الخميس، 29 مارس 2018

إن الأرض لله...
عناصر الخطبة:
  • قصة بني إسرائيل مع الأرض المقدسة.
  • عبر وفوائد.

(قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)
آية جليلة من سورة الأعراف، يعظ فيها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بني إسرائيل، ويصبرهم على البلاء الذي كانوا يلقونه من فرعون وملائه، يصبرهم على مر العذاب الذي كانوا يعانونه… لقد كان هذا في أول عهد موسى مع بني إسرائيل، قبل أن يخرجوا من مصر، أراد موسى عليه الصلاة والسلام أن يبني عقيدتهم الصحيحة القائمة على الخضوع لله ﷻ، أراد أن يعلمهم أن تمكين الله سبحانه لعباده الصالحين إنما يمر عبر طريق الصبر والعبادة والخضوع لله عز وجل، أراد أن يعلمهم أن الأرض -كل الأرض- هي ملك لله تعالى ملك الملوك، وأنه الذي يستحق الأرض هو الإنسان الصالح الطائع الخاضع لملك الملوك، الإنسان الذي ينفذ أوامر الله ولا يتمرد عليها، الإنسان الذي لا يتكبر على خالقه… هذه هي خلاصة سنة الله تعالى في الذي يستحق هذه الأرض أو تلك؛ التقي الخاضع لله، الذي يأخذ بأسباب النصر والتمكين هو الذي يعطيه الله تعالى الأرض ويمكنه فيها ليستكمل عليها مسيرة الطاعة والعبادة، ليعمر الأرض في سبيل إصلاح الآخرة… 
أرض بيت المقدس هي من أقدس البقاع على هذه الأرض، يعطيها الله سبحانه مكافأة لخيرة عباده، ويجعلها عقابا وامتحانا للمؤمنين إذا غفلوا عن طاعة ربهم، وتنكبوا طريق الحق والخير.. لقد وعدهم الله تعالى بها وعدا مشروطا بخضوعهم وطاعتهم لربهم.. فلنحاول -إذا- أن نقف مع عرض موجز لتاريخ اليهود مع هذه الأرض المباركة.  
لقد حمل بنو إسرائيل تلك الكلمة: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده)، حملوها كما حملوا غيرها من التعاليم الربانية التي لم يستفيدوا منها شيئا، حملوها كالحمير التي تحمل كتب العلم، حتى إذا جاء موعدها كانوا كمن فقد الذاكرة… لقد مرت بهم الأحداث، لكنها أحداث كانت تؤكد كلُّها إجرامَهم وقسوة قلوبهم، فلا غرابة أنه إذا جاء وقت تلك الكلمة أن نسوها! لقد نجوا من فرعون، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة يعبدونها من دون الله، ولما ذهب موسى للقاء ربه ونزلت عليه التوراة عبدوا العجل، ثم تاب الله عليهم… ثم جاء وقت تلك الكلمة، (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) قد حان وقت التمكين، حان وقت المكافأة، لكن بقليل من التضحية والجهاد، ها هو موسى يقول لهم وهم في صحراء سيناء: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)، فيرفضون القتال، ويريدون أن يدخلوا أرض بيت المقدس وهي خالية من أي أعداء، رفضوا القتال وقالوا: (اذهب أنت وربك فقاتلا إن ها هنا قاعدون)… لقد عاقبهم الله سبحانه، وحكم عليهم بأن يتوهوا في صحراء سيناء أربعين سنة، لعل ذلك الجيل الفاسد أن يتغير، ويأتي بعده جيل آخر يستحق دخول بيت المقدس: (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين).
انتهت الأربعين عاما، ومات موسى عليه الصلاة والسلام، وبعث الله لهم نبيا آخر، ليدخلوا معه بيت المقدس… لقد أصبحوا في حال إيمانية أفضل من السابق، لذلك استحقوا الأرض المباركة، لقد قاتلوا مع نبي الله يوشع بن نون، ونصرهم الله سبحانه على القوم الكافرين، ومكنهم من الأرض، لكن جينات الفساد والتمرد لا زالت تعمل فيهم عملها، لقد أمرهم الله تعالى أن يدخلوا بيت المقدس خاضعين لله تعالى متذللين له شكرا على نعمته العظيمة عليهم، وأمرهم أن يطلبوا المغفرة لذنوبهم السابقة، فدخلوا متكبرين زاحفين على أدبارهم، وأبوا أن يطلبوا من الله المغفرة، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَإِذ قيلَ لَهُمُ اسكُنوا هذِهِ القَريَةَ وَكُلوا مِنها حَيثُ شِئتُم وَقولوا حِطَّةٌ وَادخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغفِر لَكُم خَطيئَاتِكُم سَنَزيدُ المُحسِنينَ  فَبَدَّلَ الَّذينَ ظَلَموا مِنهُم قَولًا غَيرَ الَّذي قيلَ لَهُم فَأَرسَلنا عَلَيهِم رِجزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانوا يَظلِمونَ﴾، ومع ذلك فقد استقامت حالهم بعد ذلك، وبعث الله أنبياءه داود وسليمان، فأقاموا لهم دولة قوية، دامت ثمانين سنة، كانوا فيها على الطاعة والخضوع لله عز وجل، كانوا عبادا صالحين، ثم لما مات سليمان عادوا إلى سابق عهدهم، عادوا إلى الكفر والطغيان والتمرد، تنازعوا وقتل بعضهم بعضا، فزالت دولتهم، وسلط الله عليهم من يهدم ما شيدوه، ويبعثر ما عمروه، سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، شردهم في الأرض أُمما مفرقة، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).
هذه خلاصة قصة بني إسرائيل مع هذه الأرض المقدسة، لقد تركوها منذ ذلك الحين، لم يرجعوا إليها بعد ذلك إلا في فترات قليلة، وتحت حكم غير حكمهم، لقد انقطعت صلتهم الدينية بها تماما بسبب كفرهم، ولم تقم لهم علاقة تاريخية معتبرة عليها، إلى أن جاء العصر الحديث، وعلى حين ضعف وحالة تشرذم كبيرة من المسلمين، فتمالأ الغرب ومن والاهم من العرب، وأقاموا على أرض فلسطين كيانا لتلك الشرذمة التي لا تمت إلى هذه الأرض بصلة دينية أو تاريخية.
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)
الخطبة الثانية: 
إن هذه القصة العظيمة تعلمنا دروسا مهمة، ينبغي لنا أن نستفيد منها في حياتنا، في صراعنا مع ذلك الكيان الغاصب، ينبغي أن نستفيد منها في توجيه البوصلة نحو التفكير الصحيح، والعمل الصحيح:
١- سبب استحقاق الأرض هو التدين بالدين الحق، مع الخضوع والطاعة لله عز وجل.. ولما كان بنو إسرائيل طائعين لله -وهي فترة قليلة- استحقوا هذه الأرض، فلما عتوا وكفروا وتمردوا لم يعودوا مستحقين لها.
وإن هذه الأمة المباركة لما اتبعت محمدا ﷺ، وهو آخر أنبياء الله تعالى للبشرية صارت مستحقة وحدها لهذه الأرض المباركة.. لقد أسرى الله سبحانه بنينا ﷺ إلى بيت المقدس، وصلى فيها إماما بالأنبياء والمرسلين، في إشارة ربانية إلى انتقال مفاتيح هذه الأرض المباركة إلى أهلها الذين يستحقونها، وسوف تبقى هذه الأرض ملكا للمسلمين إلى يوم القيامة.
٢- الميزان الذي نقيم به موقفنا من الأمم والحضارات هو مدى التزامها بأوامر الله تعالى، فأي أمة سابقة لنا، إذا كانت مستقيمة موحدة لله، طائعة لنبيها، فهم إخوتنا، ننتمي إليهم وينتمون لنا.. الإسلام ألغى روابط الجاهلية العصبية، وجعل روابط القومية والجنسية تابعة للدين، فمن كان على دين الحق فهو أخ لنا وإن بعُدت داره، أو تقادم زمانه، ومن كان على الباطل فهو عدونا وإن كان أقرب قريب.
٣- النصر لا بد له من تضحية: لقد عاقب الله بني إسرائيل لما رفضوا أن يضحوا وأن يجاهدوا لينالوا الأرض التي كتبت لهم، عاقبهم بحرمانهم منها لأنهم آثروا الدعة والراحة، وهذا يعلمنا أن النصر والتمكين الذي وعد الله به المسلمين لا يأتي على أكف الراحة والسكون، وهذه هي سنة الله تعالى في البشرية جمعاء.. فلماذا -إذا- يصر البعض على أن تحرير فلسطين يمكن أن يكون بالرقص والخلاعة والماراثونات؟!

