الخميس، 22 سبتمبر 2016

خطر الإعراض عن ذكر الله

عناصر الخطبة:
- قصة آدم ونزوله إلى الأرض.
- الطريق الحقيقي للسعادة.
- حضارة الغرب.
- أهمية تحصين المجتمع المسلم من الأفكار الهدامة.


(ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى)
هذه الآية الكريمة هي جزء من قصة تخص كل إنسان على هذه الأرض، إنها قصة نزول آدم عليه السلام من الجنة إلى هذه الأرض.. بعدما خلق الله تعالى آدم -فسواه وأحسن خلقه وفضّله وعلّمه- أمره ألا يقرب شجرة معينة في الجنة، ابتلاء له وامتحانا، فما كان من الشيطان إلا أن وسوس لآدم، فأغراه بالوعود الكاذبة، ومَنَّاه بالأماني إذا هو أكل من تلك الشجرة، كما قال تعالى حاكيا لنا كلام الشيطان لآدم: (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين)، إنها طريقة الشيطان في إغواء ابن آدم، والتي استمر حدوثها فيما بعد.. ولما كان من طبيعة البشر النسيان والغفلة أطاع آدم الشيطان راغبا في الخير الذي وعده به إبليس، فأكل من الشجرة، وعصى ربه وغوى، ثم تاب الله عليه وهداه، ولكن أمره بأن ينزل إلى الأرض، أمره بأن يفارق دار النعيم المقيم إلى حين، أنزله إلى الأرض ويسر أمور العيش فيها، وجعلها ممهدة مستقرة صالحة للعيش.. لكن الله سبحانه كان رحيما رؤوفا بعباده، فإنه لما قضى بأن يسكنوا هذه الأرض إلى حين لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم رسلا وأنزل إليهم كتبا، تدلهم على الطريق القويم، وتهديهم إلى الصراط المستقيم، لأن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية قد طبعت على الغفلة والنسيان والظلم -إلا من زكى نفسه-، ولأن الله تعالى يعلم أن الشيطان لم يفتر عن الوسوسة ومحاولة إضلال ابن آدم… لقد جعل الله تعالى هذه الدار مكانا للتكليف والامتحان والاختبار، فمن لزم أمر الله تعالى وتمسك بالهدى الذي نزلت به الكتب وأرسلت به الرسل، كان سعيدا في حياته على هذه الأرض، فائزا رابحا في الآخرة، وأما من عصى واتبع الشيطان وخالف الرسل، فقد توعّده الله تعالى بعقوبتين: أحدهما: أن تكون معشيته على هذه الأرض ضنكا، لا طمأنينة فيها ولا انشراح صدر، صدره ضيق ولو تنعم، ولو أكل وشرب وعمّر الدور وجمع الأموال، يضيق بنفسه وتضيق به نفسه حتى لا يجد لذلك مخرجا، وأما العقوبة الثانية: فهي العذاب في الآخرة، يحشر هذا المعرض أعمى يوم القيامة، جزاء لتعاميه عن الحق والهدى في الدنيا… لقد جمعت الآيات كل هذه المعاني بأوجز عبارة، وأبلغ إشارة حيث قال الله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).
عباد الله! إن أبرز خطر على الإنسان في هذه الدنيا إذا أعرض عن العمل بالإسلام والتزام أوامر الله: هو أنه سيحيى حياة تعسية ضيقة، ولو توفرت له كل متع الدنيا وشهواتها، وهذا كتاب الله ناطق بذلك، والواقع يشهد، فكم من الناس لا تنفعه كل أمواله لتوفر له استقرارا وراحةً نفسية، كم من الأغنياء بنتحرون في الغرب، ألم توفر لهم المراكب الوثيرة والمباني العالية الجميلة، والخضرة اليانعة، والمياه الجارية، ألم توفر لهم تلك السعادة التي يجدها ذلك الفقير المسلم الذي يجلس بين عياله على قوت قليل.. إنه معنى لا يفهمه إلا من فهم الآيات السابقة.
عباد الله! إن الطريق الصحيحة التي تجلب السعادة في الدنيا لا تكون إلا بالاستقامة على أمر الله سبحانه، ثم بالأخذ بالأسباب الدنيوية الموصلة إلى ما ينفع الناس، وذلك بتعلم العلوم الدنيوية، والإتقان في العمل، والصبر حتى نبلغ الغاية.. ولقد أخذ المسلمون بذلك دهرا من الزمن فدانت لهم الدنيا، وبلغوا تقدما علميا كبيرا.
وفي هذا العصر، وبسبب الهزيمة النفسية التي لحقت بكثير من المسلمين، ينبهر كثير من الناس بما عند الغرب من تقدم علمي… نعم نحن لا  نشكك في ذلك التقدم، لكن ينبغي على المسلم إذا رأى ذلك التقدم العلمي أن يضع في اعتباره أمرين: أن ينظر إلى النواحي السلبية الأخرى عندهم وهي كثيرة، وأن يعلم أن مجرد التقدم العلمي ليس ممدوحا إذا كان قائما على الكفر بالله سبحانه.. إن الأمم الغابرة التي حدثنا القرآن عنها كانت أمما عظيمة في مقاييس الدنيا، بنت المدن وأعلت الأسوار وطافت البلاد.. لقد نحتت ثمود بيوتها في الجبال، وطافت عاد البلاد، وطغى فرعون وكون قوة عسكرية قوية… فهل نفعهم ذلك مع كفرهم… ما كان تقدمهم إلا سببا في زوالهم.
أما صور النقص والتقصير عند الغرب فكثيرة، سببها وأساسها أنهم ظنوا أن بإمكانهم أن يقودوا البشرية إلى السعادة دون الحاجة إلى الوحي المنزل من عند الله، فراحوا يسنون القوانين والتشريعات بما يناسب عقولهم بكل ما فيها من كبر وغرور وشهوات، فأفرز ذلك شيئا من التقدم الدنيوي الذي يغر بريقه بعض الناس… لكن تحت ذلك البريق عوامل وأسباب كفيلة بأن تدمر أي مجتمع ولو بعد حين، فانتشار الربا وأكل مال الناس بالباطل من أعظم صور الظلم، والظلم وجوده كفيل بأن يدمر أي أمة ولو كانت قوية، وانتشار الزنا والانشغال بالشهوات كفيل بتدمير النفوس وتشويهها، وانتشارُ التبرج وعدم ستر النساء قادهم إلى ظلم المرأة وجعلِها أداة للترويج للسلع، ووسيلة للتسلية والترفيه… نسب اغتصاب لا يمكن حصرها، مع عجز ظاهر عن معالجة هذه المشكلة.. إنهم يكتفون برفع شعار حقوق المرأة… وأما ما عندهم من تفكك اجتماعي فلا تسل عنه، لا الوالد يعرف ابنه، ولا الابن يعرف أباه… لقد حاولوا أن يصلوا إلى السعادة فأعلوا المباني، وجملوا الحدائق، فما ازدادت نفوسهم إلا ضيقا وتعاسة، فزادت نسب الانتحار عندهم كثيرا… لا تتعجب.. فعندما تفتن النفس بحب الدنيا وتخلو من الديانة ومراقبة الله تعالى فإنها سوف تتبع هواها، وبناء على هواها سوف تقرر ما تتبناه من عقيدة وفكر، ثم تشد ذلك البنيان وتقويه وكأنه فكر ناضج نافع للبشرية، وهذا هو الضلال بعينه، فتنظيم أمور الحياة بكل تفاصيلها يحتاج إلى علم تام، يحتاج إلى تجرد عن الرغبات الشخصية، وأنى لابن آدم أن يتجرد عن هواه! ومن أين له العلم التام بالتفاصيل، وبالحاضر والمستقبل!
(أفحكم الجاهلية يبغون. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)

