الخميس، 23 أغسطس 2018

العبودية
عناصر الخطبة:
  • أهمية وشرف مقام العبودية لله ﷻ.
  • كيف تكون العبودية لله تعالى سببا للسعادة في الدنيا؟

(قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا).
آيات عظيمة من سورة طه، تصف لنا ذلك المشهد الرهيب، الذي خرج فيه آدم وحواء من الجنة، بعدما عصيا الله ﷻ.. مشهد تتجلى فيه عظمة الله سبحانه، يتجلى فيه كرمه ولطفه ورحمته بخلقه.. إنه سبحانه لما أهبط آدم إلى الأرض أرشده إلى الطريقة التي يعيش فيها عيشة مستقيمة صالحة على الأرض، والتي إذا اتبعها عاد بعد مماته إلى دياره، إلى الجنة.
هذه الآية تمثل الأساس والقاعدة التي إذا سار عليها بنو آدم جميعا فإنهم يحصلون السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة: إذا استقاموا على أوامر الله تعالى، وحققوا العبودية له ﷻ، فإنهم يحصلون أمرين: استقامة المعيشة، والنجاة في الآخرة من العذاب.
لقد جاءت نصوص كثيرة تبين لنا أهمية العبادة، وتبين لنا أن العبودية لله سبحانه هي سبب السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، كما قال سبحانه: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وقال: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
العبودية لله هي أشرف وصف يمكن لابن آدم أن يتصف به، انظروا كيف وصف الله تعالى نبيه وخليله محمدا ﷺ بالعبودية لله في أشرف المقامات، فقال تعالى في مقام الإسراء والمعراج: (سبحان الذي أسرى بعبده)، وقال في مقام إثبات نبوة محمد ﷺ: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا)، وقال في مقام إنزال القرآن: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده).
إلى غير ذلك من الآيات التي تبين لنا شرف هذا المقام.. وكيف لا يكون هذا المقام هو أشرف المقامات والإنسان يقوم فيه بشكر الله تعالى على نعمه وإحسانه وآلائه.. لقد خلقنا الله من العدم، وحفظنا في بطون أمهاتنا، ويسر لنا أرزاقنا، ومهد لنا الأرض لنعيش عليها.. وما من نفس نتنفسه، وما من عرق ينبض فينا إلا بحفظ الله عز وجل وحوله وقوته، فكيف لا نكون له وحده عبيدا، وكيف لا نكون طائعين له، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
إن العبودية لله هي طريق النجاة الوحيد في الآخرة، وهي كذلك طريق السعادة الوحيد في هذه الدنيا، والأمور التي تبين لنا كيف تكون العبودية لله سببا في السعادة، أمور كثيرة، وسوف نحاول بيان اثنين منها:
الأمر الأول: أن العبودية لله تعالى هي أهم عامل من عوامل الاستقرار النفسي والروحي، فلا حياة حقيقة، ولا سعادة، ولا راحة للقلب إلا بأن يكون الإنسان عبدا للخالق سبحانه.
إن قلب الإنسان لا بد أن يتعلق بشيء، لأن الإنسان مخلوق محتاج إلى غيره، فلا بد له أن يتعلق بشيء، فإما أن يتعلق بالله تعالى، وإما أن يتعلق بغيره من الشركاء والأنداد، فإن تعلق بالله وجد الراحة والطمأنينة، لأن الله تعالى هو الخالق الذي لا يحتاج إلى غيره. وإن تعلق بمخلوق لم يجد الراحة، وظل قلبه غير مطمئن، يتنقل من التعلق بمخلوق إلى التعلق بمخلوق آخر.. ذلك لأن المخلوق محتاج، فلا يمكن أن يكون غاية ونهاية تتعلق بها القلوب.. لا تجد القلوب راحتها إلا إذا تعلقت بالله الغني عن كل المخلوقات.