٤- بنو إسرائيل أمة ذليلة مهينة، حكم الله عليهم بذلك… لا تظنوا أنهم تغلبوا علينا بسبب قوتهم، بل بسبب ضعفنا، هي قوة من غيرهم، لاقت ضعفا من المسلمين، لاقت خيانة من بعضهم، ولو كانوا قد تغلبوا علنا بقوتهم فما بالهم لم يستطيعوا ذلك لما كان المسلمون أقوياء، لما كانت صرخات رجالهم تقلع الجبال قبل أن تخلع قلوب الرجال! 

الجمعة، 19 يناير 2018

(فدعا ربه أني مغلوب فانتصر)
عناصر الخطبة:
  • الله تعالى ينصر عباده عند شدة البلاء.
  • الواجب التمسك بشريعة الإسلام في الرخاء والشدة.

إن من سنة الله تعالى في خلقه أن يبتلي عباده الصالحين، ليمحص قلوبهم، ويقوي يقينهم، وقد يبتليهم الله تعالى بالمصائب ليختبر إيمانهم… حتى إذا اشتدت عليهم المواقف، وعظهم عليهم الكروب فرج عنهم، ونصرهم على أعدائهم.
وكم في كتاب الله سبحانه، وفي قصص الأنبياء والصالحين، من تلك المشاهد التي يَنزل البلاء فيها على المؤمنين، فلا يكون منهم إلا الصبر والثبات على الدين، ثم ينزل الله عليهم نصره بعد شدة الضيق، وينزل عليهم فرجه في أحلك الظروف والمواقف.
ولنستعرض بعض تلك المشاهد، لنأخذ منها الأمل، ولنحاول أن نعرف ما هي الحال التي كان عليها أولئك الأنبياء.
وما أحوجنا إلى التأمل في تلك المواقف في ظل اشتداد البلاء علينا، وفي ظل استمرار تطاول اليهود وتجبرهم، وقتلهم لنا على مرأى ومسمع من البعيد والقريب، ودون أن يحسبوا حسابا لأحد.
لنتأمل في هذه القصص، ولنلاحظ كيف أن الله تعالى ينصر عباده عند شدة الكرب، وكيف أن النصر ينزل عليهم بعدما يظنون بُعد هذا النصر عنهم، كما قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).
لنتأمل في قصة نوح عليه الصلاة والسلام، فإنه لما بذل جهده في دعوة قومه وجدالهم، ما وجد من أكثرهم إلا الصد والكبر، فدعا الله سبحانه (أني مغلوب فانتصر)، لقد بذلت جهدي، فانتصر لدينك، فأنت الناصر الحقيقي، لا ناصر غيرك.. فإذا بالنصر الإلهي ينزل، ويسخر الله سبحانه جنوده، فيغرق كل ظالم كافر على هذه الأرض، وينجي عباده المؤمنين.
وها هو نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأمره الله بذبح ولده، فيسمع ويطيع لأمره تعالى، ويهم بذبح فلذة كبده، فينزل عليه الفرج وقد أضجع ولده ليذبحه… (فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم).
ولما حطم إبراهيم عليه الصلاة الأصنام التي كان قومه يعبدونها، ليرد إليهم عقولهم التي لوثها الشرك والكفر، أرادوا أن يعاقبوه عليه الصلاة والسلام، فأججوا له النار ليلقوه فيها… وأي بلاء وكرب أعظم من هذا! فما كان جوابه عليه الصلاة والسلام إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل… فجاء الفرج من ملك الملوك الذي يقول للشيء كن فيكون، وأمر النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم.
موسى عليه الصلاة والسلام، جادل فرعون الطاغية، ودعاه إلى الله سبحانه، ودعاه إلى ترك المؤمنين من بني إسرائيل وإلى عدم ظلمهم، فما كان من فرعون إلا أن أراد القضاء على موسى ومن معه، فحشد جنوده، وتبع موسى وقومه، حتى كاد يدركهم، ولم يكن أمامهم إلا البحر، وهنا لما (تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون)… وإنه لموقف جلل، فرعون الطاغية القاتل السفاح من خلفهم مع جنوده، وأمامهم البحر، فإلى أين يذهبون، وإلى من يلجؤون؟ أجابهم موسى، فقال لهم: (كلا إن معي ربي سيهدين)، كلا، لا تقولوا ما تقولون ولا تيأسوا، إذا كان فرعون قريبا بجبروته، فإن الله تعالى أقرب بنصره وتأييده… وفي هذا الموقف العصيب يجيء الفرج والنصر، فيأمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه، فينشق البحر عن طريق يابسة صالحة للمسير، فينجو موسى وقومه، وينطبق البحر على فرعون وجنوده، ولا يقبل الله منه إيماننا ولا توبة في ذلك الوقت، وتنتهي بذلك قصة ذلك الطاغية، الذي ملأت قصصه المرعبة قلوب الناس.
… محمد ﷺ… وما أكثر المواقف التي جاء فيها نصر الله تعالى له بعدما اشتد الكرب، ومن أعظم هذه المواقف ما حصل معه في هجرته عليه الصلاة والسلام، لما لحق به المشركون، والتجأ إلى الغار مع صاحبه أبي بكر، فجاء الكفار ووقفوا على الغار، فأعمى الله أبصارهم، حتى قال أبو بكر للنبي ﷺ: لو نظر أحدهم إلى موقع قدمه لرآنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
وفي غزوة الخندق، لما اجتمعت أحزاب الكفر لغزو المدينة، وشكلت جيشا كبيرا حتى تقضي على الإسلام والمسلمين، وأمر النبي ﷺ بحفر الخندق، جاء الكفار وحاصروا المدينة، وصاروا يرمون المسلمين، والمسلمون مرابطون عند الخندق، قد أتعبهم الجوع، ونخر البرد عظامهم، وبلغ الخوف من بعضهم مبلغا كبيرا، وخان اليهود عهدهم، وبث المنافقون الإشاعات، وحاولوا تثبيط العزائم، ولنستمع إلى هذا الوصف القرآني لصعوبة ذلك الموقف، يقول الله تعالى: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا).
وفي خضم هذه الظروف القاسية، والظروف العصيبة، يسلط الله سبحانه الريح الباردة على معسكر الكفار، فتقتلع خيامهم، وتكفأ قدورهم، فيولون مدبرين، ويعودون من حيث أتوا.
فحري بنا أن نعلم أن نصر الله سبحانه آت، وأن الهموم والكروب إذا كثرت، فهي علامة على قرب النصر إن شاء الله.
الخطبة الثانية
إن هذه القصص كثيرة جدا، وإن الله تعالى ينصر ويفرج الكرب عن عباده الصالحين، بعدما يظنون أن النصر بات بعيدا… وهذه القصص كلها يجمع بينها أن أصحابها صدقوا الله تعالى، كانوا أصحاب إيمان راسخ، كان همهم نصرة الدين، وطريقتهم الامتثال والتسليم لأوامر الله تعالى، كانوا عبادا صالحين لله ﷻ في حياتهم كلها، كانوا صادقين في لجوئهم إلى الله عز وجل، لم يطلبوا النصر من غيره، ولا ركنوا إلى ظالم أو كافر.
إن الله تعالى لا ينصر إلا الصادقين الذين يعتصمون بدينه في الرخاء، ويلجؤون إليه في الشدة، كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

