الأحد، 28 أغسطس 2016

أسباب الهزيمة، النكبة
عناصر الخطبة:
واقع المسلمين اليوم.
الفرقة والبعد عن الدين من أهم أسباب الهزيمة.
العلمانية من أهم أسباب الهزيمة.

(يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) 
كل أمة تطمح وترنو إلى العزة والتمكين، ولقد جعل الله سبحانه وتعالى أسبابا للنصر، وأسبابا للهزيمة، أما النصر والتمكين فمن عنده سبحانه وتعالى وحده، لا يمن عليه إلا على عباده الصالحين الملتزمين بأوامره، المجتنبين لنواهيه، قال تعالى: (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)... ومنذ أن انفرط العقد الجامع للمسلمين، الحامي لبيضة المؤمنين، منذ أن ذهبت دولتهم، وهانت كلمتهم.. تداعى الغرب إلى اقتسام بلاد المسلمين، وأمعنوا في إذلال أهل الإسلام... وكانت فلسطين أهم بلد وضع عليها الغرب يده، وكيف لا؟! وهي لا تزال بوصلة الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل على مر العصور.. لقد ابتلانا الله بأخس خلقه، وأكثرهم مكرا وكيدا وإجرما، فقتلونا وأخرجونا من ديارنا على سمع وبصر من القريب قبل البعيد.. لكننا هنا لسنا بصدد استرجاع الذكرى الأليمة لمجرد حب استرجاع المصائب والهموم.. إن المؤمن الجاد الذي يريد النهوض لا يتذكر مصيبته إلا ليأخذ منها العبر، لا يتذكر الكارثة إلا ليعالجها ويتجنب أسبابها في مستقبله.. أما الفاشل ضعيف الهمة فإنه يجعل من تذكر المصيبة سببا للمزيد من الفشل والقعود، فلا يتذكر المصائب إلا ليسوغ ضعفه وقلة حيلته، أو ليقيم مواكب العزاء كل عام على ما حل به، ثم يدخل في غيبوبة إلى العام التالي ليخرج ويحيي تلك الذكرى مجددا...
عباد الله! إن الله سبحانه قد علمنا في كتابه أن أسباب الهزيمة أسباب داخلية قبل أن تكون خارجية، أسباب نابعة من تفريط الأمة وتفرقها وبعدها عن دينها (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم).
ها هي آيات القرآن تخبرنا بسبب من أهم أسباب الهزيمة، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الفرقة والتنازع، من أهم أسباب الهزيمة، وكيف تصمد أمة أمام أعدائها وهي أحزاب متخاصمة، وهي أهواء شتى، وهي قلوب متدابرة... إن الاختلاف والفرقة تذهب قوة أي أمة، ولو كانت كثيرة في عددها، مليئة من عُدَدها.. ها هم الصحابة في غزوة بدر ما كانوا إلا ثلاثمائة، لكنهم كانوا متراحمين متحابين، لم يكن معهم إلا عدد قليل من الدواب ليركبوها، ومع ذلك لم يسر واحد منهم على رجليه الطريق كلها، ولم يركب واحد منهم الطريق كلها، بل كانوا يتناوبون عليها، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب حينا، ويمشي على قدميه حينا، لقد ائتلفت قلوبهم وتحابت، لقد جمع هذا الدين بين قلوبهم، ولا شيء غير الدين، لقد كانت رابطة العروبة موجودة من قبل بينهم، لكنها لم توحدهم، ما وحدهم إلا الإسلام (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم. لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)... لأنهم اجتمعوا على فهم واحد لأسس هذا الدين وقواعده، لم تكن فيهم منازعة ولا اختلاف على الدين الحق، لم يكن فيهم من يحاول تحريف الدين، لم يكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا وتفرقوا في فهم دينهم بعدما جاءهم العلم والحق من ربهم، (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة).. ولقد نهانا الله تعالى عن الوقوع فيما وقعوا فيه لكيلا يكون حالنا حالهم فقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).
سبب آخر من أسباب الهزيمة، وهو سبب عظيم عظيم، إنه البعد عن الدين، البعد عن أوامر الله تعالى، إنه الوقوع فيما نهانا عنه وحرمه علينا، (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم إن الله غفور حليم)... المعاصي عباد الله من أهم أسباب الهزيمة.. الظلم والفساد، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الكبر، الربا، الانكباب على الدنيا، ترك الجهاد في سبيل الله.. كلها من أسباب الهزيمة، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
وقال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وأول شيء يدخل في قوله: (إن تنصروا الله) هو التزام أوامره واجتناب نواهيه، فإن الله تعالى لا ينزل نصره على من يعاديه.. كيف ينصر الله من لا يحِّكم شرعه في حياته، كيف ينصر الله بلادا قائمة على الظلم والفساد، كيف ينصر الله تعالى مجتمعات يفشو فيها الربا، كيف ينصر الله سبحانه من يشتمه ويسبه.. والله لا ينصر الله تعالى أمثال هؤلاء.. قد يعطيهم شيئا من الدنيا، فيظنونه نصرا، ويغترون بأنفسهم وبما هم عليه من الباطل، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.. فاللهم الطف بِنَا، واجعلنا من عبادك المؤمني المنصورين...

٢ عباد الله! إن من أبشع صور البعد عن الدين في العصر الحاضر: ما يعرف بالعلمانية، فإنها فكر قائم على البعد عن الدين، بل على إلغاء الدين من الحياة... إن العلمانية لا ترضى أن يكون البعد عن الدين تقصيرا، بل إنها تشرعنه وتعتبره أمرا ضروريا في الحياة..
فلئن كان الكفر ضلالا عن الحق أو عنادا فإن العلمانية تجعله حقا ووجهة نظر، ولئن كان نبذ تحكيم الشريعة الإسلامية ناتجا عن طمع في جاه أو تثبيت ملك فإن العلمانية تَجْعَله من صور الحضارة والمدنية والتقدم، ولئن كان المرابي يتعامل  بالربا طمعا وجشعا فإن العلمانية تجعل الربا من أسس الاقتصاد الناجح، ولئن كان الشباب يقع في الزنا بسبب الزلة والشهوة فإن العلمانية تجعل الزنا حبا وعلاقة عاطفية إنسانية... إن المقصر الذي يقترف المعصية وهو يشعر بالذنب يرجى رجوعه، وترجى توبته، لكن كيف يمكن لمن يعتنق الأفكار الضالة أو يقترف أنواع الكبائر ويرى أن هذا من حقه، وأنه مباح له، كيف يمكن له أن يتوب.. لا يمكن له أن يتوب إلا أن يترك ذلك الفكر الضال المنحرف، الذي يصد الناس عن الدين، ويعاديه بشتى الوسائل.. لا يمكن له أن يرجع إلا أن يعلم أن الجمع بين الإسلام والعلمانية من التناقض البين الواضح...
عباد الله! إننا في هذه الفترة من الزمان نشهد نشاطا كبيرا لمحاولة إعادة وبعث هذا الفكر الضال، في شتى بلاد المسلمين وفي بلادنا بخاصة، يستخدم فيها أعداء الإسلام شتى الوسائل لأجل ذلك... 
تارة يحاولون تحريف الدين عن طريق: بث الشبهات الفكرية التي تشوه هذا الإسلام، وتزعزع ثقة أبنائه فيه، وذلك كزعمهم كذبا وزورا أن دين الإسلام دين إرهاب أو أنه لا يتوافق مع إنسانيتهم المزعومة - أو من خلال بث وبعث الأقوال المنحرفة المخالفة لما استقر عليه أمر المسلمين كإنكار حد الزنا أو كدعوتهم للتسوية بين المرأة والرجل في الميراث، مستخدمين في ذلك أبواقا تتمسح بالعلم وأهله، والعلماءُ الربانيون منهم براء... 
من أساليبهم في ذلك إنشاء وسائلَ إعلاميةٍ تابعةٍ لهم، تعمل على بث المفاهيم العلمانية، وعلى التنفير من المفاهيم الإسلامية والاستهزاء بها كلما سنحت لهم الفرصة... 
من أساليبهم: إنشاء مؤسسات وجمعيات تستهدف أبناء المسلمين وبناتهم، تستميلهم عن طريق دورات ونشاطات ترفيهية، تغرس فيهم محبة الغرب وثقافته المزعومة، وتشيع بينهم الاختلاط، وتهون من أمر الحجاب في قلوب الفتيات. 
عباد الله! لقد اختلت البوصلة عند بعض الناس فظنوا أن النجاة والنصر والتحضر يكون باتباع تلك الأفكار، ووالله ما جاءكم أولئك القوم بخير.. أفبعد كل ما ذقناه ونذوقه من الغرب وأتباعهم نظن أن رياحهم تحمل الخير لنا.. ووالله إن النصر ليس له إلا طريق واحد، وهو الرجوع إلى الدين والتوحد على أساسه... أما العلمانية وأهلها فلا زالوا قديما وحديثا شؤما على المسلمين، لا يُخرجون الأمة من نكبة إلا جلبوا لها نكسة، ولا يخرجونها من مصيبة إلا ويوقعونها في كارثة، حتى أحلوا قومهم دار البوار، يتلاعبون بالأمة تحت شعارات التقدم والتحضر والمدنية... فلبئس الطريق طريقهم، وبئست الغاية غايتهم (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)




حقوق الإنسان
عناصر الخطبة:
الانهزام سبب لتلقي أفكار الغالب.
مفهوم حقوق الإنسان.
حرية العقيدة في ميزان الشرع.
بيان تناقض الغرب في ادعائه الرحمة بالناس.

لقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن حقوق الإنسان، وضرورتها للمجتمعات الإسلامية، وكثر الزعم بأن هذا الأمر لا يتعارض مع الإسلام، بل وصل الحال إلى أن يقول البعض: إن الإسلام يدعو إلى حقوق الإنسان، وأنه أسَّسَ لها. فما صحة هذا الزعم؟ وهل من يقول هذا يقولُه دفاعا عن الإسلام ونشرا لمحاسنه؟ أم يقوله خنوعا وانهزاما واستحياء بدينه؟
عباد الله! لنعلمِ ابتداءً أن كل أمة مهزومة فإنه ينبت فيها حب التقليد والتبعية للأمم الأكثرِ قوةً؛ ولما كنا أمة قوية وكان الغرب في ظلام وانحطاط، كانوا يحرصون على التبعية لنا، فكانوا يحرصون على تعلمِ اللغة العربية، وكانوا يرسلون صفوة أبنائهم إلى الأندلس ليأخذوا منها العلوم…واليوم انقلبت الصورة، فصرنا نحن تبعا لهم، وصرنا حريصين على التشبه بهم في لباسهم وكلامهم وأعيادهم، بل في أفكارهم واعتقاداتهم، كما هو الحال فيما نتكلم عنه، وهو حقوق الإنسان.     اعلموا عباد الله! أن هذا المصطلح الذي وضعه الغرب، هو ككثير من المصطلحات التي وُضِعتْ بخبث، بحيث تكون واسعةً تحتمل الحقَّ والباطل، وبحيث يَكُونُ فيها أمور تخالف الشريعة، وأمور توافقها، لكنّ أساسَ هذا الفكرِ قائمٌ على الانحلال من تطبيق أي دين في حياة الناس، وهذا أمر يهدم ما فيه من الخير، فما وافق الإسلامَ منه فنحن أولى به، ولسنا بحاجة إلى أن نأخذ منه شيئا ففي ديننا كفاية، ولسنا بحاجة إلى أن نطوع ديننا ونلوي أعناق النصوص الشرعية حتى تكون موافقة لمبادئ حقوق الإنسان خيرِها وشرِّها.
عباد الله! إن مبادئَ حقوقِ الإنسانِ التي يتحدث عنها العلمانيون فيها أمور كثيرة تناقض أصل دين الإسلام؛ ولنقف وَقفة قصيرةً مع واحد من تلك الأمور التي هي من أسس حقوق الإنسان عند الكفار، هذا الأمر هو ما يسمونه بحرية الأديان والعقيدة…. دعوكم ممن يقول: إن الإسلام تكفَّل بحرية العقيدة، لأنه سمح لأهل الذمة من اليهود والنصارى بالعيش في ديار الإسلام وعاملهم معاملة حسنة؛ فليس هذا هو المرادَ بحرية الأديان والعقيدة عند من يروجون لهذا الأمر، بل معناه عندهم: أن لأي شخص الحقَّ في اعتناق الدين الذي يعجبه، وله الحق في اعتناق أيِّ فكرٍ شاء، دون تدخل من الدولة أو من أي أحد، فللإنسان عندهم أن يصبح مسلما ويمسي يهوديا، ويسمي نصرانيا ويصبح بوذيا، أو شيوعيا أو ملحدا، دون لَوْمٍ من أحد، ثم إن له الحقَّ بعد ذلك أن يجاهر بعقيدته تلك، وينشرَها بين الناس. هذا هو معنى حرية العقيدة الحقيقي عند أهله وعند من وضعوه. فهل هذا هو ما يدعو إليه الإسلام!    
إن من يقول إن الإسلام يدعو إلى هذا الأمر أو يُقرُّه: إما أنه جاهل بالإسلام، لم يقرأ القرآن، ولا سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أنه عدو خبيث يريد تحريف الإسلام كما حرف النصارى دينهم.    عباد الله! إن أساس التفريق بين الناس في الإسلام هو الدين، وعلى هذا الأساس تُبنى الحقوق والواجبات، فليس المسلم فيه كغير المسلم، وكيف يكون المسلمُ الموحدُ المعظمُ لله تعالى، الذي يصف اللهَ بصفات الكمالِ والجلال والجمال، كيف يكون هذا كالكافر المشركِ بالله، المتنقصِ لجلاله وعظمته… في دين الإسلام هذان الصنفان لا يستويان لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد دلت على هذا نصوص القرآن والسنة، وهي نصوص واضحةٌ سهلةٌ يفهما أي أحد، إلا من طمس الله قلبه (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)؛ وقبل إن نذكر شيئا منها لا بد أن نعلم عباد الله! أن المعاملة الحسنة لأهل الذمة لا تعني التخليَ عن العقيدة، ولا تعني الانصهارَ والاندماجَ مع تلك الأفكار الزائفة، وليست سماحةُ الإسلام هي الذلَّ والمهانةَ التي يدعو إليها بعض الناس، واهمين أنها من دين الإسلام.
أما تلك النصوص التي تدل على بطلان حرية العقيدة في الإسلام… فانظروا بداية عباد الله! إلى السبب الداعي للقتال والجهاد، تجدوا أن النصوص قد نصت على أن سببَ القتال هو اختلافُ الدين، قال تعالى: ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسولُه ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزيةَ عن يد وهم صاغرون)، وقال تعالى: ( فإذا انسلخ الأشهرُ الحرمُ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوُا الزكاة فخلوا سبيلهم)، فانظروا كيف جعل سبب القتال هو الشركَ والكفر، فالمسلمون يقاتلون لإعلاء دينهم وإسلامهم، لا يقاتلون لعصبية ولا لقومية،  قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكونَ الدين لله)، وقال: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكونَ الدين كلُّه لله)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». انظروا كذلك عباد الله! إلى ما ذكر في القرآن من فرض الجزية على أهل الذمة، وذلك لاختلاف دينهم، فهل هذا يتوافق مع حرية العقيدة بالمعنى الذي يدعو إليه العلمانيون. ولما منع عمر رضي الله عنه النصارى من رفع صلبانهم، ودقِّ نواقيسِهم، هل كان متبعا لحقوق الإنسان، أم متمسكا بشريعة رب العالمين. وكيف تكون حرية العقيدة عندما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان، فيحكم الناس بالعدل، ويكسر الصليب، ولا يقبل دينا غير الإسلام، فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكمُ ابْنُ مريمَ حكما مقسطا، فيكسرُ الصليب، ويقتلُ الخنزير، ويضعُ الجزية، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبلَه أحد»، ومعنى كسر الصليب ووضع الجزية كما قال أهل العلم: أنه لا يَقبل دينا غيرَ الإسلام، ويصيرُ الدين واحدا، فلا يأخذُ الجزية حينئذ من أحد. وكيف يمكن الجمع بين حرية ترك دين الإسلام وبين حكم قتل المرتد، الذي أجمعت عليه أمة الإسلام، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من بدل دينه فاقتلوه». إلى غير ذلك من النصوص... فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه...
الثانية

