة وتسعين فتحت الأندلس على يد القائد طارق بن زياد.
وفي رمضان من السنة الرابعة والتسعين افتتحت بلاد الهند والسند على يد القائد الشاب محمد بن القاسم. 
وفي رمضان من عام ( ٢٢٣) كان فتح عمورية المشهور.
وفي رمضان من عام ( ٢٦٤) فتحت مدينة سرقوسة في جزيرة صقلية الأوربية.
وفي رمضان من عام ( ٥٨٣) كان تحرير مدينة صفد من قبضة الروم على يد القائد صلاح الدين الأيوبي.
وفي رمضان من عام  ( ٦٥٨) كانت هزيمة المغول في معركة عين جالوت. 
وفي رمضان من عام (٦٦٦) كان فتح أنطاكية. 
وفي رمضان من عام (٦٧٣) افتتحت أرمينيا الصغرى. 
وفي رمضان من عام ( ٧٠٢) كُسرت شوكة المغول في معركة شقحب. 
وفي رمضان من عام (٧٩١) فتحت بلاد البوسنة والهرسك على يد القائد العثماني السلطان مراد. 
وفي رمضان من عام (٨٨٩) فُلّ حدُّ الروس على يد العثمانيين في واقعة القرم. 
هذا هو تاريخنا المشرق في رمضان، هؤلاء هم أجدادكم يا أحفاد المثنى، لقد شغلوا أنفسهم بتحصيل ما يرضي الله تعالى، لقد شغلوا أنفسهم بطلب المعالي.. وبعضنا يكد ويجتهد لغرس ثقافة الذل بين المسلمين، يسعى لتربية جيل مسالم متسامح بزعمهم، جيل يسلم منه الأعداء.. نعم قد نكون ضعفاء ماديا، لكن هذا الضعف أبدا لا يسوغ تغيير الأفكار والثقافات، لا يسوغ ترك الإعداد الإيماني والمادي، لا يسوغ أن يستحي بعض الناس من تاريخه المشرق.. كيف يطلب النصر من لا يميز بين العدو والصديق الولي، أي نصر ذاك الذي يكون بالارتماء في حضن الأعداء.
لا تظنوا أن فرح الغرب بهلاك المسلمين وتجويعهم، يفوق فرحهم برؤيتنا ونحن نحتفل بيوم المرأة أو ننحن ندعو إلى التسامح، والله إن فرحهم بتركنا لديننا لا يقل عن فرحهم بقتلنا، (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). 
إن انتشار ثقافة الذل هذه ليس حديثا، بل هو من جملة الحروب الثقافية، في كل فترة من الزمن ينشؤون فينا فئة تبتلع ثقافة الغرب بكل ما فيها من كفر وقذارة، وتجتر شبه المستشرقين البالية، ثم تخرج لنا بدين يناسب الأعداء باسم التجديد الديني، والثورة على الثوابت.. لقد كانوا بردا وسلاما على الأعداء، حربا ونارا وشؤما على دينهم وأبناء جلدتهم، ووالله ما يضرون إلا أنفسهم لو كانوا يعلمون ( يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)

الثانية
فقد علمنا عباد الله أن هذا الشهر الفضيل كان عند المسلمين الصادقين شهرا للنصر والعز والتمكين، والمتأمل في واقعنا اليوم يرى أن المفسدين في الأرض كذلك جعلوا هذا الشهر شهرا للنصر، لكنهم جعلوه شهر انتصارات من نوع آخر، جعلوه شهر انتصار على الفضيلة والأخلاق، جعلوه شهر إبادة للعفاف والقيم، أناس يريدون للمؤمن الخسارة، وإذا كانت شياطين الجن تصفد وتغل في رمضان، فإن شياطين الإنس يسرحون ويمرحون، ويمكرون ويخططون، تراهم يكثرون من الإعداد الخلاب للأفلام والمسلسلات، وبرامج المسابقات، والسهرات الرمضانية، التي يعصى الله سبحانه وتعالى فيها... 
"يتفننون في كيفية إهدارِ أوقاتِ المُسلمينَ الثَّمينةِ .. فوازيرُ ومُسلسلاتُ .. وحفلات غنائية وتفاهاتُ .. ولقاءاتُ نُجومِ العَفنِ الفني من فاسقينَ وفاسقاتِ .. موسيقى وسفورٌ .. واختلاطٌ مُحرمٌ وفُجورٌ .. والعجبُ كلَّ العجبِ .. وهم يُحَادُّونَ اللهَ تعالى في حكمتِه .. فهو سبحانَه جعلَ رمضانَ لمغفرةِ الذُّنوبِ وعِتقِ الرِّقابِ من النَّارِ .. وأوصى فيه بأنواعٍ كثيرةٍ من الطَّاعاتِ .. وفرضَ صومَه للتَّقوى والتَّخلُّصِ فيه من الشَّهواتِ .. وهم جعلوه شهرَ هَزَلٍ ومُجونٍ وسَخافاتٍ .. (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ والمغفرة بإذنه) 
يا أهلَ الإسلامِ .. إذا كانَ مَنْ قبلَكم يتركونَ كثيراً من المُباحاتِ بل وبعضِ الطَّاعاتِ ليتفرغوا لقراءةِ القرآنِ في رمضانَ .. فكيفَ بمن يُضيُّعُ أوقاتَ رمضانَ الغاليةَ بما فيه سَخطُ الرحمنِ؟! "