أما وإن من الناس من ينابذ الشريعة ويحادها، فإذا كانت مصلحته في مرحلة ما قريبة منها صار من المنادين ببعض مفاهيمها لنيل أغرض معينة، وإن من لم يكن صادقا، ومن تعامل مع الشريعة على حسب حاجته، من دون تسليم وخضوع لها= فكيف سينصره الله تعالى… إن الواجب علينا أن نعود إلى الله سبحانه عودة صادقة، وأن نتمسك بالشريعة الإسلامية، التي فيها عزنا ومجدنا، وألا نكون كأولئك الذين لم يعرفوا الإسلام إلا لمصالحهم، كما قال تعالى عنهم: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)

الخميس، 4 يناير 2018

إشراقة عز
عناصر الخطبة:
  • أهمية عدم فقدان الأمل.
  • ماذا فعل صلاح الدين الأيوبي؟
  • النصر للإسلام

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)
فإننا في أيامنا الماضية قد شهدنا عدوانا على قدسنا المباركة، اعتداء من سلسلة اعتداءات، وعدوان ضمن حملة عدوان كبيرة تتعرض لها هذه المدينة المقدسة.. لقد اعتدنا على تلقي مثل هذه الضربات والنكسات، وتعودنا على تلقي الأخبار السيئة.. وفي حين أننا لا نملك من أمرنا سوى وسائل بسيطة، لا تمكننا إلا من مجرد التعبير عن غضب قد أنهكته الأيام، وأتت عليه الخيانات المتكررة... هو غضب يحمل في طياته الكثير، لو أنه وجد من يرعاه، لو أنه وجد من يستثمره، لست هنا لأثبط العزائم، ولا لأقتل بقية الأمل، فما كان هذا من هدي النبي ﷺ، وليس هذا هو ما علمنا إياه ديننا، إن دين الإسلام علمنا ألا نفقد الأمل في أحلك الظروف، علمنا أن النور يستطيع أن يشق طريقه في أكوام الظلام تلك.. بل إن في تاريخنا الإسلامي العظيم نماذج كثيرة نهضت فيها الأمة من سباتها، ونفضت عنها غبار الهزيمة.. وحديثنا اليوم إن شاء الله عن نموذج من نماذج هذا النصر، وعن مثال يبين لنا أن النصر ليس ببعيد عنا مهما ساءت الأحوال.. حديثنا عن صلاح الدين الأيوبي.. حديثنا عنه بالذات لأنه عاش ظروفا قريبة من ظروفنا الآن، ولأن هذا الرجل قد حُفر اسمه في قلوب المؤمنين قبل أن يحفر على صخور القدس.. إن صلاح الدين هو مثال من بين عشرات الأمثلة تبين لنا أن هذه الأمة كانت تعنى بصناعة الرجال والقادة، وصلاح الدين كان رجلا بأمّة، لأنه أبهر المسلمين والكافرين، أبهر المسليمن بتوحيدهم بعد شتاتهم، وأبهر الكافرين بشجاعته وقوته، ونبل أخلافه وحسن تعامله. 
لقد استطاع أن يوحد المسلمين، وأن يسترد الشام وفلسطين من أيدي الصليبيين، بعد احتلال قارب المائة عام، لقد خاض أربعا وسبعين معركة في تسعة عشر عاما، التي كانت فترة ولايته على الشام.. 
إننا نقف أمام سيرة رجل من عظماء التاريخ، أمام شخصية يطول الحديث عنها جدا، لكننا سوف نتحدث عن أمرين فقط من حياته، عن ظروفه التي نشأ فيها، وعن طريقته التي سار عليها إلى النصر المبين..
أما الظروف التي عاشها صلاح الدين فقد كانت من أسوأ أحوال أمة الإسلام، في ذلك الوقت كانت هناك دول كثيرة  مختلفة للمسلمين، في الشام وغيرها من بلاد المسلمين كان في كل مدينة دولة، لها سلطانها وحاكمها، كان في دمشق دولة، وفي حلب دولة، وفي بعلبك دولة، وفي حماة دولة، وفي الموصل دولة، وفي سنجار -التي هي بجانب الموصل- دولة، وفي بانياس دولة.. في كل دولة أمير أو ملك.
أضف إلى ذلك أنه كانت قد دهمت العالم الإسلامي في ذلك الوقت حملتان صليبيتان كبيرتان جدا، كانت لهم في القدس مملكة، وكان لهم تواجد في طرابلس، ويافا وغيرها.. لقد عاش ظروفا شيبهة بظروفنا، لكن ما الذي فعله ليغير واقعه، ولينهض بهذه الأمة؟
لننظر أولا إلى شخصيته، لقد نشأ صلاح الدين نشأة إيمانية، تربى على القرآن، وعلى حب سنة النبي ﷺ، كان يحب أن يسمع القرآن وأحاديث النبي ﷺ، حتى سمع مرة مجموعة من الأحاديث وهو واقف بين الصفين في المعركة.. كان محبا للمسلمين متواضعا لهم، معظما لأهل العلم، حتى كانوا خاصته ومستشاريه، وكان إذا نزل بلدا دعا علماءه، وكان يأخذ أولاده ويذهب إلى من لا يأتيه من العلماء، لقد كان محافظا على صلاة الجماعة دائم قيام الليل، يلتجئ إلى الله سبحانه كلما نزل به أمر خطير، وكان يدعو الله ويقول: "إلهي! قد انقطعت أسبابي الأرضية في دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل".