كثيرا ما يتغنى الغرب بالإنسانية والسلام والحريات، ويزعمون أنهم أهل الأخلاق الفاضلة، وأن الإسلام دين إرهاب  ووحشية، ولقد عملوا على إظهار تلك الصورة للناس من خلال إعلامهم، حتى تأثرَ بذلك بعض من المسلمين، وصدقوا تلك الكذبة الكبيرة، ثم راحوا يقارنون تلك الصورةَ الجميلة للغرب بما يظنونه تشددا في دين الإسلام، فأعْمَلَ أولئك المنهزمون الأذلةُ معاولَ التحريفِ والتبديل في الإسلام، وذلك بتفسير الآيات تفسيرا عجيبا مخالفا لسياقها ومخالفا لما فهمه المسلمون منها على مر العصور، وأما الأحاديث فمصيرها عندهم الرد والرفض رأسا، بشبهات واهية، كل ذلك لأنهم لم يفهموا الإسلام، ولم يبصروا حقيقة ما عليه الغرب من وحشية ومخالفةٍ لما يدْعون إليه مما يسمونه بحقوق الإنسان... إن أمريكا التي تدعي أنها أمُ حقوقِ الإنسان قتلت مائة مليون من الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، وقتلت مئات الآلاف في اليابان بقنبلتها النووية، وقتلت مثلهم في فيتنام، وقتلت ثلاثين ألفا في غزوها لأفغانستان، مات بسبب حصارها للعراق مليونُ طفل عراقي، وقتلت عشرات الآلاف من العراقيين في حرب الخليج الثانية، ألم تقتل فرنسا عشرات الآلاف في الجزائر والمغرب... وبعد كل ذلك يأتون إلينا ليقولوا لنا إن دين الإسلام لا جهاد فيه، بل هو دين مسالم حتى لو احتُلتِ الأرضُ وقُتِل الرجال واغتصبت النساء...أما حرية التعبير التي يزعمونها فإنها لا تتسع إلا لمهاجمة الإسلام، هل يقبل أولئك المتحضرون أن ينكر أحد محرقة اليهود... لا، فهذا الرأي عندهم جريمة يحاسب عليها القانون، أما إذا تعلق الأمر بالإساءة إلى الإسلام وإلى النبي صلى الله عليه وسلم فسوف تسمعهم هم وأذنابهم يقولون هي حرية تعبير وحق مقدس لا يجوز المساس به... عباد الله! أما آن لنا أن نعلم أن تلك المبادئ ما هي إلا وسائل لفرض ثقافة الكفر علينا، أما آن لنا أن نعلم أن تلك الصور الوردية التي يرسمونها لأذنابهم ما هي إلا خيالات وأوهام... ألا فلنعتز بديننا ولنتمسك به تاركين تلك السخافات والأوهام...
تربية الأبناء

عناصر الخطبة:
نموذج من تربية أبناء الصحابة.
نموذج من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال.
حرص الكفار على إفساد أبناء المسلمين.

روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أنه قال: إنى لفى الصف يوم بدر، أذ التفتُّ فأذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا السن، فكأنى لم آمن بمكانهما إذ قال لى أحدهما سرا من صاحبه: ياعم أرنى أبا جهل. فقلت: يا أبن أخى فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك قال: وغمزنى الآخر فقال لى مثلها، فلم أنشب أن نظرت الى أبى جهل يجول فى الناس فقلت ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألانى عنه. قال: فابتدراه بسيفهما فضرباه حتى قتلاه ثم أنصرفا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صورة مشرقة، ونموذج مشرف لما كان عليه أبناء وشباب المسلمين من تربية عظيمة، وعزيمة قوية.. وكيف لا يكون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثال هؤلاء وهم تربية محمد صلى الله عليه وسلم، كيف لا يكون فيهم أمثال هؤلاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يولي أهمية كبرى  للعناية بأبناء المسلمين... إنه كان يعلم أن الأطفال والشباب ليسوا إلا كنوزا، بل أغلى وأثمن من كنوز الدنيا، هم قيادة المستقبل، والجيل القادم، هم ذخر الأمة، بهم ينصر الدين، وترفع راية الإسلام، بهم تستقيم أمور الدنيا... ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الأطفال والشباب كالأوعية، إذا ملأناها بالخير امتلأت خيرا، وأفاضت من ذلك الخير علينا، وإن ملأناها بالشر، امتلأت شرا، وأفاضت علينا من ذلك الشر... كان عليه الصلاة والسلام يحرص على تربية النشء الصغير، يعلمهم العقيدة، يرفع هممهم، يرفق بهم، يحاورهم ويتكلم معهم، يداعب أحلامهم ومشاعرهم... ها هو يردف   عبد الله بن عباس وهو غلام صغير، يردفه خلفه على دابة... ولكم أن تتخيلوا شعور طفل صغير لم يبلغ تسع سنين وهو يركب خلف سيد البشر، أي ثقة هذه التي زرعها النبي صلى الله عليه وسلم في قلب هذا الغلام.. لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى وجه له وهو على تلك الحال كلمات ونصائح كفيلة بأن تحرك الجبال، يربيه على العقيدة، يربيه على التوكل على الله، يربيه على عدم الخوف من غير خالقه، يربيه على الصبر... يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَال: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَات: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ". 
وَفِي رِوَايَةِ: "احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا".
كلمات يسيرة، لها معاني عظيمة، نصائح يعجز كثير من الرجال عن حملها، فهل يحتملها ذلك القلب الصغير؟!... نعم يحتملها.. لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يستهين بقدرات وعقول الأطفال والشباب، إنه يعلم أن ذلك القلب الصغير إذا امتلأ بمعاني الإيمان والعقيدة يصير قلبا قويا، يصير شامخا كالجبال... يقول له: احفظ الله يحفظك، أي: أطع أمره واجتنب نهيه تجده حافظا لك، اجتنب الحرام، وصل وصم بر والديك تجده تعالى موفقا لك حافظا، أتراه يقول له أنت صغير، افعل ما بدا لك فأنت لا تفعل الحرام!... ثم وجهه إلى العناية بأصل هذا الدين وهو التوحيد، وأمره بأن يعلق قلبه بالله وحده لا بغيره، "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"، لا تطلب أمرا لا يقدر عليه إلا الله من غير الله، بيده العون والتوفيق، بيده الهداية والإضلال، بيده الإعزاز والإذلال... ثم قال له: "وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك".. الله أكبر! أطفل صغير يقال له هذا الكلام... لعل واحدا من أولئك المفتونين يقول: كيف تربون الأطفال على مواجهة العالم الغربي، ربوهم على الذوبان والانحلال في ثقافة الغرب... يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون قلبه قويا، ثابتا على مبدئه ودينه، لا يخاف أحدا، ولو اجتمع من في الأرض جمعا عليه لما ضروه إلا بإذن ربه... علمه عليه الصلاة والسلام كيف يؤمن بالقدر بالشكل الصحيح، ثم علمه أن الصبر على مصائب الدنيا يفرجها، وأن الصبر على العسر يأتي باليسر، أن الصبر في القتال والجهاد يأتي بالنصر... هذا نموذج واحد فقط من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأبناء المسلمين، جولة صغيرة في الهواء الطلق على ظهر دابة، يُعلَّم فيها طفل ما تعجز مناهج الأرض عن زرعه في الناشئة... ولكن ما نتيجة هذه التربية، وما كان حال ابن عباس بعد ذلك.. إنه العالم الحبر، العابد البكاء من خشية الله، المجاهد في سبيله، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" أي تفسير القرآن، وبالفعل لقد كان ابن عباس عالما فقيها مفسرا، حتى لقب بحبر هذه الأمة، بعثه علي رضي الله عنه ليناقش الخوارج، فذهب وناظرهم ورجع بألفين منهم، وها نحن إلى اليوم لا نفتح كتابا من كتب التفسير إلا ونطالع فيها اسم هذا العالم في كل موضع... وهذا نموذج واحد، ولو أردنا الاستقصاء لطال المقام، ولعلنا بعدما رأينا هذه التربية الحميدة التي كان يربيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأطفال، لعله يزول عجبنا ونفهم فعل الغلامين الذين قتلا أبا جهل لأنهما تربيا كغيرهما من أطفال الصحابة على حب الجهاد والشهادة... 
كما كنّا أمة عظيمة بقادتها وعلومها، فقد كنّا كذلك أمة عظيمة بأطفالها وشبابها، ولولا عناية الأمة بهم لما رأينا أولئك القادة العظام... خالد بن الوليد، صلاح الدين، محمد الفاتح، موسى بن عقبة... أتراهم تربوا على حب الكفار، أم تراهم تربوا على التسامح المزعوم، أم تراهم تربوا على الموسيقى ومد الخيوط والاختلاط المحرم... قد رأيتم علام تربوا... فالله الله في أبنائكم، كونوا لهم حضنا حانيا، حاورهم وكلموهم، ادخلوا إلى أحلامهم وآمالهم، لا تتركوهم لقمة سائغة للمفسدين والتغريبيين، فإن أبناءنا رأس مالنا... فاللهم قهم شر الأشرار وكيد الفجار...
٢ لما علم أعدؤنا بأهمية الشاب وأنهم إن سيطروا عليهم فقد أعادوا احتلال هذه الأمة وغزوها بصورة أشد فتكا من الغزو العسكري، لما علموا ذلك صوبوا سهامهم المسمومة إلى الأطفال والشباب في بلاد المسلمين، لكن هذه السهام ليس بالضرورة أن تكون رصاصات تخرق القلوب، أو قنابل تفتت الأجساد... هم يفعلون ذلك.. لكن الأنكى من أن تُقتل فلذة الكبد، أن يرى الأب ابنه عاقا له متمردا على الدين، أن ترى الأمة قلوب أبنائها تيمم شطر الأعداء، وتنصر ثقافتهم على الإسلام، وتحاول بث قيم الغرب بين المسلمين... هذا والله أشد من القتل (والفتنة أكبر من القتل)، لقد عملوا وبجد وبمختلف الوسائل لغسل عقول الناشئة، عبر وسائل الإعلام، وعبر التلاعب بالمناهج، وعبر الدخول إلى المدارس بحجة النشاطات والترفيه، حتى إذا تعلقت قلوب أبنائنا بهم، راحوا يبثون فيهم تلك الثقافة الغالبة، من حرية العقيدة والتدين، إلى مسخ الولاء والبراء تحت مسميات عدة كالتسامح وقبول الآخر .. وركزوا أكثر ما يمكنهم على بنات المسلمين، فعملوا على نزع الحياء منهن عبر تسهيل اختلاطهن بالرجال، وأفسدوا عقل المرأة وفطرتها بإقناعها بأنها كالرجل تماما في الحقوق والواجبات، حتى تجرأ بعضهم مطالبا بتسوية المرأة بالرجل في الميراث، وعملوا على نزع الحجاب عبر إقناع الفتيات أن الحجاب مسألة حرية شخصية، وأنه لا أحد يحق له أن يجبرها عليه... لقد عاثوا فسادا في مجتمعنا، ولم يعد فسادهم وأجنداتهم الخارجية خافية على أحد... وأهم عامل في رد كيد هؤلاء هو التنبه لأساليبهم الماكرة المخادعة، وبعدم طاعتهم إلى ما يدعون إليه، فوالله ما هم بنَصَحَةٍ لكم، ما هم إلا أدوات من أدوات الغزو الفكري الاستعماري، فتنبهوا... إذا فقدنا الأمل في أنفسنا فهذا لا يعني أن نضيع أبناءنا، فلنربِّهم على العزة، فلنربهم على التمسك بكل الدين، فلنربهم على الاقتداء بالصحابة لعل الله ينصر بهم دينه، ويرفع بهم راية الإسلام، والله إنه لوعد صادق لا يتخلف عمن التزم بشروطه (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) 