الثانية
في هذه الدنيا.. ما أكثر من يحاول الإصلاح فيفسد أكثر مما يصلح، يحاول التقدم بتقليد غيره، لكنه لا يحسن التقليد، ولا يريد أن يبقى على ما كان عليه، فلا هو بلغ التقدم الحضاري، ولا هو بقي على ما كان عليه، وهذا هو حال العلمانيين العرب، إنهم لم يفهموا من حضارة الغرب إلا أن الغربيين تركوا دينهم، وجعلوا النساء تتبرج، لم يفهموا من حضارة الغرب إلا أنهم شربوا الخمور وأنشاؤوا بيوت الدعارة، ونسوا الأمور التي تتعلق بالعلم لأنها أمور صعبة وتحتاج إلى وقت، وكان هذا هو ملخص رؤيتهم للسعادة، فتركوا الدين وحرفوه، ودعوا إلى تحرير المرأة من الحجاب والدين، وباعوا الخمور ونشروا الرذيلة، ثم أجاعوا الناس وظلموهم ودمروا البلاد الإسلامية، ثم وقفوا وقالوا: هذه هي الحضارة، وهذا هو التقدم، فلم يفلحوا في الدنيا، ولم يسلم لهم دينهم… وهذا كله أثر من آثار الهزيمة النفسية والجهل الذي يعشيه أولئك الناس… والخلاص والنجاة مما نحن فيه عباد الله! أن نعتصم بدين الله وأن نتمسك به في ظل الهجمات الشرسة التي يتعرض لها الإسلام، وبخاصة الحروب الثقافية والفكرية التي تهدف إلى تغيير وتحريف مفاهيم الإسلام الأساسية لتوافق حضارة الغرب، وعلينا أن ننتبه إلى أبنائنا بشكل خاص، فإنهم هم أمل هذه الأمة في المستقبل، فلنربهم على أصول هذا الدين الصحيح، فلنربهم على العزة والكرامة.. على الاعتزاز بتاريخ أمة الإسلام.. عرفوهم -بأنفسكم- على أبطال الإسلام المجاهدين، وعلى الصحابة الفاتحين، بثوا فيهم الثقة بدينهم.. حصنوهم ضد الأفكار الهدامة.. لعل الله يكتب النصر على أيدهم.

الأحد، 11 سبتمبر 2016

خطبة عيد الأضحى ١٤٣٧

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، توجهت له القلوب حبا وإقبالا، وخضعت له الرقاب عبودية وإجلالا، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وإمام الحنفاء الموحدين، وعلى آله وأصحابه المجاهدين الفاتحين.
أما بعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى..
الله أكبر..
نحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه أن بلغنا هذا اليوم العظيم، يوم الحج الأكبر، يوم النحر، يوم الطاعات والقُربات، يوم إعلان ذكر الله تعالى وشعائره.. 
لقد من الله علينا بشهود أول هذا الشهر الفضيل، وشهدنا بالأمس يوم عرفات، يوم المغفرة والرحمة والعتق من النيران، وها نحن اليوم نشهد عيد الأضحى خير أيام العام، يومٌ يقوم فيه حجاج بيت الله الحرام بأكثر أفعال الحج، يحمدون الله ويكبرونه على نعمائه، ويفرح فيه المسلمون بعامة بفضل الله ورحمته، يتسامحون ويتحابون ويتواصلون، فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.
الله أكبر..
لقد أنزل الله تعالى آدم إلى هذه الأرض، وجعل له ذرية يتكاثرون فيها، لكنه لم يتركهم هملا، ولم يدعهم فيها يظلم بعضهم بعضا بغير يوم يرجعون فيه إلى الحَكَم العدل، أرسل إليهم رسله تترى، بعث في كل أمة رسولا يأمر بطاعة الله وتوحيده والخضوع لجلاله، يحذرهم من عواقب إسخاطه في الدنيا والآخرة، فلا زالت الأنبياء تُبعث إلى البشرية، فمصدق ناصر للأنبياء، ومكذب هالك في الدنيا والآخرة، إلى أن جاءت فترة خلت من الرسل، فيها بقايا قليلة من الهدى، مع بقايا كثيرة محرفة من كتب أهل الكتاب، أشرك الناس بربهم، وتحاكموا إلى غير شريعته.. بغى بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضا.. حتى بعث الله لهم بآخر أنبيائه ورسله، أيده بالمعجزات، وأرسله بالحجج والبراهين والبينات، ففتح الله به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
الله أكبر..
لقد ترك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الأمة على المحجة البيضاء الواضحة، والملة المستقيمة الناصحة، بين الحلال والحرام، ولم يمت عليه الصلاة والسلام إلا وقد بين كل كبيرة وصغيرة في دين الله سبحانه.
الله أكبر..
لقد قدر الله سبحانه -لحكم كثيرة-  وجود المفسدين والمجرمين الذين يحاولون دائما تحريف دين الله تعالى، كل بحسب رغبته وشهوته، كل يزعم أنه مغترف من معين الدين، وفي واقع الأمر ما هو إلا مغترف من مستنقع هواه، ووحل شهوته وطغواه، إلا أن الله تعالى قد تكفل الله سبحانه بحفظ هذا الدين، فيسر له من يدافع عنه في كل مكان وحين، يردون عنه عبث العابثين، ولهو المبطلين.
الله أكبر..
لقد حاول أعداء الدين هزيمة دين الإسلام عن طريق القتل والتضييق والسجن والحصار، فما نالوا من عزيمة، وما خلخلوا عقيدة، وما رأوا إلا أجسادا تحن إلى الدماء، ونفوسا تشتاق للقاء باريها.. حتى راحوا يبثون فينا من بني جلدتنا من يعادي هذا الدين ويكيد له تحت شعارات براقة، يرفعون شعار الخوف عن الدين من التحريف، مقتدين بإمام الطغاة فرعون لما قال عن موسى: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).. فتسلحوا عباد الله بهذا الدين، وتمسكوا بثوابته، ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
واعلموا أن هذا الدين منصور رغم أنوف المجرمين، وظاهر ولو كره الكافرون، منصور بنا أو بغيرنا ولو بعد حين.
(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) 
الثانية
هذا اليوم يوم عظيم مبارك، فاغتنموا من بركاته، وتسابقوا إلـ خيراته، وإن التسامح بين المسلمين، وعفو بعضهم عن بعض، وإزالة الأحقاد والضغائن من أهم ما يجلب للمسلم الأجور والحسنات، فتراحموا عباد الله فإن التراحم من صفات عباد الله الصالحين كما قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)، وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقال:«لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم». وعن عبد الله بن عمرو قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان» قالوا: فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».
الله أكبر..
عليكم ببر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الأيتام، وذلك عمل يعجِّل الله ثوابه في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من حسن الثواب، كما أن العقوق والقطيعة ومنع الخير مما يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يؤجل لصاحبه في الآخرة من أليم العقاب.
وإياكم ومعصية الله سبحانه، امنعوا نساءكم وبناتكم من  التبرج والتساهل في الحجاب في هذه الأيام، ذكروهن وعظوهن فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على ذلك.
اللهم أعنا على ذكرك….. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل…..
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا…..وارقنا شفاعة نبيك ومرافقته في الجنان