وإن بلادنا كغيرها من البلاد، قد نالها شيء كثير من عبث أولئك المفسدين ومكر أولئك المجرمين... فإياكم ودُعاةَ الشَّرِ .. الذينَ يَسرقونَ منكم أغلى أوقاتِكم .. ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)
الولاء والبراء

عناصر الخطبة:
معنى الولاء والبراء.
النهي عن مولاة الكفار.
المعاملة الوسطية لأهل الذمة.

قال تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) لقد نص الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة على أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والموالاة "هي التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا"، فالمؤمنون يحبون بعضهم ويتقربون من بعضهم، لكن لماذا يحبون بعضهم؟ السبب في ذلك يا عباد الله هو اشتراكهم في وصف الإيمان والإسلام، فهذا أساس حبهم لبعضهم ونصرتهم لبعضهم، وهو سبب عظيم جعله الله تعالى محور الحب والبغض بين الناس، ومحور الولاء والبراء، مهما تباعدت بلدانهم، ومهما اختلفت أعراقهم ولغاتهم، فالمسلم يحب المسلم وينصره ويتقرب منه وإن كان من غير بلده أو غير عرقه، والمسلم يبغض الكافر ويتبرؤ منه ولو كان من بلده أو من عرقه، بل ولو كان أباه أو أخاه، قال تعالى: ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) وقد نفى الله الولاية والمحبة الدينية بين المؤمنين والكافرين في آيات كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) وقال تعالى: ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) وقال جل وعلا: ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) ومعنى البراءة من الكافر، هو أن يبغضه المسلم لأجل دينه الباطل، وألا يناصره على المسلمين، وأن يعتقد أن دين الكافر باطل، وأن كل دين غير دين الإسلام باطل، وأن الله تعالى لا يقبل إلا الإسلام، وأن من مات على غيره دخل النار، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وقال تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام) وقال : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أمرين لا بد منها حتى يكون الإنسان مسلما ناجيا يوم القيامة، الأول أن يكفر بكل ما يعبد من دون الله، من صنم أو حجر أو نبي أو ولي، وثانيا أن يؤمن بالله وحده معبودا مطاعا، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فمعنى (لا إله) هو الكفر بكل ما يعبد من دون الله، ومعنى ( إلا الله) إثبات العبادة الخالصة لله وحده، فإذا عبد الله وعبد غيره معه لم يكن مسلما، وإذا صرف أي صفة صفات الألوهية أو الربوبية لغير الله فقد كفر، لذلك فقد أجمع العلماء على أن من نواقض الإسلام أن لا يكفِّر الإنسانُ الكفار، أو أن يشك في بطلان دينهم، أو أن يصحح مذهبهم، كأن يقول: إن اليهود والنصارى ليسوا كفارا، أو أنهم قد يدخلون الجنة، فهذا من نواقض الإسلام، لأن من قال هذا فقد ساوى بين الإسلام وبين غيره من الأديان الباطلة، وكذب صريح القرآن، وقد قال تعالى: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
عباد الله! إن الكافر عدو لله تعالى، لأنه يصف الله بصفات النقص، ولأنه يصرف العبادة لغيره، ولأنه يطعن في دينه، وقد أمرنا الله تعالى باتخاذهم أعداء، قال تعالى: ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)، وأي عداوة لله أعظم من أن يقول المرء إن الله ثالث ثلاثة، أو أن يقول إن عيسى إله، أو أنه ابن الله، أو أن يقول إن العزير ابن الله، أو أن يقول إن عليا إله، أو أن يكفِّر أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يقول إن القرآن محرف، إلى غير ذلك من العقائد الكفرية.
عباد الله! إن البراءة من الكفار ودينهم هو منهج الأنبياء والمرسلين جميعا، فقد جعل الله تعالى لنا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن معه قدوة حسنة لأنهم تبرؤوا من قومهم لما كفروا، قال تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منك ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء حتى تؤمنوا بالله وحده) وقال تعالى: ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وقال: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين )وقال هود عليه الصلاة والسلام لقومه: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه) وهذا ما أمر الله به سيدَ الأولين والآخرين نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فقال تعالى ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) وقال ( قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون). عباد الله! لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن «الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان» فحب الإنسان وبغضه لأي أحد ينبغي أنت يكون الأساس فيه هو مدى البعد أو القرب من دين الله تعالى.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سورة الكافرون براءة من الشرك (قل يأيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين)