عداوة الرافضة للمسلمين

عناصر الخطبة:
العداوة الدينية بين الكفار والمسلمين.
من صور عداوتهم لنا: دعمهم للفرق الضالة، كالرافضة.
من صور عداوتهم لنا: دعمهم للمؤسسات التغريبية.

(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا..)
قول فصل، وكلام جلي واضح.. في هذه الآية العظيمة، القليلة في عدد كلماتها، الجليلة في معانيها وفوائدها، بين الله تعالى أهم الأسس التي يجب على المسلمين أن يضعوها في اعتبارهم عند التعامل مع الكفار...
لقد بين ربنا جل وعلا في هذه الجملة البليغة سبب عداوة الكفار لنا، وبين الفترة الزمنية لهذه العداوة، وبين لنا طريقة من طرقهم في تلك العداوة، ثم لنا أنهم لن يستطيعوا ذلك
منهج رباني.. ونور قرآني، كفيل بأن يضع الأمة على المنهج الصحيح الذي تصل به إلى رضوان ربها، وإلى عزها في الدنيا
في قوله تعالى: (حتى يردوكم عن دينك) حقيقة عظيمة، لماذا يعادينا الكفار؟ ولماذا نعادي نحن الكفار؟ من هو عدونا؟
الدين عباد الله! هو محور الولاء والبراء، والحب والبغض، والسلم والحرب.. إنهم يقاتلوننا حتى يردونا بعد إيماننا كافرين، يقاتلوننا لأننا مسلمون، ونحن نتبرأ منهم ونقاتلهم لأنهم كفار، لأنهم غير مسلمين، لقد ذكر الله سبحانه في كتابه أن الدين هو الذي يفرق بين الناس وهو الذي يجمعهم، قال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنَّا برءاء منكم وَمِمَّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده).. حقيقة غابت عن كثير من المسلمين، أدت إلى انحراف البوصلة، أدت إلى أن يظن بَعضُنَا أن الكفار على اختلاف مللهم قد يريدون الخير لنا، ولو أننا تأملنا كتاب ربنا لوجدنا فيه الجواب الشافي..
وفي قوله تعالى: (ولا يزالون) بيان أن هذه العداوة قديمة جديدة، قد عادى اليهود والنصارى والمشركون والمنافقون.. كلهم عادوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وآذوه، وعادوا أمته من بعده على مر التاريخ، وهذه العداوة مستمرة إلى يومنا هذا...
لكن ما شكل هذه العداوة؟ بأي شيء تكون؟ قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم) القتال، الحروب لم تتوقف يوما بين أهل الحق وأهل الباطل، ولقد تكفل الله تعالى بنصر أهل الحق ولو ابتلاهم في بعض المواقف، لكننا لما ضعفنا، وابتعدنا عن ديننا، ودب فينا الوهن وحب الدنيا، تغلبوا علينا فصار القتال قتلا وتشريدا وإبادة وذبحا، فعلوا الأفاعيل بالمسلمين في شتى بقاع الأرض، في بلادنا فلسطين، وفي سوريا والعراق وبورما وإفريقيا وغيرها الكثير، قتلوا وشردوا وسفكوا الدماء.. إما أن يقوموا هم بذلك، وإما أن ينيبوا غيرهم ليقتل المسلمين
اعلموا عباد الله! أن التاريخ يعلمنا أن اليهود والنصارى إن لم يقوموا هم بقتل المسلمين، فإنهم يمكنون لأصحاب الأفكار الضالة الكفرية، يمكنونهم من بلاد المسلمين، ويمدونهم بالقوة والسلاح، ثم يقفون ينظرون إلينا، وقد يبادرون ببعض المبادرات الباردة، لتكون بمثابة الإبر المخدرة للمسلمين
ومن أظهر الأمثلة على ذلك في عصرنا تمكينهم للنصيرية في سوريا، والنصيرية فرقة كافرة من الفرق الباطنية التي تكن الحقد الأسود على المسلمين، وما ذبحهم للمسلمين بغائب عن عيونكم، لقد فعلوا بالمسلمين في سوريا في خمس سنوات ما لم يفعله اليهود في عشرات السنين.
العراق.. مثالٌ دامٍ آخر، فبعد أن احتلت أمريكا العراق ثم أرادت أن تخرج منه، لم تجد أحدا أفضل من الرافضة ليقوم مقامها.. بل ليفوقها في الذبح والقتل والاغتصاب والتهجير والتشريد.. العراق الذي خرج منه الكثير الكثير من علماء الإسلام، العراق حاضرة الخلافة الأموية والعباسية، العراق ذهب أسود تحت الأرض، وجنان وثمار فوقها.. سلموها للرافضة فأبادوا أهلها، ونهبوا خيراتها، ودمروا اقتصادها... ها هي آخر جرائمهم وفظائعهم... ها هم يصبون حقدهم على الفلوجة، تدمير وقتل، وقصف عشوائي لا يفرق بين شجر ولا بشر ولا حجر، يدفعهم كفرهم، يدفعهم بغضهم للإسلام وأهله، يحدث هذا على عين القريب، وعلى مرأى من البعيد...
وليس هذا بأول شرهم، فالتاريخ شاهد على ما فعلوه بالمسلمين، تاريخ الخيانة شاهد عليهم.. وهذه بعض الأمثلة
في أواخر القرن الثالث الهجري خرج القرامطة على حجاج بيت الله الحرام، وهم عائدون من حجهم، فأغاروا على قوافل الحجيج وتتبعوها حتى قتلوا عشرين ألف حاج، وفي عام آخر دخلوا المناسك وقتلوا الحجاج وهم بجوار الكعبة، وما ذاك إلا لحقدهم على الإسلام، ولأنهم لا يَرَوْن حرمة للبيت الحرام...
وفي عام ٦٥٦ للهجرة وبعد سلسة من الخيانات والمكر والكيد مكنوا التتار من دخول بغداد، حتى عاثوا فيها فسادا، فقتلوا ولم يبقوا أحدا طالته أيديهم، وهدموا وخربوا وأحرقوا.
أما كيد الصفويين لدولة الخلافة العثمانية فأهمه أنهم كانوا سببا في رجوع القادة العثمانيون من فتوحاتهم في أوربا ليوقفوا الزحف الصفوي على الأراضي السنّية؛ كما حدث مع السلطان سليم العثماني حينما عاد من فتوحاته في أوربا ليواجه الصفويين. وكما حدث مع السلطان سليمان القانوني حينما حاصر النمسا، وكان يدك أسوارها لمدة ستة أشهر وكاد يفتحها. ولكن كيد الصفويين اضطره للرجوع
وهكذا كان الرافضة ولا يزالون، ما من معركة بين المسلمين والكفار إلا وكانوا في جانب الكفار على المسلمين، كما قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: " فَهُم يُوالُونَ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ الَّذِيْنَ يَعْرِفُ كُل أَحَدٍ مُعادَاتِهِم مِنَ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى وَالمُشْرِكِيْنَ، وَيُعَادُونَ أَوْلِيَاءَ اللهِ الَّذِيْنَ هُم خِيَارُ أَهْلِ الدِّيْنِ، وَسَادَاتِ المُتَّقِيْنَ ... وَكَذَلِكَ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الأَسبَابِ فِي اسْتيلاَءِ النَّصَارَى قَدِيْماً عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ حَتَّى اسْتَنْقَذَهُ المُسْلِمُوْنَ مِنْهُم " 
وَقَالَ أَيْضاً: " فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى المُسْلِمُوْنَ أَنَّهُ إِذَا ابْتُلِيَ المُسْلِمُوْنَ بَعَدُوِّ كَافِرٍ كَانُوا مَعَهُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ ".