بمثل هذه الشخصية انطلق صلاح الدين في تعامله مع قضايا المسلمين، بمثل هذه الشخصية حدد صلاح الدين أولوياته، وعرف صديقه من عدوه.. لم يكن صلاح الدين مفتونا بحب أعدائه، ولا متشبها بثقافتهم، لم يبث ثقافة الغرب بين المسلمين، ولم يدع إلى فهم حديث للدين، ولا دعا لإلغاء تطبيق الشريعة والحدود، ولم ينكر السنة، ولم يحتفل بأعياد النصارى، ولم يتقارب مع الشيعة.. لقد علمه إيمانه أن يحمل همَّ القدس، مع أنه ليس عربيا، حتى قال بهاء الدين بن شداد واصفًا صلاح الدين: "كان -رحمه الله- عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله إلا الجبال". وقال أيضًا: "وهو كالوالدة الثكلى، يجول بفرسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الأطلاب بنفسه وينادي: يا للإسلام، وعيناه تذرفان بالدموع.."، وكان يقول: "كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؟!!"
لقد علمه إيمانه -وقبله ونور الدين زنكي- أن يوحد تلك الممالك والدول التي كانت بالشام، وعلمه أن يقضي على الوجود الشيعي الفاطمي في مصر، وانتدب العلماء والدعاة ليحافظ على سنية أهل مصر، وبنى لأجل ذلك مدرستين..
لقد كان محبا للجهاد، قائدا شجاعا لا يهاب، مضى في طريقه مسرعا ينتقل من معركة إلى معركة، وكأنه يتمثل قول الشاعر:
ونحن أناس لا توسط عندنا/ لنـا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا/ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
لقد أخذ بالأسباب المادية، فكان حريصا جدا على صنع المجانيق والأسوار والخنادق.. قهر بني عبيد ومحى دولتهم، وفي سنة (٥٨٣هـ) فتح طبرية، ثم كانت وقعة حطين بينه وبين الصليبيين، وكانوا أربعين ألفًا، فجعل عيون الماء خلفه ليمنعهم من الوصول إلى الماء، ثم أشعل النار ليصل الدخان إليهم ليزيد من عطشهم، وأجبرهم على النزول إلى المكان الذي يريده للقتال، فهزمهم بإذن الله تعالى، وقضى على أغلب جيشهم، وأسر ملوكهم، ثم بادر فأخذ عكا، وبيروت، وسار فحاصر القدس وَجَدَّ في ذلك، فأخذها بالأمان، في ٢٧ رجب عام ٥٨٣هـ. 
هذا هو صلاح الدين، وهذا جزء يسير من سيرته، لم يكن معجزة، ولم يكن الوحيد في أمة الإسلام، بل إن أمة الإسلام أنجبت مثله الكثير،وهي قادرة على إنجاب غيره بإذن القوي العزيز.

الخطبة الثانية
إن مثل هذه القصص تؤكد لنا الحقيقة الذي ذكرتها لنا النصوص، وهي أن الله سبحانه ينصر عباده المؤمنين إن هم أخذوا بأسباب النصر.. إن نصوص الشريعة قد علمتنا دائما أن الأمل قريب رغم صعوبة الظروف، ألم تسمعوا قول الله تعالى وهو يخاطب المؤمنين بعد تلك الهزيمة: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) في آيات تواسي المؤمنين، وتذكر لهم حكما عديدة مما حل بهم.. كان النبي ﷺ يبث في أصحابه الأمل دائما، ويبشرهم بالبشريات العظيمة في أصعب المواقف، ها هو عليه الصلاة والسلام يبشر خباب بن الأرت وأصحابه لما شكوا له ظلم قريش وتعذيبها لهم فيقول ﷺ: «والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»، ولما اجتمعت أحزاب الكفار حول المدينة وحاصرتها، وحفر المسلمون الخندق، استعانوا بالنبي ﷺ على صخرة أعيتهم، فأخذ عليه الصلاة والسلام الفأس، وضربها ضربه فذهب ثلثها فقال ﷺ: «الله أَكْبَرُ فُتِحَتْ فَارِسُ»، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى مِثْلَهَا فَقَال: «الله أكبر فُتِحَتِ الرُّومُ»، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى مِثْلَهَا فَقَال: «الله أَكْبَرُ وَجَاءَ الله بِحِمْيَرَ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا». وما أكثر الأحاديث التي تبشر بانتصار الإسلام وتعلمنا أن هذا الأمر حتمي لا جدال فيه، وما علينا إلا أن نتحرك ونصلح أنفسنا ونأخذ بالأسباب، والله تعالى ناصرنا، قال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر».