الجمعة، 2 سبتمبر 2016

عشر ذي الحجة

عناصر الخطبة:
فضل عشر ذي الحجة، والحث على الطاعة فيها.
بعض أحكام الأضحية.

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
يعيش الإنسان في هذه الحياة الدنيا سائرا إلى الله سبحانه.. سائرا سيرًا حثيثا إلى أجله ونهايته، وإن العاقل الموفق هو الذي يعمر هذه الفترة القصيرة التي يعيشها في الدنيا، ويجعلها ساعات للطاعة، تكون سببا لينال مغفرة الله جل وعلا، ويفوز برضوانه وبجنات النعيم.
وإن من منة الله تعالى على هذه الأمة أنه لما جعل أعمارها قصيرة محدودة، أبدلها عن ذلك بمواسم وأيامٍ فاضلة مباركة، يُنزِلُ فيها كرمَه، ويُعَمِّمُ فيها نعمَه.. يرفع بها الدرجات، ويفتح أبواب الخيرات.. أيام يدعو الله تعالى فيها المؤمنين إلى الجد والتشمير، إلى المسارعة إلى فضله ورضوانه.
وإن من أهم تلك المواسم المباركة وأعظمها خيرا وفضلا: الأيامَ العشر الأولى من شهر ذي الحجة الحرام.. إنها أيام عظمت نصوص الشرع قدرَها وأعظمت من مكانتَها.. شهد النبي صلى الله عليه وسلم بأنها خير أيام الدنيا..
وكيف لا تكون خير الأيام وفيها تحج القلوب والأبدان إلى مهبط الوحي والتنزيل، وكيف لا تكون كذلك وقد أقسم الله سبحانه بها فقال: (والفجر وليال عشر)، وكيف لا تكون كذلك وقد اجتمع فيها من الطاعات ما لم يجتمع في غيرها، أيام فيها الصلاة والصيام وقراءة القرآن والصدقة والحج والأضاحي، أيام فيها يوم عرفة، أيام فيها يوم النحر، يوم عيد الأضحى، الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر».
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عنها وعن فضلها فيقول: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».. يخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن العبادات والأعمال الصالحة في هذه الأيام كالصلاة والصيام والصدقة والصلة والإحسان.. يخبر أنها أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأن أجرها في هذه الأيام أعظم وأكبر من غيرها من العبادات الفاضلة، وفي هذا حث عظيم وكبير للأمة على المبادرة إلى اغتنام هذه الأيام في الأعمال الصالحة.. ولما كان الصحابة قد تربوا على أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وأنه من أحب الأعمال إلى الله تعالى،  سألوا النبي صلى الله عليه وسلم سؤال المستفهم المتعلم، تساءلوا: هل العبادات في هذه الأيام خير من الجهاد في سبيل الله، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل من الجهاد، ثم استثنى من ذلك حالة واحدة لا يساويها عمل صالح من نوافل العبادات.. إذا خرج المسلم مجاهدا في سبيل الله ومعه سلاحه ومركبه، ثم قتل في المعركة فجاد بروحه، وأخذ سلاحه، وأفضى إلى الله سبحانه فقيرا إلا من رضوانه، معدما إلا من رحمته، فهذا والله لا مماثل له في العبادات.
إنها أيام إعلان العبودية لله تعالى، أيام الثناء والتمجيد له سبحانه، يجهر المسلمون فيها بالتكبير، ويكثرون من الذكر والتسبيح والتهليل، كما قال سبحانه: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام). وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». وقال البخاري: كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها. وقال: وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.
يغفل كثير من الناس عن هذه الأيام، ويظنون أنها أيام كغيرها من أيام العام، وقد تبين من خلال الآيات والأحاديث التي ذكرناها أنها أيام عظيمة، فضلها لا يقل عن فضل العشر الأواخر من رمضان، فيستحب فيها الإقبال على العبادات بشكل عام، كل بحسب قدرته، فالصلاة والصيام والصدقة والقرآن، والصلة والبر والإحسان وغيرها كلها ميادينُ يتسابق فيها المؤمنون إلى رضوان الله تعالى.
ومن المهم أن يستقبل العبد هذه الأيام بتوبة نصوح، وعودة إلى الطاعة، وترك للمعاصي كلها، فهذا هو عنوان الفلاح، فإن الله يوفق العبد الطائع المقبل عليه لطاعات أخرى، ويعاقب العاصي المعرض عنه بالحرمان منها.. فشدوا الهمم وتنسموا عليل الطاعة، لعل الله تعالى أن يفيض علينا من رحماته، ويسبغ علينا فضله، ويصلح دنيانا وأخرانا، (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين).