لذلك قدم صلاح الدين الأيوبي إسقاط الدولة العُبيدية، على فتح بيت المقدس، لأنه قائد موفق، يعلم من أين تأتي الخيانة، بصير بواقعه، مطلع على تاريخه 
أفبعد هذا يشك بعض الناس في عداوتهم لنا، أفبعد هذا يظن الظان أنهم يريدون الخير لنا.. إن الذي يظن أن الرافضة الذين يقتلوننا في الشام والعراق سينصروننا على اليهود.. إنه يعيش في أوهام، لم يفهم عقيدته ودينه، ولم يدرس الواقع ولا التاريخ، إن لم يسعفهم علمهم بالعقائد الكفرية لهؤلاء فلينظروا في تاريخهم الأسود (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)
٢ فإن من الوسائل التي يتبعها الكفار في حربهم على المسلمين الحرب الفكرية الثقافية، وإذا كان النوع الأول من الحروب تستخدم فيه المتفجرات وتسيل فيه الدماء، فإن النوع الثاني من الحروب تستخدم فيه الوسائل اللطيفة، والعناوين البراقة الجذابة، تسيل لأجلها عقول من يدعون الثقافة، ويسيل لها لعاب كل منتفع مرتزق، ويفرح بها كل عديم للمبدأ، وكل مفتون بزخرف حضارة الغرب الزائفة.... وإن الناظر في بلادنا المباركة يرى أثر هذا الغزو واضحا جليا، فقد يتنا نرى من يستحي بدينه وثقافته، ويتشبه بالغرب في كل شيء، ابتداء من ثقافتهم وعقيدتهم، وانتهاء بمظهرهم، فتراهم ينادون بتنحية الشريعة عن الحكم، وينادون بتحرير المرأة من الحجاب والجلباب والحياء، ويدعون إلى تسهيل اختلاطها بالرجال، وإلى مساواتها به في كل شيء حتى في الميراث... إن الذي ساعد على انتشار هذه الأفكار المسمومة هو غياب الفقه في الدين عن كثير من الشباب، حتى إن كثيرا منهم لا يعلم الأمور الأساسية في دين الإسلام، ولا يعلم عن علمائه ورجاله العظام..فاستغل التغريبيون هذه الحال وراحوا يبثون أفكارهم بكل وسيلة، بدءا بالإنترنت ووسائل التواصل، ومرورا بالعبث بالمناهج الدراسية، وانتهاء بالتواصل المباشر معهم عن طريق المؤسسات والجمعيات التغريبيّة، التي تتغلغل في مدارسنا وشبابنا تحت شعارات براقة جذابة... ونحن الآن في العطلة الصيفية، وهم يحرصون على استغلال فراغ أبنائنا، فيعقدون لهم المخيمات تحت تلك الشعارات البراقة.. وما تحت تلك الشعارات إلا الدعوة إلى العلمانية، وحرية المرأة، والاختلاط، والتبرج، والدعوة إلى نبذ الشريعة، بل إلى إعادة قراءة وفهم نصوص الكتاب والسنة بما يوافق العصر... والواجب علينا عباد الله أن نتمسك بديننا وألا نطيع هؤلاء الناس، وأن نحذرهم على أنفسنا وأهلنا وأبنائنا… ألا فلتعلموا عباد الله أن الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وعمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة الكرام، هو الدين ذاته الذي سينصره الله وتكون له دولة الخلافة في آخر الزمان، وأما الدين الذي يصنعه التغريبيون والعصرانيون على أعين الأمريكان فإنه زائل مدحر مندثر لا محالة…


















الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

منكرات عظام في رمضان

عناصر الخطبة:
طبع الله على قلوب الفاسقين.
من وسائل الفاسقين في صرف الناس عن العبادة في رمضان.
شروط الحجاب.