الجمعة، 22 ديسمبر 2017

القدس.. إسلامية الهوية
عناصر الخطبة:
  • سبب أحقية المسلمين بالقدس.
  • ارتباط المسلمين عبر التاريخ بالقدس.
  • تنبيه على حرمة مشاركة النصارى في أعيادهم.

حديثنا اليوم إن شاء الله عن القدس.. وبالتحديد عن إسلامية هوية هذه المدينة العظيمة.. وإننا إذا أردنا أن نتحدث عن النصوص الشرعية التي بينت أهمية هذه المدينة عند المسلمين، فسوف يطول بنا الحديث.. وإذا أردنا أن نتحدث عن المواقف التاريخية العظيمة التي تدل على اهتمام المسلمين بمدينة القدس فسوف يطول الكلام كذلك.. لكن حسبنا أن نقف من ذلك على شيء يسير محاولين أن نأخذ منه بعض العبر والفوائد.
اعلموا أولا -أيها الإخوة الكرام- أن أصل هذه المسألة، وهي أحقية المسلمين للقدس، ليست قائمة على مجرد حق تاريخي، وليست قائمة على استحقاق عرقي قومي فقط، بل هي مرتبطة بما هو أعظم من ذلك..إنها مرتبطة بدين التوحيد الذي أوحى الله سبحانه به إلى جميع رسله، هذا الدين الواحد -دين التوحيد- هو الذي يربط أول الأمم بآخرها، ويربط آخر التاريخ بأوله، هو الذي يوجه قلوبنا بمن ترتبط، ولمن تعقد ولاءها.. إن الله تعالى أخبرنا أنه بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى هذا الدين، فقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، والآيات في هذا كثيرة، ولذلك فإننا نستطيع أن نقول: إن دين الأنبياء واحد، هو دين التوحيد، لكن بعض أتباع هؤلاء الأنبياء حرفوا أديانهم، وتركوا التوحيد إلى الشرك، وتركوا تعظيم الله تعالى إلى انتقاصه سبحانه، فترك النصارى دين التوحيد الذي أوحى الله به إلى عيسى، وترك اليهود دين التوحيد الذي أوحى الله به إلى موسى.. أما نحن المسلمين، فإننا بقينا على دين التوحيد، وآمنا بكل الأنبياء، وآمنا بكتبهم قبل أن يطالها التحريف.. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرا لله تعالى على نجاة موسى من فوعون، صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم»، وهذه جملة تلخص لنا المسألة: نحن أحق بجيمع الأنبياء، وبميراث جميع الأنبياء.. نحن ننتسب إلى تلك الأمة الكبيرة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون).. وهكذا الأرض.. الأرض جعلها الله سبحانه حقا لعباده الموحدين.. ومنها هذه الأرض المباركة.. فنحن لم نستحقها بحق تاريخي فقط، بل عندنا ما هو أعظم من الحق التاريخي، وهو الحق الديني، فبما أننا على الدين الحق، على دين التوحيد، على دين الإسلام، فهذه الأرض حق خالص لنا.. قال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)، وإن بني إسرائيل لما كفروا، وقتلوا الأنبياء، وعصوا الرسل= لم يعودوا مستحقين لهذه الأرض، قال تعالى عنهم: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به)، وقال: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل)، وهذه هي عقوبة الكافر.. لا حق له في الأرض المباركة.. بل لا حق له في مجرد الانتساب إلى الأنبياء.. إن اليهود والنصارى لما أرادوا أن يضفوا شيئا من الشرعية على أديانهم المحرفة انتسبوا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فجاءهم الرد الإلهي الحاسم.. لستم على دين إبراهيم حتى تنتسبوا إليه ولو زعمتم أنكم من ذريته: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)، وقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين).
ولذلك -عباد الله- وتأكيدا لهذه المسألة فقد جمع الله سبحانه الأنبياء جميعا، وصلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى في رحلة المعراج، وفي هذا تأكيد على الهوية الإسلامية لهذه المدنية، وتأكيد على استحقاق المسلمين من أتباع هذا الدين -وهو الدين الناسخ لجميع الأديان- لهذه الأرض المقدسة المباركة.
إن نسيان هذه الحقيقة أو تناسيها يضر بالمسجد الأقصى، ويضر بفلسطين ضررا بالغا، بل هو من أهم أسباب استمرار غطرسة اليهود ومن يقف في صفهم من العرب والعجم، كيف نسلخ القدس من هويتها الإسلامية الخالصة؟ إلى من نريد أن ننسبها؟ أننسبها إلى هوية قومية؟ أم إلى هوية وطنية؟ القدس أعظم من ذلك.. قولوا لي بالله عليكم.. ما الذي حرك الصحابة رضي الله عنهم، من تلك الصحراء في جزيرة العرب إلى أن يأتوا إلى هذه البلاد ويفتحوها، أليس هو ما للقدس من مكانة في الإسلام؟ وما الذي حرك صلاح الدين الأيوبي -وهو كردي- إلى أن يغير خريطة العالم الإسلامي بأسره، وإلى أن يحدث نهضة في العالم الإسلامي بأسره لأجل فتح القدس؟ أليس هو دين الإسلام؟ .. إن القدس لم تزل قديما وحديثا تحتل مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، ولا زالت تحرك النائمين منهم.. تأموا هذا الحديث العظيم، يقول أبو ذز رضي الله عنه: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها أفضل أمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه -أي المسجد الأقصى- ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شَطَنِ فرسه من الأرض -الشطن: الحبل- حيث يرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعاً، أو قال خير له من الدنيا، وما فيها».. هذا الحديث من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، فقد أخبرنا أن هذا الارتباط الروحي الديني سوف يبقى مع المسلمين.. أخبرنا أنه سوف يأتبي زمان يتمنى المسلم أن يكون له مساحة ضيقة من الأرض حتى يرى منها هذا المسجد المبارك، وتأملوا كيف كان الصحابة يتحدثون عن المسجد الأقصى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.. وهذا كله دلالة على اربتاط المسجد الأقصى بهذا الدين العظيم…