واعلموا يقينا أن الإنسان إذا لم يتعلق بالله فإنه سوف يتعلق بغيره ضرورة، لا مفر له من ذلك، فقد يتعلق بهواه، وقد يتعلق بشهوته، وقد يتعلق بامرأة، أو محبوب، وقد يتعلق بصنم أو ند يدعوه من دون الله، وعندها يكون بعيدا عن طريق الهدى، قال تعالى: (أفرأيت من اتخد إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله).
ومن هذه الراحة التي يحصلها الإنسان إذا كان عبدا لله تعالى: أنه يحصل على الأجوبة الشافية لأهم الأسئلة في حياته: لماذا خلقنا؟ وماذا نفعل على هذه الأرض؟ وإلى أين المصير والمنتهى؟ كيف أنجو؟
هذه الأسئلة التي حيرت كثيرا من أصحاب العقول عبر الزمان، هذه الأسئلة التي دفعت كثيرا من البعيدبن عن الله إلى الانتحار أو الاكتئاب أو الحيرة.. يجد لها المؤمن الأجوبة الشافية الواضحة التي تجعل قلبه مطمئنا، لينطلق بعدها في الحياة مساهما وبانيا.
العبودية لله تعالى وحده هي شعار حياة الإنسان الناجح، الإنسان الذي يعرف ما هو هدفه في الحياة، الإنسان الذي يعطي للحياة حجمها الحقيقي، من غير زيادة ولا نقصان.
(والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعلوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
الخطبة الثانية
الأمر الثاني الذي يبين لنا كيف تكون العبودية لله سببا في السعادة في هذه الدنيا: هو التشريع الرباني؛ فالله ﷻ أنزل على أنبيائه شرائع أمر الناس بأن يحتكموا إليها في حياهم اليومية، سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو دولا، وأخبر أن أحكامه هذه هي الأحكام الحسنة التي لا يوجد أحسن منها لإصلاح حال الناس، كما قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون).
وكيف لا تكون أحكامه سبحانه هي الأحكام الكاملة، البالغة في الحسن غايته، كيف لا تكون كذلك وهي نازلة من عند الخالق الذي خلق الناس، الخالق الذي يعلم خلجات نفوسنا، الذي يعلم الماضي والمستقبل، العالم الكامل في علمه، الحكيم الكامل في حكمته، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
وهل توجد مقارنة أصلا بين الأحكام الربانية التي نزلت من عند الله العليم، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هل توجد مقارنة بين هذه الأحكام وبين الأحكام المخالفة لأحكام الله التي يضعها البشر؟!
الإنسان ليس في طاقته العقلية أن يعلم يقينا ما الذي سوف يأتي له بالمصلحة في مستقبله، لذلك فإن الذين يرفضون أحكام الشريعة كثيرو التخبط في التشريع، يسنون القوانين ويعطون القداسة للدساتير ثم يعدلونها، في كل فترة يحلون وينقضون، مرة يقتلون القاتل، ومرة تدركهم الرقة غير المحمودة فيعتبرون قتله مخالفا للإنسانية.. يسمحون بالزنا إذا كان بالتراضي، ويشجعون على التبرج والعري ثم يحتارون في كيفية معالجة النسب الخيالية من الاغتصاب والاعتداءات.. مرة يمنعون الخمر، ومرة يسمحون بها، ومرة يمنعون المخدرات ومرة يسمحون بالخفيف منها.
تخبط وعمى، قد نجى الله المسلمين من ذلك بأن أنزل عليهم شريعة غراء مصلحة لكل زمان ومكان.. فما بال بعض الناس يتركونها إلى ما يخالفها من القوانين والتشريعات! بزعم التحضر والتنوير تارة، وبزعم مساواة المرأة بالرجل تارة أخرى .. إنهم يسوقون أنفسهم إلى الهاوية، ويسرعون نحو الهلاك.
لقد أخبرنا الله ﷻ أن الإنسان لا يصح إسلامه إلا إذا قبل بالشريعة حكما على حياته، كما قال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). وأخبر أن إيمان من لا يؤمن بالشريعة حكما في الحياة، أخبر أن هذا الإيمان هو مجرد زعم كاذب لا حقيقة له، كما قال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