رمضان موسم الخيرات والبركات، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وما زال رمضان موسما للصالحين للتزود من الخيرات، وموسما للمذنبين للمبادرة إلى التوبة والأوبة، وباب التوبة مفتوح في كل حين...
وإن من الناس من يبتلى في دينه فيطبع على قلبه، وذلك بسبب تتابع ارتكابه للذنوب دون توبة، وبسبب تشبعه من الضلالات والشبهات الفكرية، ومع كثرة نعم الله عليه، ورؤيته للحق إلا أنه يغمض ويتغافل حتى يقسو قلبه ويسودَّ ويطبعَ عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن زاد زادت، حتَّى يعلو قلبه ذاك الرَّان الذي ذكر الله عزَّ وجلَّ في القرآن: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُون)».
ولقد تتابعت نعم الله تعالى على بني إسرائيل، ورأوا الآيات العظام فكفروا وعصوا فَقَسَت قلوبهم، فلم تعد تؤثر فيهم المواعظ ولا البينات، وصارت قلوبهم أشد قسوة من الحجارة، فلا تنفعهم موعظة ولا يستجيبون لداعي الخير..وهكذا المجرم المطبوع على قلبه، وهكذا أئمة الضلال والدعاة إلى الرذيلة لا تزيدهم الآيات ومواسم الخيرات إلا إجراما.. إلا أن يتداركه الله برحمة منه ويمن عليه بتوبة
وإن رمضان قد صار عند تلك الفئة المنحرفة موسما لبث الرذيلة ومعاداة الملة والشريعة، يضلون الناس، ويوقدون الشهوات ويتبعون في ذلك وسائل متعددة، مما نراه ونسمعه في وسائل الإعلام العربية..
إن من وسائل المبطلين في محاربة الدين في رمضان: إقامة الحفلات الغنائية، والسهرات الرمضانية، والعجب كل العجب كيف تقبل عقولهم، بل كيف تستسيغ فطرتهم أن يحاربوا الله تعالى في رمضان بالرقص والغناء.. في أي دين يكون شهر الرحمة والعبادة شهرا للهو والعبث، فضلا عن أن يكون شهرا للعصيان.. لكنه الشيطان قد أوصى جنده، وأعد نوابه، قبل أن يغل في رمضان..
ومن وسائلهم في صرف الناس عن العبادة في رمضان: إنشاء بعض التجمعات أو البازارات التجارية بزعم إنعاش الاقتصاد، والواقع أن هذه النشاطات لا تخلو من الموسيقى والتبرج والاختلاط، ولا تخلو من تسلل بعض الفئات الساقطة التي تعبث بالنظام، بل تعبث بالعفة والحياء.. إن الذي ينشئ هذه التجمعات، ويسهل اختلاط الشباب بالفتيات في مكان محصور كهذا، ثم يشكو من المشاكل والتعديات، كمثل من يجمع الزيت مع النار ثم يتعجب لماذا تشتعل النار.. يداك أوكتا وفوك نفخ، ولو أنهم اتقوا ربهم لكانوا سببا في حفظ المجتمع من الفساد.
ومن أساليب تلك الوسائل الإعلامية الخبيثة في محاربة الدين الاستهزاء بالدِّين وأحكامِه، من خلال الأفلام والمسلسلات التي يبثونها، يحرصون فيها على إظهار أهل الدين بصورة تضحك الناس، ويستهزؤون ببعض الأحكام الشرعية.. ويحرصون كذلك على تشويه صورة المسلم المتلزم بدينه، وإظهاره بمظهر المتوحش الجاهل المتخلف.. وهدفهم من هذا كله إرهاب الناس فكريا، بحيث إذا خطر في بال المسلم أن يلتزم، جاءت في مخيلته تلك الصورة المشوهة التي رآها على التلفاز، فيرجع بسبب ذلك عن الاستقامة. وإذا أراد المسلم أن يطبق حكما شرعيا، كأن يأمر أهله بالحجاب، أو أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، تبادر إلى ذهنه صورة ذلك المتشدد الذي كره صفحة وجهه في التلفاز.. 
إن أولئك المجرمين يتدرجون في نشر الباطل بين الناس، ويدخلون من خلال الترفيه والترويح عن النفس، فإذا أحبهم الناس بثوا سمومهم فيهم.. لقد كانوا قديما يستهزؤون باللحية والثوب والسواك، أما الآن فيسخرون من أصول الدين وثوابته، وذلك كتشويههم لعقيدة الولاء والبراء، ليبثوا بين الناس أنه لا فرق بين مسلم ولا يهودي ولا نصراني.. يشوهون صورة الحجاب، بإظهار المحجبة بمظهر المتخلفة.. يظهرون الفاجرة الزانية بصورة المسكينة المظلومة... يحببون الباطل إلى الناس بطرق خبيثة.. (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا)
عباد الله! هذا ليس فنا ولا ترفيها ولا ترويحا عن النفس، هذه محادة لله ورسوله، ومعاداة صريحة للدين، هؤلاء هم أعداؤكم، هؤلاء أولياء الشيطان.. فلا تحبوهم، ولا تشاهدوهم.. أيربى أبناء المسلمين على الاقتداء بأمثال أولئك الساقطين، أما لنا قدوات نقتدي بهم، أترجون أن يحرر الأقصى على يد الممثلين والممثلات، هل سيدافع أولئك المجرمون عن أعراض المسلمات.. والله ما هم إلا خناجر تطعن في شرف هذه الأمة.. والله ما هم إلا معاول تهدم ولا تبني، وتفسد ولا تصلح...
ومن وسائلهم بث برامج فيها الشبه الفكرية، التي تحرف الإسلام، ليوافق مبادئ الغرب العلمانية، تحت شعارات الصحوة والتجديد الديني.. وما هم إلا أبواق للغرب، منهزمون نفسيا، خجلون من دينهم، قد خضعوا لثقافة العدو الغالب، فأرادوا إسلاما يوافقها.. والله حافظ دينه
فدَعوكم -عباد الله- منهم، ولتحرصوا على ما ينفعكم في آخرتكم..
عباد الله! ها هي أيام رمضان قد بدأت بالانقضاء، حاملة معها ما عملنا من خير أو شر، وها نحن نقف على بعد مسافة قصيرة من العشر الأواخر من رمضان.. تلك العشر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على العبادة فيها، فكان كما قالت عنه عائشة رضي الله عنها إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد مئزره. 
في هذه العشر ليلة خير من ألف شهر، هي ليلة القدر، ليلة السعد والهناء لمن ظفر بها.. أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلبها وتحريها في العشر الأواخر من رمضان، وقال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

٢عباد الله! في هذه الليالي من ليالي رمضان المباركة، وفي أيام العيد كذلك، تمتلئ الأسواق بالناس طلبا لحاجاتهم، وإن الناظر في أسواق المسلمين في هذه البلد وغيرها ليرى العجب في هذه الأسواق، بداية من الشباب الذين يسرحون ويحرثون الأسواق بلا هدف ولا وجهة، إلا النظر إلى هذه وتلك، وهذا أمر منكر لا يجوز.. وإن الجريمة الأعظم التي تفوق هذا الذنب وتغذيه: هي خروج كثير من النساء إلى الأسواق على أحسن هيئة وأكمل زينة، وعدم التزامهن بالحجاب الشرعي الكامل.. وإن المسلمة الموفقة تجتنب الخروج إلى الأسواق في ظل تلك الأجواء، ولكن للناس حاجاتهم وظروفهم، فإذا خرجت المرأة إلى السوق أو إلى أي مكان آخر، فيجب عليها أن تلتزم ما أمرها الله تعالى به من فوق سبع سماوات، وهو الحجاب الشرعي، فرضه الله تعالى حفظا للمرأة وصونا لها (يأيها النبي قل لأزواجك وبَنَاتِك ونساء المؤمنين يُدْنِين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أي يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما)، الحجاب الشرعي، وليس حجاب الموضة.. لقد أمر الله تعالى بالحجاب لحكمة عظيمة وهي حماية المرأة، ومنع فتنتها للرجال، وكثير من نسائنا.. يفرغن هذا الحجاب من مضمونه، فيلبسن من الثياب ما يشوه صورة الحجاب، وما يثير الغرائز، ولقد جاءت النصوص الشرعية بشروط للحجاب، لا تكون المرأة محجبة بحق إلا إذا التزمت بها.. فلبس البنطال سواء كان ضيقا أو واسعا يخالف صفة الحجاب الشرعي، وكذلك لبس الجلباب الضيق الذي يفصل بعض معالم الجسم، لأن من شروط الجلباب التي تعرفونها جميعا: ألا يكون مفصلا لمعالم الجسم أو بعضها، ولبس العباءات الرقيقة كذلك لا يجوز، لأنها تصف ما تحتها وهذا يتنافى مع شروط الحجاب، وقد جاء في مسند الإمام أحمد في عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مِمَّا أَهْدَاهَا لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ: «مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟» قُلْتُ: كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ: «مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ عِظَامَهَا»
وقال صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، و لا يجدن ريحها، و إن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».

وإن مما يؤسف له أن التبرج تحول عند فئة من الناس إلى ثقافة وتحضر، فيرون أن الحجاب ليس بلازم للمرأة، وأنها حرة، إن شاءت تحجبت وإن شاءت تبرجت.. وهذا من الضلال والكفر، فالله تعالى فرض الحجاب في كتابه، وأجمع على ذلك المسلمون على مر العصور، فلا مكان بين المسلمين لمن ينكر أن الحجاب فريضة، فضلا عمن يقول عن الحجاب إنه تخلف أو ظلامية.. بل مكانهم بين أعداء الأمة من الكفار والمنافقين.. 
حرمة الدماء في الإسلام

عناصر الخطبة:
بداية القتل في تاريخ البشرية.
تحريم الإسلام للقتل بغير حق.
القصاص والحكمة منه.
الدماء المعصومة.
متى يحل دم المسلم؟