الخطبة الثانية

فإننا في هذه الأيام نشهد احتفال النصارى بما يسمونه عيد ميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام.. ولا ينبغي أن يكون خفيا علينا أنهم لا يحتفلون بمجرد ولادة نبي عظيم من الأنبياء، بل إنهم يحتفلون به بناء على أنه ابن الله، وأن له خصائص الربوبية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، يحتفلون به بناء على أن الله تعالى ولد له ولد في هذه الأيام، لذلك هم يحتفلون.. وهذه العقيدة قد أبطلها القرآن الكريم، ونبهنا على أنها ليست فقط باطلة بل هي عقيدة كفرية، كما قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، وقال: (لقد كفر الذين الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، بل نفرنا من هذه العقيدة، وجعلها من الأقوال الفاسدة التي تجأر الجمادات من ظلمها وسوادها، فقال: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا)، وأخذا من هذه الآيات وغيرها من الأدلة فقد أجمع المسلمون على حرمة مشاركة النصارى في هذه الأعياد، لأنها ليس مجرد مناسبة اجتماعية، أو فرح لأمر دنيوي، بل هي مناسبة مرتبطة بعقيدة من أفسد العقائد.. وإن مما يؤسف له وجود تساهل عند بعض المسلمين في هذا، بداية من تعطيل الدوائر الرسمية في هذا اليوم، ومرورا بإقامة بعض الحفلات في ليلة رأس السنة، وانتهاء بخروج بعض الشباب للمشاركة في هذه الأعياد إلى جيث بكفر الله تعالى وينتقص من جلاله، ومع أننا نعلم أن نية أكثر المسلمين في هذا ليست الاحتفال بالكفر أو الرضى بتلك العقيدة، بل قد تحملهم الشهوات أو المجاملات أو التسامح المزعوم على ذلك، مع ذلك فهذا لا يجوز، فالمسلم مأمور بتصحيح ظاهره كما أنه مأمور بتصحيح باطنه، ولا تكفي النية السليمة هنا لتصحيح هذا الفعل القبيح، بل البالغ في القبح مبلغا كبيرا، قال عمر رضي الله عنه: لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم. وقال: اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم. وقال عبد الله بن عمرو: من مَرَّ ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة.