فإن من أفضل الأعمال في هذا الموسم أن يذبح المسلم أضحية، يريق دمها تقربا إلى الله تعالى، والنحر وذبح الأضاحي من أجل العبادات التي تدل على محبة العبد لربه، حتى إن الله تعالى خصها بالذكر مع الصلاة، فقال: (فصل لربك وانحر) وقال: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، فيسن لمن وجد سعة من مال أن يضحي بأضحية عن نفسه وأهل بيته، توسعة على نفسه وعلى الفقراء والمحتاجين.
ومن الأحكام المتعلقة بذلك: أنه يلزم من أراد أن يضحي أن يمسك عن قص شعره وأظفاره ابتداء من أول يوم من أيام ذي الحجة إلى أن يذبح أضحيته، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعر وأظفاره» وهذا الحكم خاص بمن يريد أن يضحي، ولا يشمل  غيره من أهل بيته، ثم إنه ليس المقصود أن يحرم إحرما كاملا، بل المراد عدم قص الشعر والأظفار فقط، ولا شيء غير ذلك، ومن فعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه وأضحيته صحيحة، ومن نوى أن يذبح بعد دخول أيام من شهر ذي الحجة، فإن يمسك من وقت نيته، ولا شيء عليه فيما سبق من الأيام.
ويبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد، وينتهي مع غروب آخر يوم من أيام التشريق، وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة.

وبعد عباد الله! هذه الأيام قد أقبلت حاملة معها الخيرات، فأقبلوا على الطاعة، وارغبوا فيما عند الله سبحانه..

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

خطورة تحريف الدين

عناصر الخطبة:
العلم بين الإحسان والإساءة.
انحراف بني إسرائيل.
اتباع بعض هذه الأمة لبني إسرائيل في التحريف.

(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) لقد كثرت نصوص الكتاب والسنة التي تحض على طلب علم الشريعة والتبصر فيه، لما للدين من أهمية في صلاح دنيا  الناس وآخرتهم، ولقد رفع الله تعالى شأن العلماء المخلصين عندما قرنهم في الشهادة على  أعظم مشهود، وهي شهادة لا إله إلا الله،  فقال تعالى : (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وإلى العلم قائما بالقسط ) فياله من شرف ما أعظمه، حيث أقام الله تعالى حجته  على خلقه بأنه تعالى شهد ألا إله إلا هو، وشهدت الملائكة بذلك، وشهد العلماء كذلك، فأنعم به من شرف وأكرم بها من فضيلة.
والعلم في الدين عباد الله!  نعمة عظيمة، وهو كغيره من النعم، إذا أحسن الإنسان استعمالها كانت له خيرا وثوابا، وإن أساء إليها كانت عليه شرا ووبالا، لذلك فقد عظمت عند الله عقوبة العالم الذي لا يعمل يعلمه، لأن العالم إذا فسد فسدت معه أمم، وإن صلح صلحت معه أمم، والناظر في أحوال الأمم الغابرة، وفي الواقع يرى هذا جليا أمام عينيه...أمم وأقوام لم يرعوا حق العلم الذي من الله عليهم به، أساؤوا إليه ولم يصونوه فكانت العاقبة خسرا
وهذه حكاية أمة من تلك الأمم ... قد قصها الله علينا في كتابه، وأعادها وكررها في مواضع كثيرة لعل الأمة تعتبر، إنها قصة أهل الكتاب... قصة فيها من العبر الكثير، وفيها من المواعظ ما يزلزل القلوب... لعل سؤالا قد جال في خاطر كل واحد منا وهو يقرأ القرآن... ما الحكمة من ذكر قصة أهل الكتاب بالتفصيل في سورة البقرة والمائدة والأعراف وغيرها من السور،  وما الحكمة من كون قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل هي أكثر قصص القرآن طولا وتكرارا... والإجابة تأتينا من سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام حيث يقول "لتتبعن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ولأن الصحابة قد فهموا كتاب الله حق الفهم بادروا بالسؤال : آليهود والنصارى؟  قال: "فمن".  إن الله تعالى يعلم أن كل خلل في دين هذه الأمة إنما هو من متابعة اليهود والنصارى في الكفر والضلال.
عباد الله! لقد ذم الله سبحانه أهل الكتاب ذما شديدا لأنهم اختلفوا في دينهم بعدما جاءهم العلم وبعدما جاءهم وحي السماء، لأن العلم والوحي سبب اجتماع لا افتراق، سبب ائتلاف لا اختلاف،  لكنه يكون كذلك إذا ورد على نفوس طيبة وقلوب سليمة، أما إذا ورد على قلوب مريضة بالشهوات والملهيات، ونفوس مستعبدة للدينار والدرهم والسلطة والجاه كان سببا للفرقة، لأنه حينئذ كل سيحاول تغيير وتكييف الدين على حسب مبتغاه، وهذا كان حال أهل الكتاب، وقد ذكر الله تعالى تفرقهم هذا فقال: ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومن أعظم الأمور التي ذم الله تعالى أهل الكتاب بسببها أنهم حرفوا ذلك العلم الذي أنزل إليهم،  وغيروا دين التوحيد الذي أنزله الله على موسى وعيسى وسائر أنبيائهم، حرفوه إلى الشرك واتخاذ الأنداد المعبودين مع الله تعالى. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عبدوا رهبانهم فصرفوا لهم أنواع الطاعات والقربات، وعبدوا أحبارهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال وتغيير وتبديل أحكام الدين طبقا لشهواتهم ورغبات ساداتهم وزعمائهم.
ولقد سار كثير من المسلمين قديما وحديثا في هذا السبيل الممقوت، فغيروا وبدلوا أصولا راسخة في دين الله تعالى، بحجة عدم وضوح أو صراحة النص، مع أن الدين الذي مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم وترك عليه أصحابه واضح بين فيما يتعلق بأصول الدين ومسلماته، مما يزيل ما في النصوص من الغموض المزعوم، قال عليه الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".
ومن أجلى صور تحريف للدين ما نراه في هذا الزمان، جرأة على أصول الدين ومسلماته بحجة أنها مجرد اجتهادات لعلماء قضوا وغبروا، حتى صار دين الإسلام عند كثير من المنحرفين دين لا معالم له ولا ملامح، لا يعدو أن يكون كلمة تكتب في الهوية... يوم أن كان الدين يكتب فيها
فكيف لمحب للدين أن يرضى بهذا وهو يرى معالم الدين تغير أمام عينيه، وأصول الدين تنقض أمام ناظريه.
كأني بذلك الليبرالي العلماني قد لبس ثوب الواعظين، وتقمص قميص الحريص على الدين من أيدي العابثين، يقوم فيقول للناس إن دين الإسلام دين سماحة لا يكفر أهل الأديان المحرفة ولا يأمر بجهاد، حتى بلغت سماحة الإسلام عندهم أن يسمع شتيمة  نبيه عليه الصلاة والسلام فيعرض عن ذلك، ويقولَ - بكل بلادة - : هذه حرية تعبير.... كأني به يدعو إلى تنحية الشريعة عن الحكم بل عن الحياة، لأنها عنده لا تصلح للحكم، وقد يتلطف بالعبارة فيقول يجب أن ننزه الإسلام عن قذارة السياسة والحكم، مع أنه لا ينزه العلمانية عن ذلك القذر
يمشي العلماني في الطريق فإذا رآى امرأة مسلمة قد ازدانت بثياب العفاف والحياء ضاق صدره، وانشغل فكره، كيف أنزع ذلك الجلباب وأجعلها متبرجة سافرة، كيف أجردها من حيائها، كيف أجعلها تختلط بالرجال، كيف أخرجها من بيتها، فينادي بأعلا صوته ...حقوق المرأة، حقها في التبرج، حقها في ألا يكون عليها ولي مسؤول عنها، حقها في أن تكون في مواقع اتخاذ القرار، حقها في أن تصاحب الشباب وتخرج معهم...  