الثانية

* فقد علمنا عباد الله ما ينبغي أن يكون عليه المسلم في عقيدته وقلبه تجاه الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وكما أمرنا الإسلام بما ينبغي أن يكون في قلب المسلم في هذا الأمر، فقد أمرنا بما يجب علينا تجاه  الكفار في المعاملة الظاهرة، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع، أما معاملة دولة الإسلام لغيرها فإنها تخيرهم ما بين الجزية أو الإسلام والحرب، إذا كانت قوية قادرة على ذلك، وأما على صعيد المجتمع، فقد أعطى الإسلام الأمان لأهل الكتاب إذا عاشوا في دولة الإسلام ملتزمين بما يفرض عليهم من دفع الجزية وغيرها، وجعل دماءهم لذلك معصومة، لا يجوز التعدي عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، والله تعالى لم ينهنا عن الإحسان إليهم في المعاملة حتى يحبوا دين الإسلام، قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )، واعلموا عباد الله أن هذا البر والإحسان لا يلزم منه أن نحبهم لأجل دينهم، فالمسلم مأمور مع بره وإحسانه إليهم أن يبغضهم لأجل دينهم، وأن يعتقد كفرهم، وأما أن نعتقد أنهم على دين صحيح، أو أنهم قد يدخلون الجنة، أو أن نحتفل بأعيادهم، فليس هذا من البر والإحسان بل من الكفر والطغيان، فالعلاقة بين المسلم والذمي علاقة متوازنة ليس فيها ظلم ولا قتل ولا غش، وليس فيها نفاق ودهان وبيع للأديان، إنما هو التحيبب في دين الإسلام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما زار ابنَ جارِه اليهودي وكان يحتضر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قل لا إله إلا الله، فقال الأب  اليهودي لابنه: يا بني أطع أبا القاسم، فأسلم ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.
النهي عن التفرق

عناصر الخطبة:
النصوص الآمرة بالاعتصام بالدين، الناهية عن التفرق فيه.
ما المراد بالتفرق؟
من صور الفرقة في العصر الحاضر.