الجمعة، 15 ديسمبر 2017

فضل الرباط في سبيل الله 
عناصر الخطبة:
  • فضل الرباط وأهميته.
  • مكانة الشام في الصراع.
  • كيف ينصرنا الله؟
(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)
لطالما أكرم الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بالنصر والتمكين، لأنها كانت تأخذ بأسباب النصر المعنوية والمادية.. كانت تحافظ على دينها وتتمسك به فتأخذ بالأسباب المعنوية، وكانت تعد العدة وتتجهز للنزال وتحرص على صنع القيادات والرجال، فتأخذ بالأسباب المادية.. فعاشت بذلك دهرا.. أمة قوية بقوة الله، عزيزة بإعزاز الله تعالى لها.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى الجهاد في سبيله أنواعا، وله صور متعددة، فمنها الجهاد بالنفس، ومنها الجهاد بالمال، ومنها الجهاد بالكلمة..
وإن من أهم معالم وأنواع هذا الجهاد: الرباط في سبيل الله سبحانه وتعالى.. والمراد بالرباط: هو أن تبقى مجموعة من المسلمين قريبة من الحدود مع الأعداء، تحمي أراضي المسلمين، وتذب عنها الاعتداءات. وهذه وظيفة شريفة، وظيفة عالية المنزلة في الإسلام، فإذا كان المجاهدون يفتحون البلاد ويدخلون فيها الإسلام، فإن المرابطين هم الذين يحافظون على هذه البلاد.. المرابطون هم شرف الأمة، المرابطون هم خط الدفاع الأمامي الذي يتلقى الضربات، المرابطون هم الذين يعيشون في ضيق وربما في فقر، هم الذين يعانون من عدم الاستقرار، ومن التعرض للخوف صباح مساء، لذلك -عباد الله- فإن الرباط لا يقل مكانة عن الجهاد في سبيل الله سبحانه، وأجره عظيم عند الله سبحانه وتعالى، ولقد أخبرنا النبي ﷺ عن تلك الأجور العظيمة التي تكتب للمرابطين إذا كان رباطهم في سبيل الله،  ومن هذا قوله ﷺ: «رباط شهر خير من صيام الدهر، ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغُدِي عليه برزقه، ورِيحَ من الجنة، ويُجرى عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله». وتأملوا قوله: « ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر» فكما أنه كان معرضا للخوف في حياته كلها أمنه الله سبحانه من الخوف في الآخرة، وتأموا قوله: «وغُدِي عليه برزقه» فكما تعرض لضيق العيش بسبب وجوده في الثغور وأماكن التّماسّ مع العدو أغدقت عليه الأرزاق والنعم في الآخرة. 
وقال عليه الصلاة والسلام: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغَدوة خير من الدنيا وما فيها». وقال ﷺ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّار: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وقال عليه الصلاة والسلام: «كلُّ الميِّت يُختَم على عمله، إلا المُرابِطَ، فإنه ينمو له عملُه إلى يوم القيامة ويُؤمَّن من فَتَّان القبر»
وقال ابن تيمية:" المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة ...، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى قال أبو هريرة - رضي الله عنه - لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وذلك أن الرباط من جنس الجهاد، وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج".
لكن تنبهوا -عباد الله- كيف أن النبي ﷺ ما ذكر الرباط إلا وقيده بقوله: «في سبيل الله»، ومعنى في سبيل الله هنا، هو ذات معناها في الجهاد في سبيل الله، فالرباط المشروع الذي يحصل به هذا الأجر العظيم، والذي يحصل به العز والتمكين= هو الذي تكون الغاية منه إعلاء كلمة الله سبحانه، والحفاظ على هذه الأرض إسلامية خالصة، هو الذي تكون الغاية منه إعلاء كلمة هذا الدين، وتحكيم شريعته، هو الذي تكون الغاية منه إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر).. أما ما سوى ذلك من أهداف علمانية أو قومية فلا قيمة لها في ميزان الشريعة، بل الشريعة براء منها ومن أهلها.
ونحن في هذه البلاد.. في فلسطين قد أكرمنا الله سبحانه وتعالى بأن يسر لنا سبيلا لهذه العبادة العظيمة، يسر لنا سبيلا لندافع عن هذه الأمة، لنحمي شرف هذه الأمة، لقد قدر الله سبحانه أن نكون صمام أمان لهذه الأمة.. إذا كانت هناك حرب بين الخير والشر في هذا العالم، وإذا كانت هناك حرب بين الإسلام والكفر في هذا العالم فنحن في بؤرة هذا الصراع، ونحن محور من أهم محاوره.. إن فلسطين والقدس في هذا الزمان هما محط أنظار الجميع.. لذلك علينا أن نستشعر المسؤولية، وعلينا أن نعرف كيف ندير هذه المعركة.
إن حربنا ليست مع هذه الشرذمة فقط، بل حربنا مع دول كبيرة تقف وراءها، وحربنا مع أتباع يندسون بينا، لذلك فإننا التعاطي الهزيل مع هذه القضية لن يجدي نفعا، ولن يحرر أرضا.. إننا بحاجة إلى أن نصلح أحوالنا، ونصحح نظرتنا إلى الأمور، ونحن بحاجة كذلك إلى قائد شجاع يهتدي بكتاب الله ﷻ ويأخذ بأسباب النصر المادية والمعنوية.. 
وإلى أن ييسر الله سبحانه لنا قائدا يفهم هذه المعادلة فنحن مطلوب منا أن نرابط، مطلوب منا أن ندافع على قدر الاستطاعة، مطلوب منا أن نؤسس جيلا يحمل هذا الأمر، ويحمل هذا الدين، مطلوب منا أن نحافظ على ثوابتنا الدينية، وألا نستجيب لحملات تحريف الدين وتهمشيه، يجب أن نعتصم بهذا الدين في ظل تلك الحمللت المسعورة على مفاهيم الإسلام وثوابته، فوالله لو ضيعت الأمة كلها لما كان لنا أن نضيع، ولو فسد كل الناس ما كان لنا أن نفسد، أذكركم بقول النبي ﷺ: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، تأملوا كيف جعل هذا الحديث أهل الشام معيارا لصلاح الأمة، ومعيارا لاستقامتها، فمن أراد أن يعرف ما حال أمة الإسلام، فلينظر إلى الشام.. وهل يوجد في الشام مكان أقدس من القدس وما حولها؟! فالله الله في دينكم.. 
الخطبة الثانية
كثيرا ما يتساءل الناس: متى سوف ينصرنا الله؟ ألسنا مسلمين؟ والله تعالى قد وعد عباده بالنصر؟ يسألون هذا السؤال ويستحضرون في أذهانهم صور أمثال خالد بن الوليد، وأبي عبيدة، وطارق بن زياد، وصلاح الدين على أنهم رجال انتصروا بمعجزة من الله سبحانه وتعالى.. وحتى نجيب عن هذا السؤال.. تيقنوا أن الله تعالى قد وعدنا بالنصر، ووعد عباده الصالحين بالنصر، كما قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) لكن كونوا على يقين من أن الله تعالى لا ينزل نصره على هؤلاء الصالحين إلا إذا أخذوا بأسباب النصر، لن ينزل النصر على من جالس في بيته.. إن تنزل نصر الله سبحانه، ونزول الملائكة، ونزول السكينة، وقذف الرعب في قلوب الكفار.. هذا كله لا يكون إلا في ساحات النزال والقتال.. وما الذي فعله صلاح الدين ومحمد الفاتح إلا أنهم أخذوا بالأسباب وتجهزوا وتسلحوا بهذا الدين، وقبلهم الصحابة المجاهدون، والأئمة الفاتحون، بل قبلهم النبي ﷺ.. النبي ﷺ الذي يَقدِر الله سبحانه أن بنصره في طرفة عين، كان دائم الأخذ بالأسباب، خرج مهاجرا إلى المدينة ظهرا لا ينتبه له أحد، واتجه جنوبا حتى لا يتبعه المشركون، ونزل في بدر بعد آبار المياه ليمنع المشركين من الوصول إليها، وحفر الخندق ليمنع ليحمي المدينة، وفي فتح مكة كان معه كتيبة تسمى الكتيبة الخضراء لكثرة ما فيها من حديد ودروع، لم يكن يُرى منهم إلا حدق أعينهم.. هذه هي سنة الله سبحانه في البشر، بل في الكون كله، لا يحدث شيء بدون سبب، فهل إذا وصل الأمر لنا سيتغير الأمر وينزل علينا النصر ونحن نرسم الجداريات ونقيم الحفلات الغنائية، وننادي بتحرير المرأة.. المسألة باختصار أن هناك أسباب للنصر، إذا أخذ بها المؤمنون نصرهم الله سبحانه، وإذا لم يأخذوا بها فلن بنزل عليهم النصر وهم في بيوتهم.
(يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا ينصركم ويثبت أقدامكم)