يتبعون في سبيل الوصول إلى ذلك أخبث الأساليب، يغدقون  الأموال، يعقدون الدورات التعليمية، ينفذون البرامج الصحية،   يقيمون المخيمات الصيفية، يستغلون حاجة العاطلين عن العمل،  هم مستعدون للتازل عن بعض الأمور في البداية حتى يصلوا بالتدرج والنفس الطويل إلى ما يريدون.... (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها...)
الحجاب، تحرير المرأة

عناصر الخطبة:
سد الشريعة للأبواب الموصلة إلى الزنا.
أدلة فرض الحجاب.
التحايل على الحجاب.
مدرسة تحرير المرأة.

(يأيها النبي قل لأزواجك وبَنَاتِك ونساء المؤمنين يُدْنِين عليهم من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما)... إن حفظ العرض من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وإن من سمات الشريعة الغراء أنه كلما كانت المعصية عظيمة وكبيرة وذات خطر على المجتمع كلما زادت الشريعة من الحواجز المانعة من الوصول إليها، وهذا من كمال وحسن هذا الدين العظيم... وإن الزنا ذنب عظيم من أكبر الكبائر، حتى إن الله تعالى قرنه بالذكر مع الشرك والقتل في قوله: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا)، ولقد نهى الله سبحانه عن مجرد الاقتراب منه بقوله: (ولا تقربوا الزنا) فكيف بالوقوع به... 
ومن باب تحريم الوسائل الموصلة إلى هذا الذنب العظيم فقد حرمت الشريعة أمورا هي طريق لخدش العفاف، فحرمت على الرجال النظر إلى النساء، وأمرت المرأة بالستر الكامل، وحرمت عليها إبداء مفاتنها، في تشريع من حكيم خبير، عليمٍ بالفطرة الإنسانية، والميل الغريزي لكلا الجنسين... 
ولا مكان هنا لتلك الدعوات التي يرددها العلمانيون التي تنادي بفتح باب الشهوات وكشف العورات، لأن ذلك يؤدي بزعمهم لأن يعتاد الناس رؤية العورات، فينطفؤ ما في النفوس من الكبت الجنسي، فعندها إذا رأى الشاب امرأة في كامل زينتها فكأنه رآى رجلا قبيح المنظر... وهذا الكلام عباد الله! لا يعدو أن يكون مغالطة ومكابرة للفطرة التي فطر الله عليها البشر؛ هاهو الرجل يتزوج المرأة السنوات الطويلة فتبقى نفسه تميل إليها.. ولو كان هذا الكلام صحيحا فما تفسير النِّسَب الخيالية من الاغتصاب والتحرش في بلاد الغرب مع أنها بلاد التبرج والسفور...!  
عباد الله! لقد فرض الله الحجاب على المرأة من فوق سبع سماوات في آيات بينات واضحات، لا تضيق بها إلا نفوس المنافقين الداعين إلى الفواحش. فمن هذه الأدلة قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت: ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك... ) شَقَقن مُرُوطهن، فاعتجرن بها، فصَلَّين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهن الغربان. وقال تعالى: (وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتهن....). فقوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) نص صريح واضح في وجوب الحجاب، حيث أمر الله تعالى المؤمناتِ بتغطية الجيب - وهو مدخل الرأس في الثوب- بالخمار وهو غطاء الرأس، ونهى نهيا واضحا عن إبداء مواضع الزينة لغير المحارم المذكورين في الآية... وهذه النصوص الشرعية تفيد وجوب الحجاب على المرأة المسلمة، وهي نصوص واضحة صريحة لا تحتمل تفسيرا آخر. 
عباد الله! إن وجوب الحجاب هو من الأحكام الشرعية القطعية التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور على اختلاف مذاهبهم الفقهية ومشاربهم الفكرية، ولم يشذ عن ذلك أحد من علماء المسلمين سلفًا ولا خلفًا، والقول بأن الحجاب ليس بفريضة أو أنه حرية شخصية هو كلام مخالف لِمَا عُلِم بالضرورة من دين المسلمين، وهو قولٌ مبتدَعٌ منحرف لم يُسبَقْ صاحبُه إليه، ولا يجوز نسبة هذا القول الباطل للإسلام بحال من الأحوال. 
أيها المسلمون! إن شياطين الإنس والجن لا يألون جهدا في إيقاع الناس في المعاصي، ولما علموا تمسك الناس بالحجاب لجؤوا إلى طرق فيها الالتفاف والتحايل على الحجاب، وذلك بالتلاعب بالحجاب والجلباب الشرعي بحيث يفرغ من مضمونه وغايته ويصيرُ مجردَ مظهر، فتصير المرأة متبرجة من حيث لا تشعر، ولقد انتشرت في هذه البلاد وغيرها صور كثيرة للتلاعب بالحجاب، ومن ذلك لبس البنطال - سواء كان ضيقا أو واسعا- فهو أمر مناف لحقيقة الحجاب لأنه يتنافى مع الستر... وَمِمَّا عم به البلاء كذلك تلك الجلابيب والعباءات الضيقة التي تفصل معالم الجسم، وبعضها يكون مفتوحا من الأسفل، والعباءات الرقيقة كذلك مخالفة لأنها تَصِف معالم الجسم... وهذا كله ليس لباسا شرعيا. فإن من شروط الجلباب أن يكون واسعا فضفاضا لا يُقسّم ولا يصف معالم الجسم. عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مِمَّا أَهْدَاهَا لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ: «مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟» قُلْتُ: كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ: «مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ عِظَامَهَا». وإن من الأمور المخالفة كذلك ما يعرف بمريول المدرسة الخاص بالبنات في المدراس، ولا يخفى ما فيه من المخالفة الكبيرة للحجاب، وإن مما يدمي القلب أن تربى الفتاة في مقتبل عمرها على لبس لباس لا يسترها، وإن فرض هذا اللباس على البنات هو من إشاعة التبرج بين المسلمين... لا يجوز لبس هذا اللباس للفتاة البالغة أو التي قاربت البلوغ.. وإن من المؤسف أن بعض المدارس تجبر البنات على لبس مريول المدرسة، ولا تسمح لهن بالدخول إلى المدرسة إلا به، بحجة أنه اللباس الرسمي المقرر من التربية... تصرفات وقرارات لا يمكن فهمها إلا أنها محاربة للحجاب الشرعي، فليذهب لباسهم الرسمي المقرر إلى الجحيم... أتترك المسلمة اللباس الذي أمرها الله به من فوق سبع سماوات، وتطيع عبيدا لا يفهمون من الحضارة والتطور إلا التبرج ونشر الاختلاط... فبئس ما يشترون... انظروا عباد الله كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم التي تلبس لباسا لا يسترها، جعلها وكأنها لم تلبس شيئا، لأن النتيجة واحدة، بل لربما فتنت تلك المحجبة بحجاب الموضة ربما فتنت أكثر مما تفتن المتبرجة التي تكشف شعرها ولا تلبس الملابس الضيقة، قال صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، و لا يجدن ريحها، و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". وتأملوا كيف قرن الله أولئك النسوة بالظلمة الذين يضربون ظهور الناس بالسياط، وذلك لعظم خطرهن على المجتمع... إن المرأة إذا لم تلبس الزِّي الشرعي فإنها لا ترتكب معصية شخصية فقط، بل إن أذاها وفتنتها تصيب كل من يراها ويفتتن بها.. عباد الله! كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ألا فلنتق الله في بناتنا وزوجاتنا، ألا إننا سنسأل عنهن، ولن تنفعنا طاعة غير الله تبارك وتعالى. (يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).