قصة معبرة، وحادثة مؤثرة، وقعت أحاداثها مع أول أقدام بشرية مشت على هذه الأرض.. في تلك الأيام الخالية وبعد أن هبط آدم من الجنة إلى هذه الدار إلى وقت محدود وأجل معلوم، وبعد أن رزقه الله ذرية من بينين وبنات، كانت تلك الفاجعة، التي تركت أثرا في بني آدم إلى يومنا هذا.. إنها أول حالة قتل بين بني آدم.. وقد قص الله تعالى علينا قصة هابيل وقابيل في القرآن، محذرا لنا من ذلك السلوك الخطير، ومبينا لنا بعض أسباب بغي بني آدم على بعضهم.. (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) اثنان من أبناء آدم عليه الصلاة والسلام أحدهما تقي، والآخر ليس تقيا، قرب أحدهما قربانا لله سبحانه، فتقبل الله منه، بسبب تقواه وصلاحه، ولم يتقبل من الآخر بسبب سوء نيته، فثار الحقد والحسد في نفس قابيل وتوعد أخاه بالقتل، فما كان من هابيل إلا أن وعظه وبين له أن الله تعالى إنما يتقبل من المتقين، فإن كنت تقيا تقبل الله منك، ثم حدثه عن الأخوة والرابطة الدينية التي بينهما، وأنها رابطة رحمة لا انتقام فقال: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)، ثم بين له عاقبة وعقوبة سفك الدم الحرام فقال: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين)… ومع كل تلك المواعظ والبينات أبى قابيل إلا أن ينقاد لوساوس نفسه وشهوته وهواه، فقتل أخاه.. قصة حدثنا ربنا عنها في كتابه، إنه الحدث الجلل، إنه ما خافت منه ملائكة الرحمن، لما أعلمهم الله أنه سيستخلف بني آدم في الأرض، وهو أعلم وأحكم، (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون).. هو سبحانه الحكيم العليم الخبير بخلقه.. لقد باء قابيل بإثم أخيه، بل باء بإثم كل قاتل من بعده، لأنه هو أول من فعل هذا الفعل، وسن هذه السنة السيئة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل» ق.
بل إن الله تعالى بين بعد ذكر هذه القصة أن من قتل نفسا واحدة بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، لعظم هذه الجريمة وخطرها، (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرَّم دم مسلم فكأنما حرَّم دماء الناس جميعًا.
لقد توعد الله سبحانه من قتل مؤمنا بالعذاب في نار جهنم فقال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل القتل أعظم الذنوب بعد الشرك فقال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعُقوق الوالدين، وقول الزور، أو قال: وشهادة الزور».
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم سفك الدم الحرام من الأمور التي تضيق على العبد سبل التوبة، فقال: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». وأخبرنا أن الدماء هي أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة، فقال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». وقال: «أن المقتول يجيء متعلقًا بالقاتل تشخب أوداجه دمًا فيقول: أي رب، سل هذا فيم قتلني؟». وبين عظم حرمة دم المسلم فقال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» وقال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار».
عباد الله! لم تكتف الشريعة الإسلامية بهذه النصوص التي فيها الوعيد يوم القيامة، بل جاءت بالتشريعات التي تقطع دابر هذه الجريمة بين الناس، فالناس أصناف: منهم من تردعه المواعظ ونصوص الوعيد، ومنهم من لا يردعه إلا بريق السيف، لذلك، ولأجل إشاعة الأمن والأمان بين الناس جاءت الشريعة بالقصاص، وهو قتل القاتل.. ولنتأمل في قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، القصاص فيه قتل للقاتل، فكيف جعله الله تعالى حياة؟ نعم جعله حياة لأن إقامة حد واحد أمام الناس كفيل بأن يجتث النوايا الشريرة من نفوس كثير من الناس، هو قتل للقاتل، لكنه حياة لنا، هو شدة على المجرم لكنه رحمة بنا.. هذه هي حكمة الشريعة.. لأنها شريعة ربانية، من العليم الخبير بخلقه، ليست اجتهادات بشرية متخبطة..  ومن رحمتها وتخفيفها أنها خيرت أهل القتيل بين طلب تنفيذ القصاص من الإمام، ولا يجوز لهم أن يأخذوا القصاص بأيديهم، لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى، وإلى مزيد من القتل بغير حق.. وإن أراد أهل القتيل أخذ الدية أخذوها وتركوا القاتل، وإن شاؤوا عفوا من غير مقابل.
عباد الله! تساهلت التشريعات الوضعية الكفرية في إيقاع العقوبة على القاتل، بل صاروا يطالبون منذ سنوات بإلغاء عقوبة الإعدام من أصلها، وهو ما استجابت له بعض الدول إما بتشريع تشريعات تبطل هذه العقوبة، وإما بتعطيل تنفيذها، إرضاء لدول الغرب، ورضوخا تحت ضغوطها..
وإن الناظر في حال دول الغرب ليرى فشلهم الذريع في معالجة هذه المشكلة، بدليل معدلات الجريمة الخيالية فيها.. وها نحن بدأنا نكتوي بهذه النار، فصرنا نشهد حوادث القتل التي لا رادع لأصحابها، وكيف لا تكون هذه الحال في ظل عدم وجود تطبيق لأحكام الشريعة؟! لقد عاش المسلمون الأمن والأمان في ظل الحكم بالشريعة، بل عاشوا العزة والكرامة، والعجب كل العجب ممن يستبدل الذي هو أدنى هو خير (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بَصِيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).
٢ لقد جاءت نصوص الوعيد الشديد في الإسلام تتوعد من قتل نفسا معصومة الدم بغير حق بالعذاب الشديد في الآخرة.. والنفوس معصومة الدم هي نفوس المسلمين، ونفوس أهل ذمتهم، ونفوس المعاهدين إذا التزموا بعهدهم.
قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وبيّن إثم قتل المعاهد الملتزم بعهده من غير المسلمين فقال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة».
وأما دم المسلم فلم تبحه الشريعة إلا في حالات ارتكابه للجرائم الفظيعة التي لا تتحق المصلحة العامة، ولا تستقيم أمور الناس إلا بقتل أصحابها، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسُول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة».
فالقتل عمدا، والزنا بعد الزواج، والرِّدة عن الإسلام من الأسباب المبيحة للدم، فهذه جرائم تخل بنسيج المجتمع، فاستحقت تلك العقوبة الرادعة، لكن الشريعة لم تجعل الأمر فوضى، ولم تجعله تابعا للهوى والظلم، والأخذ بمجرد التهمة والظِّنَّة، بل قيدت ذلك بالقيود والضوابط، وأحكام القتل والجنايات كثيرة في الشريعة الإسلامية، أحكام معتدلة، ليس فيها إفراط ولا تفريط، ليس فيها تساهل ولا تشدد، تضبط المجتمع، وتأخذ على يد الجاني.
عباد الله! في ظل جو الهزيمة النفسية التي يعيشها كثير من المسلمين، وفي ظل جهل كثير منهم بأحكام الشريعة ومحاسنها وحكمها، وفي ظل بعض الأفعال الإجرامية التي تنسب كذبا للإسلام، بات بعض أعداء الإسلام يتهمون أحكام الشريعة بأنها أحكام تدعو إلى القتل، وأن الفقه الإسلامي وتراث المسلمين فيه ما يحرض على سفك الدماء... وقد كذبوا وخسؤوا.. بل فيه العزة والكرامة، فيه الأمن والأمان.. هو وحي من حكيم خبير.. إن الكفار في الوقت الذي يقتلون فيه المسلمين في كل ناحية من نواحي الأرض، في الوقت الذي يسومون فيه المسلمين سوء العذاب، سجنا وتجويعا، واغتصابا للنساء، يخرج علينا بعض بني جلدتنا ليتغنوا بإنسانية الغرب المزعومة، وليصبوا حقدهم على الشريعة الإسلامية، ولو أن ذلك العلماني أجال طرفه في الواقع حوله، وعاد بذهنه إلى التاريخ، لعلم من هو السفّاح، ولانقلب إليه طرفه خاسئا.. إنهم عندما يأتون ليحاكموا ديننا يلبسون ثوب الحمل الوديع، ويدَّعون مثالية كاذبة وهمية، لا تؤدي إلا إلى الفوضى، وأما إذا أرادوا مصلحتهم نسوا ما كانوا يدعون إليه، فعاثوا فسادا وقتلا وتخريبا.. لكن المصيبة الأكبر هي فيمن يغتر بهم من أبناء جلدتنا، وينسى تاريخه المشرق.. نعم هو مشرق مشرق وإن رغمت أنوف المنافقين...




الخميس، 11 أغسطس 2016

الأمانة
عناصر الخطبة:
الأمر بالأمانة.
الأمانة صفة الأنبياء.
مفهوم الأمانة، وثقلها.
نموذج مشرق في الأمانة.
تضييع الأمانة من علامات الساعة.