الجمعة، 8 ديسمبر 2017

فإن العزة لله جمعيا
(بمناسبة القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لليهود)
عناصر الخطبة:
  • أهمية العزة بالنسبة للمؤمن.
  • نماذج من العزة.
  • كيف ننال العزة.
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا/ أوَ ما لنا سعد ولا مقداد
سلت سيوف المعتدين وعربدت/ وسيوفنا ضاقت بها الأغماد
يا ليل أمتنا الطويلَ متى نرى/ فجرا تغرد فوقه الأمجاد
أجدادنا كتبوا مآثر عزنا/ فمحا مآثر عزها الأحفاد
لقد أنزل الله تعالى هذا الدين العظيم على قلب محمد ﷺ، فقام بأمره حق القيام، وعلمه أصحابه، وحمّلوا هذا الدين، لمن بعدهم، فرفع الله بهم راية الإسلام، وأعز بهم الدين، حتى صاروا في مقدمة الأمم، وتحقق في هذه الأمة قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا).
وسنحاول في هذه العاجلة أن نقف على معلم واحد من صفات أولئك المؤمنين الذين دانت لهم الدنيا…إنها صفة العزة.
عباد الله! لقد علمنا هذا الدين العظيم أن من أهم صفات المؤمن الذي يحمل هذا الدين: أن يكون عزيزا، قويا في دينا، ثابتا على الحق، لا تكسره الهزائم، ولا تهزه العواصف.. لقد جعل الله سبحانه صفة العزة من صفات المؤمن الأساسية، ومن مكونات شخصيته، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، فتأملوا كيف قرن الله سبحانه المؤمنين أصحاب العزة، بذاته العظيمة، وبنبيه الكريم ﷺ.. وكيف لا يكونون أصحاب عزة وقد آمنوا بالل سبحانه، وبذلوا نفوسهم في سبيل إعزاز دينه، وأظهروا عزتهم وقوتهم على الكافرين..  
ومما يبين أهمية الغزة في شخصية المؤمن أن الله تعالى جعلها من أهم صفات الذين يحبونه ﷻ وعلا فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).. فذكر أن من أهم صفات هؤلاء المؤمنين الذين يحبهم الله تعالى: أنهم قساة على الكافرين، رحماء بالمؤمنين، كما قال تعالى في صفة أصحاب محمد ﷺ: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم).
لقد علّمنا الله سبحانه أن نتعامل مع الكفار على أننا نحن الأعلى بسبب ما معنا من الإيمان، (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)..
علّمنا النبي ﷺ أن الإسلام هو سبب العز، وأن الكفر سببب للذل، كما قال ﷺ: «ليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ اللَّيل والنَّهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخله اللهُ هذا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلًّا يُذِلُّ الله به الكفر».
تعاليم عظيمة، وأخلاق كريمة، نقرأها الآن وكأنها خيال يجول في الخاطر، أو كأنها أساطير من أساطير الأولين، وذلك بسبب ما نرى من واقع مرير تعيشه أمة الإسلام، كان آخره عزم أمريكا -"راعية السلام!"- عي نقل سفارتها إلى القدس. واقع كان سببه البعد عن الدين، وغياب القدوات، وغياب القادة العظماء أصحاب العزة، الذين يكونون نبراسا للناس وقدوة لهم في العزة، ولا يكونوا نماذج سيئة في الذل والخيانة.
ولكن من قال إن هذه هي الحال الطبيعية لأمة الإسلام! إننا إذا أردنا أن نذكر قصص ومواقف العزة التي سطرها لنا قدواتنا لفني مدادنا من كثرتها.. عن ماذا نحدثكم؟ أنحدثكم أن "المُدن الساحلية الأوروبية كانت إذا مرَّت بمحاذاتها الأساطيل العُثمانية، لا تُدق بها أجراس الكنائس، حتى لا تتأجج الحماسة الدينية في قلوبهم فيفتحوا تلك المُدن!"
أم نحدثكم عن المنصور بن أبى عامر -وهو من أعظم ملوك الأندلس، وقد غزا أكثر من خمسين غزوة- الذي أتاه أحد ملوك الممالك في جنوب فرنسا فجثى على ركبته وقبّل يد المنصور بن أبى عامر وركبته!! 
"وهذا السلطان العظيم ألْب أرسلان بعد انتصار المسلمين فى معركة (ملاذكرد) يطأ عنق إمبراطور الروم رومانيوس بقدمه.
وها هو هارون الرشيد "لما نقض الروم الصلح مع المسلمين وعزلوا ملكتهم وملكوا عليهم نقفور، الذي كتب إلى هارون يطلبه برد ما دفعته إليه الملكة السابقة من أموال، وقال لهارون: وافدِ نفسك به و إلا فالسيف بيننا وبينك. فغضب هارون غضباً شديداً وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما ترى لا ما تسمعه.
فلله درهم! لكنهم -عباد الله- كانوا يعلمون سبب عزتهم، وكانوا يعلمون أنهم لولا الإسلام لما راحوا ولا جاؤوا.
ها هو عمرو بن العاص رضي الله عنه يبين سبب عزة المسلمين، لما سأله ملك الإسكندرية: "من أنتم؟ فقال: نحن العرب، ونحن أهل الشوك والقَرَظِ ( هو ورق أسود يستخدم في الدباغ وغيره )، ونحن أهل بيت الله، كنا أضيق الناس أرضا، وأشدّ الناس عيشا، نأكل الميتة، ويُغير بعضنا على بعض، بشرَّ عيش، عاش به الناس. حتى خرج فينا رجلا ليس بأعظمنا يومئذ شرفا، ولا أكثرنا مالا، فقال: "أنا رسول الله ". يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عما كنا عليه، وكانت عليه آباؤنا، فشَنِفنا له ( أبغضناه ) وكذبناه، ورددنا عليه مقالته، حتى خرج إليه قوم من غيرنا، فقالوا: نحن نصدقك ونؤمن بك، ونتبعك ونقاتل من قاتلك، فخرج إليهم، وخرجنا إليه، فقاتلناه فقتلنا، وظهر علينا، وغلبنا، وتناول من يليه من العرب، فقاتلهم حتى ظهر عليهم. فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم ما أنتم فيه من العيش.
فضحك الملك، ثم قال: إن رسولكم قد صدق. قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاءكم به رسولكم، فكنا عليه، حتى ظهر فينا ملوك، فجعلوا يعملون فينا بأهوائهم، ويتركون أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم، لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، ولم يتناولكم أحد إلا ظهرتم عليه. فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر الأنبياء، وعملتم مثل الذي عملوا بأهوائهم، خُليّ بيننا وبينكم، فلم تكونوا أكثر منا عددا، ولا أشد منا قوة. قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلا أَذْكَر ( أكثر رجولة ) منه".
الخطبة الثانية
إن هذه النماذج من العزة ما كانت لتوجد لولا التمسك بدين الإسلام، وقد أخبرنا سبحانه أن مصدر العزة هو الالتجاء إليه فقط، كما قال تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقال: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا). إن العزة -عباد الله- لا تنال بمولاة الكفار، ولا تنال بالتنازل عن الدين والمقدسات، ولا تنال بالرقص مع الكفار على جثث  المسلمين، إن العزة تنال بالتوحيد، وإقامة شعائر الدين، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنال بإقامة الحفلات الغنائية، ولا بتشجيع بناتنا على التبرج والاختلاط، لا تنال بترك الجهاد، ولا تنال ببث ثقافة الغرب والذل بين المسلمين. بل تنال بما ذكره الله تعالى: (الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالنعروف ونهوا عن المنكر)، وقال ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
إن المصائب إذا نزلت فالأصل أنها ترد المؤمنين إلى ربهم، وتعيدهم إلى الاعتصام به، أما قساة القلوب، الجفاة عن شريعة الإسلام فإن المصائب لا تزيدهم إلا بعدا عن الدين.. وفي الوقت الذي يفترض أن نرفع شعار الإسلام، وننادي بالقدس كمدينة إسلامية، ننرى دعوات القومية والعلمانية تنطلق حتى تحاول أن تجعل من القدس حقا قوميا، أو إقليميا.. هذه الدعوات هي التي ضيعت القدس، فهل ستعيدها الآن؟! هذه الدعوات هي التي ألحقت بنا الهزائم،  وصدرت منها الخيانة قديما وحديثا، فهل ستنصرنا الآن؟!

(أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)