الثانية

إن المرأة لها أهمية كبيرة في بناء المجتمعات المتينة، كيف لا؟ وهي أساس بيوت المسلمين، ولطالما رضع الأبطال في هذه الأمة منهن لبان العزة والكرامة، ويكفي في بيان أهمية دورها قوله عليه الصلاة والسلام: "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها"... لكنها في المقابل قد يكون لها أثر عكسي تماما، وذلك إذا خرجت عن الدور العظيم الذي أعطاه الله إياه... ولما علم المنافقون خطورة دور المرأة في بناء المجتمع أو هدمه ركزوا عليها جهودهم، وكرسوا لها خططهم، حتى أنتجوا لنا مدرسة تسمى بمدرسة تحرير المرأة، هذه المدرسة التي نشأت في أحضان الاستعمار قد اتخذت اسما براقا جميلا، هو تحرير المرأة... يزعم دعاة تحرير المرأة أن هدفهم السامي هو رفع الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة... نعم هناك صور تتعرض فيها المرأة للظلم كما يتعرض الرجل تماما، لكن أهذا كل ما يدعون إليه؟ ولماذا لا نرى نشاطهم المحموم إلا في بلاد المسلمين؟ إذا نظرت يا عبد الله إلى الأصل الاستعماري لنشأة هذه المدرسة انجلت لك الصورة الحقيقة، وزال عنك العشى... إن من فطنة المسلم وحكمته ألا يتلقى الشعارات الرنانة، والكلام المزخرف من غير أن يعرف مقصد صاحبها منها... وإذا رجعت إلى مؤسسي هذه المدرسة وحاملي لوائها فإنك لن ترى فيها إلا أنها معول لهدم الإسلام ... فالحجاب عندهم صورة من صور التمييز ضد المرأة، وولاية الزوج على زوجته عندهم من صور ظلم المرأة، الاختلاط عندهم من أهم حقوق المرأة، وإعطاء المرأة نصف الذكر في الميراث عندهم ظلم للمرأة، لا بأس عندهم أن تكون المرأة رئيسة دولة أو قاضية أو مأذونة شرعية، لا سلطان للرجل على المرأة أبدا حتى لو كان زوجا أو أبا، من أراد أن يرى بعينه فليطالع اتفاقية سيداو.. فلتخرج ولتتبرج كما شاءت، ولتصاحب من الشباب من شاءت، فإن تحرك شيء من الغيرة في نفس الزوج أو الأب فمنعها أو ضربها فالسجن مصيره.. أتسبعدون هذا... هذا هو الهدف الذي يهدفون إليه، وأول الطريق خطوة، ولقد ساروا بِنَا خطى فكونوا على حذر..إنهم يعملون في المدراس، ويدسون في المناهج..نشاطات ودورات..مهرجانات ومسابقات..قد وصلوا إلى أفكار كثير من البنات فلوثوها، وإلى غيرة كثير من الشباب فقتلوها.(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
عقيدة النصارى في المسيح

عناصر الخطبة:
بيان كفر النصارى.
بيان حرمة الاحتفال والتهنئة بهذه بمناسبة بداية العام الميلادي.
التسامح الذي يدعو إليه الإسلام.