(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بَصِيرا)

آية عظيمة، جمعت في كلمات يسيرة أصول الدين ومبادئه، ذكرت خير الدنيا والآخرة والسعادة فيهما، لقد أمرت بأمرين لطالما أحبتهما النفوس السوية المستقيمة.. أداء الأمانة والحكم بالعدل، عليهما تستقيم أي نفس تريد النجاة عند الله سبحانه، عليهما يقوم أي مجتمع يريد النجاح والسعادة، بل عليهما تقوم الدنيا بأسرها، فإذا اختلا ضاعت الحياة ولم تستقم على حال.. وإن هذه الآية العظيمة قد أمرت بالأمانة والعدل، وجاءت بهما في أجمل ثوب وأعظم قالب، فابتدأت بقوله: (إن الله يأمركم) فصرحت بالاسم الكريم إيذانا وتنبيها أن ما سيذكر بعدها هو من الأمور العظيمة الجليلة، فلما تهيأت النفس لتلقي الأمر العظيم السامي أمر بالأمانة والعدل، ولم يكتف بذلك حتى أعاد التنويه بشأن هذين الأمرين، فعاد وصرح بالاسم الكريم، وقال: (إن الله نعما يعظكم به).. ألا يكفي أن أعلمنا في بداية الآية أن هذا أمر الله لكم حتى نعلم أنه خير وصلاح لنا.. لكنه عاد وأخبرنا بأن أوامره كلّها خير، ومنها أمره بالأمانة والعدل، فأي تنويه وأي احتفاء هذا بهاتين القيمتين العظيمتين؟! ألهما كل تلك المنزلة في الشريعة.. نعم إن الله تعالى قد أقام نظام هذا الكون على العدل، وبعث الرسل وأنزل الكتب لإقامة العدل (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وأول ما دعت إليه الرسل هو التوحيد، وهو رأس العدل وأساسه، إذ فيه صرف العبادة لمستحقها.. ولما كان العدل لا يقوم في موازين البشر إلا على أيدي رجال أمناء يحفظون حدوده، وينشرون خيراته، جعل الله تعالى صفة الأمانة أهم صفة اتصف بها أنبياؤه ورسله. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفا قبل بعثته بالأمانة، بل كانت من صفاته التي ما تجرأ الكفار على الطعن فيها حتى بعدما كفر بدينهم وعاب آلهتهم، لقد كان أمينا وبقي أمينا.. وفي يوم فتح مكة، في يوم تجلى فيه نصر الله لعباده الموحدين، أبى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يرسخ هذا المفهوم في نفوس ذلك المجتمع الذي دخل تحت حكم الإسلام حديثا.. لقد ملك النبي صلى الله عليه وسلم زمام الأمور في مكة، وخضع له أهلها.. وبعدما حطم أصنامها ودمر أوثانها -إيذانا بإزالة معالم الشرك على مر العصور- أراد أن يدخل إلى داخل الكعبة ليصلي وليزيل ما بقي فيها من أوثان، فأخذ المفتاح من عثمان بن طلحة الشيبي -وكانت حجابة الكعبة في قومه- فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه العباس، وطلب منه أن يجعل مفتاح الكعبة في عهدته، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ودعا عثمان بن طلحة، وأعطاه المفتاح وقال له: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. وقرأ قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)... فصلوات الله وسلامته على معلم الناس الأمانة...
وكما كانت هذه صفة النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كذلك صفة الأنبياء قبله، فما انفكت الصِّلة بين النبوة والأمانة يوما، فهاهم أنبياء الله نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ( إني لكم رسول أمين)، وها هو نبي الله موسى يتحلى بهذه الصفة في أحلك ظروف الكرب والشدة، بعدما هرب من بطش فرعون وتوجه تلقاء مدين، وساعد بنتي ذلك الرجل الصالح، فما وجدت أحداهما -وهي صاحبة فراسة- ما تقول في وصف حاله إلا أن وصفته بالقوي الأمين.. وما كانت قوته؟ وكيف كانت أمانته؟ .. قال غير واحد من الصحابة والمفسرين: إن ابنة شعيب لما قالت: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه... وهذه صورة عزيزة من صور الأمانة، فليسمع مروجو العهر والفجور مدعو الحضارة والتقدم كيف تكون الأمانة.. العفة أحد أعظم مكوناتها.. لكن مفهوم الأمانة واسع كبير يشمل كل معالم الدين، فالأمانة تشمل استقامة المسلم في نفسه بأداء الفرائض والواجبات، والبعد عن الكبائر والمحرمات، وتشمل استقامته في التعامل مع غيره، فلا يكذب، ولا يغش، ولا يخون، ولا يسرق من المال العام ولا من المال الخاص، يؤدي الأمانة ولا يكتمها، يؤدي دينه ولا يماطل، إنها معنى يستشعر المسلم من خلاله أن مسؤول عما يفعل، محاسب عليه بين يدي الله.. والأمانة تشمل الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، القوي والضعيف، فلا مكان لخائن في دائرة الاستقامة... عمر قال: لا تغرُّني صلاة امرئ ولا صومه، مَن شاء صام، ومَن شاء صلى، لا دين لمن لا أمانة له.
لما كان مفهوم الأمانة عظيما وكبيرا، ناءت السماوات والأرض بحملها.. لقد عرض الله تعالى - عرض تخيير لا تحتيم- حمل الأمانة على تلك المخلوقات العظيمة فأبت وخافت (إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) نعم إنها حمل كبير ثقيل، لقد حمل الإنسان الأمانة، وإنه لخاسر إلا إذا حملها بحقها، ولا يحملها بحقها إلا إذا تخلص من تلكم الصفتين المذكورتين في الآية وهما الظلم والجهل، فيرفع الظلم عن نفسه فيزكيها ويذكرها أن هناك يوما سيحاسب فيه على أفعاله، ويرفع الجهل عن نفسه فيتعلم حدود الله وشرائعه، فإذا اختل أحد هذين الأمرين أو كلاهما خسر وخاب ابن آدم..
ولقد حدثتنا الأيام عن قوم زكوا أنفسهم وعلموها، وسموا بنفوسهم وطهروها، حتى عانقوا النجوم نقاء ووفاء، وزلزلوا الجبال قوة وإباء.. إنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتلاميذه النجباء، تعلموا منه الأمانة.. وها هي حادثة من تلك الحوادث تعطينا صورة عن مدى عظم تلك النفوس.. عن ابن أبي نجيح قال: لما أُتِي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول: والله إنَّ الذي أدَّى إلينا هذا [يقصد الصحابة الذين حطموا ملك كسرى] لأمين. فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدُّون إليك ما أدَّيت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت.
الخطبة الثانية
لقد حظيت هذه الأمة قديما بنصيب كبير من الأمانة، وعاشت في ظل عدالة الشريعة، فكانت مثالا يسكت كل منتقص للشريعة إلى يوم الدين.. وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أصحابه بزوال الأمانة واضمحلالها في آخر الزمان، إيذانا بتصرم أيام هذه الدنيا وانقضائها وزوالها، وكيف يستمر حالها وقد ضاعت الأمانة، وحلت مكانها السرقة والخيانة، وكيف تنضبط أحوالها وقد أُكلت شريعتها، وأحل الطغاة أقوامَهم دار البوار.. لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تضييع الأمانة من علامات الساعة، فعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدِّث القوم، جاء أعرابيٌّ فقال: متى السَّاعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أُراه السَّائل عن السَّاعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه بصورة الأمانة يومئذ، وأنها ستكون في قلوب أكثر الناس كالذكرى، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدَّثنا أنَّ الأمَانَة نزلت في جذر قلوب الرِّجال، ثمَّ علموا مِن القرآن ثمَّ علموا مِن السُّنَّة. وحدَّثنا عن رفعها. قال: ينام الرَّجل النَّومة فتقبض الأمَانَة مِن قلبه فيظلُّ أثرها مثل أثر الوَكْت. ثمَّ ينام النَّومة فتُقْبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجْل [التنفط]، كجمر دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه منتبرًا [مرتفعًا] وليس فيه شيء، ويصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدِّي الأمَانَة، فيقال: إنَّ في بني فلان رجلًا أمينًا. ويقال للرَّجل: ما أعقله، وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبَّة خردل مِن إيمان.