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)… لقد أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات بالاعتصام بحبل الله تعالى، وهو دينه وشرعه وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن التفرق في هذا الدين، ولقد جاءت النصوص كثيرة في التحذير من التفرق وذمه وذم أهله، فمن هذه النصوص قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذه سبل» أي: متفرقة، «على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله). وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة.
ولقد برأ الله تعالى نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم ممن اتصفوا بهذا الوصف، فقال: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء). وحذرنا الله سبحانه من التفرق في الدين وذكر أنه من صفات أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)، وقال تعالى: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون). ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفرق والتشرذم والاختلاف، فمن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا: فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، بل إنه عليه الصلاة والسلام أرشد في وقت الفتن وكثرة اختلاف الناس، وكثرة فرقهم… أرشد إلى اعتزال الفرق والاختلاف، وحث على الاعتصام بالدين، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَن»، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر»، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». أفبعد هذا البيان النبوي الشافي، والمنهل الرباني الصافي…أفيلتمس طالب الحق الصادقُ الهدى من غير هذه النصوص الهادية.
عباد الله! إن الله تعالى أمرنا أن نجتمع ولا نتفرق، وأن نتحد ولا نتشرذم… ولكن نجتمع على ماذا؟ هل أمرنا أن نجتمع على القومية والوطنية؟ هل أمرنا أن نجتمع على دين محرف يمزج بين الإسلام والعلمانية؟ هل أمرنا أن نجتمع على الكفر والضلال؟… لا والله! بل أمرنا أن نجتمع على دينه، دين الإسلام والتوحيد، دين الكفر بالأصنام والطواغيت، قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها)، وقال تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فاستمسك بالذي أوحي إليك). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي»، والمراد بالتمسك بالدين عباد الله! هو الالتزام بالدين كما نزل من عند الله، وعدم التغيير والتبديل، وعدم تحريف معاني النصوص لتوافق أهواء هذا الشخص أو ذلك الحزب، أو لتوافق التطور والحداثة والمدنية، وغير ذلك من الشعارات البائسة.
عباد الله! إن أصل الفُرقة هي الفرقة والاختلاف في فهم أصول الدين وقواعده، فإذا حصل خلاف من بعض الناس في فهم هذه الأمور، وحصل منهم تحريف لأصول الدين وثوابته ومسلماته، فقد وقعوا في الفرقة والاختلاف الذي ذمه الله تعالى، كما قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)، وانظروا كيف ذم الله تعالى أهل الكتاب لأنهم اختلفوا وتفرقوا، وحرفوا دينهم، بل ذكر أنهم تفرقوا بعدما جاءهم العلم، زيادة في ذمهم، لأنهم لم ينتفعوا بذلك العلم، إنما جعلوه وسيلة لتحريف الدين وتبديله، فاختلفوا وتفرقوا واستحقوا غضب الله، قال تعالى عنهم: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)، وقال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)، وقال عنهم: (…ولكن اختلفوا فنهم من آمن ومنهم من كفر).
ولقد حذى كثير من المسلمين حذوهم، واقتفوا أثرهم، واتبعوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: «فمن!؟»، أي: فمن إن لم يكونوا هم!… سلكوا سبيل أحبار أهل الكتاب، فحرفوا الدين وبدلوه، وغيره وشوهوه، كل بحسب هواه، وبحسب مصلحته… فمنهم من جعله قتلا للمسلمين واستحلالا لدمائهم، ومنمه من جعله وسيلة للوصول إلى المصالح الدنيوية، ومنهم من جعله دينا أمريكيا مسخا، ليظهره بالمظهر الحضاري، ليرضي به أسياده من المنافقين والكفار، جاؤوا إلى عقيدة التوحيد فطمسوها بحجة أنها تفرق الناس، وألغوا الولاء والبراء وتكفيرَ الكافر وسموه تمييزا وتشددا، وألغوا الجهاد وسموه إرهابا، ألغوا الحكم بالشريعة وسموه تخلفا ورجعية وظلامية، وأتوا إلى المرأة فجردوها من حجابها وأخلاقها وحيائها، بحجة تحرير المرأة، وتمكين المرأة، فنشروا الرذيلة وطمسوا معالم العفاف الفضيلة…. كبتهم الله وكفى المسلمين شرهم… (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا...)

الثانية
فإننا في هذا الزمان نشهد صورا مختلفة من محولات تحريف دين الإسلام وتطويعه، مما يؤدي إلى تفرق المسلمين في فهم أساسيات دينهم... وإن هذه الدعوات الآثمة الضالة التي تنادي بتحريف دين الإسلام تستغل بعض الحوادث والوقائع لتلصق التهم والفظاعات بدين الإسلام، وإن من خبث هذه الفئة المنحرفة أنها تدعي الإسلام، وتدعي الحرقة والخوف على الإسلام، وتدعو إلى تحريف دين الإسلام تحت شعارات براقة، كتجديد الخطاب الديني، وكالثورة على الموروث الفقهي، وربما جعلوا أصول دين الإسلام من جملة العادات والتقاليد البالية... وحقيقة أمر هؤلاء لا يخرج عن محاولة لتطويع دين الإسلام ليوافق حضارة الكفر والشهوات والضلالة، وذلك لأحد سببين: إما أنهم منبهرون بما أعطاه الله تعالى لأولئك الكفار من الدنيا، خجلون من دينهم، خجلون من واقع المسلمين المرير، مع أنهم كانوا من أهم أسباب تخلف المسلمين... وإما أنهم أعداء متربصون بالإسلام وأهله، يتظاهرون بالإسلام لخديعة المسلمين... وإن من أساليب تلك الفئة الباغية على دين الإسلام أنهم يحاولون الطعن في أئمة الإسلام وتشويه صورتهم والتهوين من شأنهم كالطعن في البخاري ومسلم والأئمة الأربعة وشيخ الإسلام ابن تيمية، يطعنون فيهم وينسفون جهودهم تحت شعار عدم التقليد والتعصب،  ويتناسون -بخبث- أن أمثال هؤلاء الأعلام ما جاؤوا إلا بما اجتمعت عليه أمة الإسلام، لكنهم يريدون من الطعن بهؤلاء الأعلام الوصول إلى ثوابت الدين ليغيروها، وليجعلوا دين الإسلام دينا محرفا كدين اليهود والنصارى، وهيهات لهم ذلك... فاللهم اكفنا شرهم وجنبنا سبيلهم