فإننا نشهد في هذه الأيام نهاية ما يعرف عند النصارى بالعام الميلادي، ونشهد دخول عام آخر، واعلموا عباد الله أن للنصارى عقيدةً في هذه الأيام، هي من أشد العقائد طغيانا وكفرا، حيث إنهم يعتقدون أن الله تعالى وُلد له ولد في هذه الأيام، وهذا الولد في اعتقادهم هو عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، ولا يقتصر اعتقادهم على ذلك، بل يزيدون في الكفر والضلال فيعتقدون أن هذا الولد المزعوم قد تقاسم صفات الألوهية والربوبية مع الله تعالى، فينسبون إلى عيسى ابن مريم صفات الألوهية، ويعتقدون أنه إله يعبد مع الله تعالى، ولقد حكى الله تعالى عقائدهم الكفرية فقال جل وعلا: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون)، لم يقتصروا على ذلك، بل إنهم زادوا كفرا فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا، يطيعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، قال تعالى عنهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم)، ثم بين الله جل وعلا أن دين المسيح ابن مريم بعيد عن آرائهم الكفرية كلَّ البعد، فقال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) هذا هو دين عيسى ودين إخوانه الأنبياء جميعا، دين التوحيد، دين عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في صفاته، ولا شريك له في العبادة، هذا هو دين الإسلام الذين دان به الأنبياء جميعا، لكن بعض الضالين حرفوا دينهم من بعدهم، قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وقال: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة)... 
ولقد كان النصارى ممن حقت عليهم الضلالة، بل ممن توغلوا في الضلال والكفر، فحرفوا دين التوحيد الذي أوحى الله به إلى عيسى ابن مريم، ولذلك كفَّرهم الله تعالى من فوق سبع سماوات، فقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) وقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، وقال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان دَاوُدَ وعيسى ابن مريم)، إذا علمنا هذا عباد الله! إذا علمنا أن هذه الأيام التي يحتفل بها النصارى هي محل لتلك العقائد الكفرية، والآراء الوثنية، علمنا أن مشاركتهم بهذه الاحتفالات من الأمور المحرمة أشد تحريم في دين الله... واعلموا عباد الله أن الله تعالى جعل لكل أمة منهجا وشريعة، والعيدُ من أظهر ما تتميز به كل أمة عن الأمم الأخرى، وهذا العيد مرتبط بعقيدة من أشد عقائد النصارى كفرا وإجراما، وهي أنهم يعتقدون أن الله وُلد له وَلدٌ في هذا اليوم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، قال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا) فإذا كان هذا حال السماوات والأرض من شدة وفظاعة هذا القول، فما بالنا نحتفل معهم، ونشاركهم في باطلهم. 
اعلموا عباد الله أنه لا خلاف بين العلماء في تحريم مشاركة المشركين في أعيادهم، ولا خلاف في تحريم تعمد إظهار أي مظهر من مظاهر الفرح أو الزينة، أو فرض عطلة رسمية على المسلمين في هذه الأيام، بل قد يصل الضلال ببعضهم إلى أن يدخلوا الكنائس في هذه الليالي، بزعم التسامح والمحبة، وما هو إلا الكفر والضلال والذل والنفسية المهزومة. وليس بعيدا عن ذلك ما نراه من تغطية إعلامية لتلكم الشعائر الكفرية من قبل الإعلام المشبوه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة، وغير ذلك . ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء، ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك... وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم ..وأما تخصيصه بما تقدم ذكره: فلا نزاع فيه بين العلماء.  قال عبد الله بن عمرو بن العاص: من تأسى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك: حشر معهم يوم القيامة . وعن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قال: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل أن يوفي بنذره، مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجبا، حتى أخبره أنه لم يكن بها عيد من أعياد الكفار، وقال : «لا وفاء لنذر في معصية الله»؛ فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية، فكيف بمشاركتهم في نفس العيد؟ بل قد شرط عليهم أمير المومنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين، وإنما يعملونها سرا في مساكنهم، فكيف إذا أظهرها المسلمون أنفسهم؟ حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخط ينزل عليهم. وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها منهيا عن ذلك؛ لأن السخط ينزل عليهم، فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم، مما هي من شعائر دينهم ؟! وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى : (والذين لا يشهدون الزور) . قالوا أعياد الكفار، فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل، فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها. 
واعلموا عباد الله! أن تهنأتهم بهذه المناسبة من المحرمات كذلك، نهنئهم على ماذا؟ أعلى عقائد الشرك والضلال التي تكاد تزول منها الجبال؟ أم على دماء المسلمين التي يسفكونها في شتى بقاع الأرض؟ أم على دعمهم المطلق لليهود في احتلالهم لأرضنا ومقدساتنا؟ قال ابن القيم: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب… فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. 

*عباد الله! يحجتج بعض الناس على مشاركة النصارى في أعيادهم بأن الإسلام دين متسامح... لقد أصموا آذاننا بهذه الألفاظ، التي لا نسمعها إلا في جانب الكفار، وأما المسلمون فلا سماحة في التعامل معهم، بل البطش والقتل والتجويع.... واعلموا عباد الله! أن معنى التسامح الصحيح الذي جاء في الدين هو شيء آخر، يختلف عن الذل والمهانة والضعف، التي يسمونها بالتسامح، التسامح في دين الإسلام في معاملة النصارى غير المحاربين معاملة حسنة من باب تحبيبهم في الإسلام، واستجلاب قلوبهم للدخول في هذا الدين، قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم)، لكن هذه المعاملة الحسنة لا تعني تمييع العقيدة الإسلامية، ولا تعني التنازل عن ثوابت الدين، بل نحن نعتقد كفرهم ومع ذلك نعاملهم المعاملة الحسنة شفقة عليهم وإحسانا إليهم، وهذه هي قمة التسامح الإنساني الحق، هذا التسامح في المعاملة الذي جعل رجلا يهوديا يأمر ابنه بالدخول في الإسلام، فقد روى البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ !! فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ». هذا هو تسامح النبي صلى الله عليه وسلم  الذي يدخل الناس في الدين، وليس ذلك التسامح الذي يخرج الناس منه (يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)
حقوق المرأة

عناصر الخطبة:
المرأة قبل الإسلام وبعده.
حقيقة دعوات تحرير المرأة.

فإنه وبعد أيام قليلة، وتحديدا في الثامن من آذار تحل علينا مناسبة مقدسة عند أهل الشهوات في هذا الزمان، يوم يطول انتظارهم له، ويتعطشون للقائه، ولقد بلغ من حفاوة استقبالهم لهذا اليوم أن رغبوا في أن تتحدث عنه المنابر، وتسال له المحابر، وتسود له القوانين الدفاتر... إنه يوم المرأة... في كل عام يحتفي الغرب الكافر وأذنابهم من المسلمين بهذا اليوم... ندوات ومحاضرات، دورات وورشات، مطالبات بسن المزيد من القوانين التي تحمي المرأة كما يزعمون... تحميها من ماذا؟ لا أحد يعلم، عطل رسمية، وتغطيات إعلامية... نحن أمام موسم من مواسم الزُّور، تهوي إليه أفئدة المفسدين في كل عام...
عباد الله! على مر التاريخ، وتعاقُب الأمم والحضارات، كانتِ المرأةُ ممسوخةَ الهُوية، فاقِدة الأهلية، منزوعة الحريَّة، لا قِيمةَ لها تُذكر، أو شأن يُعتبر، بل كانتْ تُقاسي في عامَّة أحوالها - باستثناء عصور الرِّسالات الإلهيَّة - ألوانًا من الظُّلم والقهْر، والشَّقاء والذُّل، صاغتْها أهواءٌ ضالَّة، أو عقائدُ فاسِدة. 
ولا جرمَ أنَّ الناظر في وضْع المرأة قبلَ الإسلام لن يجدَ ما يسرُّه؛ إذ يرى نفسَه أمامَ إجماع عالَمي على تجريدِ هذه المخلوقة مِن جميع الحقوق الإنسانية.. كانت المرأة في الجاهلية تورث كما يورث المال، فإذا مات الرجل جاء أخوه فرمى عليها ثوبا، فإن شاء بعد تزوجها وإن شاء أمسكهما حتى تموت..
جاءالإسلام وأبطل هذا كله، كرم المرأة ورفع منزلتها، وأزال الظلم عنها، أعطاها من الميراث، وملكها المال، وحرم ظلمها والتعدي عليها، وأمر ببرها أما، وبالإحسان إليها زوجة وبنتا، وأحاطها بسوار العفاف والطهارة.
جاء الإسلام ليعلن على الملأ أن أصل الخليقة واحد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) 
جاء الإسلام العظيم ليعلن أن المعيار معيار التقوى، والعمل الصالح وحده الذي يرتب عليه الجزاء في الآخرة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَن ما كانوا يعملون)
وفي خطبة حجة الوداع التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم محكمات الشريعة أكد على التوصية بالنساء فقال: "ألا فاستوصوا بالنساء خيرا، فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله". 
وكان صلى الله عليه وسلم القدوة الأسمى في ذلك، كان المثل الأعلى في هذه الرعاية والإحسان، يقول صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". 
فهل عرفت الدنيا كلها نظاما أعطى للمرأة هذه الحقوق، وبوأها هذه المنزلة الرفيعة، والرتبة المنيفة؟
هل شهدت الدنيا كلها حرية حقيقية للمرأة كما شهدتها في رحاب الإسلام وشريعة القرآن والسنة؟
“ليست القضية قضية متاجرة أو مزايدة، وليست القضية تهويشا إعلاميا، أو تهريجا سياسيا في زمن التهريج والتهويش، لكنها الحقيقة الناصعة التي لا يمكن لأي منصف أن يتجاهلها أو ينكرها”. 
وإذا عرفنا تلك المكانة العظيمة التي أعطاها الإسلام للمرأة، وأنه هو من رفع الظلم عنها، فماذا يريد دعاة تحرير المرأة، ولماذا يركزون جهودهم في بلاد المسلمين، هل يريدون إرجاع المسلمين إلى الدين، أم يريدون إبعادهم عنه، أم هي محاولة لنشر العهر باسم الحرية.
عباد الله! إن أهل الباطل يزينون باطلهم بالشعارات البراقة، والعناوين الإسلامية ليحببوا باطلهم إلى الناس... ومن ذلك أن دعاة إفساد المرأة يتمسحون بتكريم الإسلام للمرأة، فيحاولون إدخال باطلهم للمسلمين تحت هذا الشعار.. والواقع أن تكريم الإسلام للمرأة لا علاقة له بالنظرة العلمانية الليبرالية للمرأة، بل هما فكران متضادان لا يجتمعان في قلب واحد.
فالإسلام نظر إلى طبيعة الرجل والمرأة، وإلى التكوين الجسدي والعقلي لكل منهما، فشرع لكل منهما من الأحكام ما بناسب طبيعته، فعدل بأعطاء كل ما يناسبه، ولم يسو بينهما مساواة تامة في كل الأمور، فليس العدل دائما في المساواة، بل قد تكون المساواة المطلقة هي عين الظلم في بعض الأحيان.
وأما دعاة إفساد المرأة فأرادوا مساواة المرأة بالرجل في كل شيء، فأثقلوا عليها الأحمال، وحملوها ما لا تحتمل.. ظنوا أنهم أعلم بالخلق من خالقهم، فَلَو تراهم تائهين، في كل يوم تشريع، وفي كل حين حلول، وفي كل وقت مناقشات للمصائب التي جنوها على أنفسهم، ولو أنهم اهتدوا بهدى الله لما ضاعوا..
... شتان بين تعاليم الإسلام وبين تعاليم دعاة انحلال المرأة
الإسلام فرض الحجاب على المرأة صيانة لها.. ودعاة إفساد المرأة يرونه تمييزا وإهانة للمرأة.
الإسلام حرم الزنا على الرجل والمرأة.. والليبرالية ترى أن الزنا حرية شخصية، لا يجوز الاعتداء عليها.
الإسلام جعل المرأة في ولاية الرجل منذ ولادتها إلى موتها، حفاظا عليها وتسهيلا لأمور حياتها.. والعلمانيون يَرَوْن هذا الأمر ظلما وتجبرا على المرأة.
الإسلام أمر الرجل أن ينفق على زوجته ولو كان هو فقيرا وكانت هي تملك الملايين.. وأما أولئك فقالوا كل ينفق على نفسه، فعلى المرأة أن تكد وتكافح لتنفق على نفسها.
الإسلام أمر المرأة بالقرار في بيتها.. وهم يرونه سجنا وحبسا.
الإسلام جعل للمرأة نصف نصيب الرجل من الميراث.. وهم يَرَوْن ذلك هضما لحق المرأة.
الإسلام حرم الاختلاط سدا للتقارب المحرم بين الرجل والمرأة.. ودعاة الفساد يرونه دليلا على التحضر والانفتاح وسببا لتفريغ الكبت، يحرصون على الاختلاط في التعليم والمهرجانات.. حتى سرى هذا الداء لأهل الدين فصاروا يقيمون الاحتفالات الدينية التي تختلط فيها النساء بالرجال بدعوى تكريم أهل القرآن.
الإسلام ربى المسلمية على الحياء.. ودعاة السوء يريدون نزعه من قلبها
الإسلام أمر المرأة بحفظ عورتها وعدم إبدائها.. ودعاها شياطين الإنس لكشف عورتها ليوقدوا الشهوات، وينفقوا البضائع... إذا أردت أن تعلم قيمة المرأة عند الغرب فما عليك إلا أن تنظر إلى عبوات مواد التنظيف، وإعلانات الاتصالات والأدوات الكربائية وغيرها لتعلم أنها مجرد وسيلة تجارية، تدر المال على أصحابها.
فماذا جنت المرأة في الغرب من ذلك التحرير المزعوم، غير الشقاء والممهانة والاغتصاب والتحرش.. 
إن السعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالاستقامة على أمر الله تعالى كما نزل، من غير تحريف ليوافق شهواتنا ورغباتنا (فإما يأتينكم مني هدى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).