الخميس، 26 أبريل 2018

منزلة العمل في الإسلام
عناصر الخطبة:
  • صور من الأعمال النافعة للفرد والمجتمع.
  • صور من الاعتداء على أموال الناس.

(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) 
يذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عبادَه بنعمة عظيمة أنعم بها عليهم، وهي أنه جعل لهم الأرض مذللة ميسرة للمعيشة، سهلها لنعيش فيها، جعل فيها العيون، "وسلك فيها من السبل، وهيأها فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار"، ثم ذكرنا بمآلنا وأننا راجعون إليه سبحانه، في إشارة إلى أن العمل لا بد أن نراعي فيه حق الشريعة، وأننا لا بد كذلك أن نعمل لأجل هذا الدين. فما هي الأعمال التي يمكن أن تكون نافعة للمجتمع المسلم وللفرد المسلم؟ يمكننا أن نقف على أهمية العمل بالنسبة للإنسان، وللإنسان المسلم بشكل خاص من خلال أمور:
١- أن العمل هو السبب الأهم في الانتصار على الأعداء: أي أمة مهزومة تريد أن تنتصر وتأخذ حقها ممن ظلمها فلا بد أن تعمل، هذا العمل يتمثل في الأخذ بأسباب النصر، والإعداد التام للمعركة… لنقف مع موقف في سيرة النبي ﷺ لنرى كيف علمنا النبي ﷺ أن نعمل وأن نأخذ بالأسباب المادية للنصر… هذا الموقف هو في وصف جيش النبي ﷺ الذي خرح لفتح مكة، لقد كان جيشا شديد التسليح، جيشا أخذ بالأسباب في أدق تفاصيلها حتى أثار الرعب في قلوب الكفار، لقد أوقف النبي ﷺ أبا سفيان رضي الله عنه لينظر في قوة هذا الجيش، حتى يرسخ في قلبه صدق النبي ﷺ ونصر الله تعالى له، ها هو أبو سفيان ينظر ويتأمل في كتائب هذا الجيش، فتمر عليه كتيبة فيسأل العباس: من هؤلاء؟ فيقول له: سُلَيْمٌ، فيَقُولُ أبو سفيان: مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ ؟ ثُمَّ تَمُرُّ قَبِيلَة أخرى، فَيَقُول: يَا عَبَّاسُ، مَا هَؤُلاءِ؟ فَيقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ؟ حَتَّى نَفِدَتِ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إِلَّا سَأَلَ العباس عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرهُ بِهِمْ، قَال: مَا لِي وَلِبَنِي فُلانٍ، حَتَّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ، وَفِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ مِنَ الْحَدِيدِ، قَال:  سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَال: قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، قَال: مَا لأَحَدٍ بِهَؤُلاءِ قِبَلٌ وَلا طَاقَةٌ.
٢- ومن أجل الأعمال التي يمكن للإنسان أن يقوم بها في حياته القصيرة: هو العمل لأجل دين الإسلام، هذا العمل الذي يختصر السنين، ويرفع مرتبة الإنسان -إذا كان مخلصا- عند الله تعالى ولو قصر عمره… سعد بن معاذ رجل المواقف العظمة، رجل العمل لأجل دين الإسلام، أسلم وعمره ثلاثون سنة، ومات وعمره ست وثلاثون، لكنه قدم فيها الكثير، وكانت له فيها مواقف عظيمة، فمن مواقفه في العمل لأجل الإسلام أنه لما أسلم قال لقومه -بني عبد الأشهل-: كلامُ رجالِكم ونسائكم علي حرام حتى تُسلموا. فأسلموا جميعا.
سعد بن معاذ هو الذي قال للنبي ﷺ في معركة بدر: لو استعرضت بِنَا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بِنَا عدونا غدا، إنَّا لصُبُر عند الحرب صُدُق عند اللقاء لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك.
سعد بن معاذ هو الذي سطر أعظم المواقف في البراءة من الموالي والأولياء من دون الله، وذلك لما حكمه رسول الله ﷺ في بني قريضة، فحكم فيهم بحكم الله ﷻ، مع أن بني قريضة كانوا حلفاء للأوس قبل الإسلام.
هذه المواقف وغيرها جعلت الست السنوات التي عاشها سعد في الإسلام جعلتها كالدهور الطويلة، وفيه يقول النبي ﷺ
: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»، وتقول عائشة رضي الله عنها: ما كان أحدا أشد فقدا على المسلمين بعد رسول الله ﷺ وصاحبيه من سعد.
٣- ومن أهمية العمل: أنه سبب في بناء المجتمع، فالمجتمع الذي لا يعمل، المجتمع الذي لا يكون مستغنيا عن غيره في حاجاته الأساسية هو مجتمع ضعيف، لا بد أن يكون فريسة لغيره من الدول القوية، لقد بين النبي ﷺ أهمية الإتقان في العمل عموما فقال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، وقال مبينا أهمية الزراعة مثلا: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
وقد امتثلت أمة الإسلام على مر العصور هذا الأمر، لأنها كانت تريد الحفاظ على دولة قوية تدافع وتنشر دين الإسلام، وهل يمكن أن تكون الدولة قوية إذا كانت عالة على غيرها في تأمين قوت أبنائها ونفقاتها؟!
ومما يبين أهمية العمل بالنسبة للفرد: ٤- أن العمل من أهم أسباب توفير المعيشة الكريمة، ويغنيه عن الطلب والسؤال، لقد عمل النبي ﷺ في رعي الغنم، وفي التجارة، وساعد عمه أبا طالب الذي لم يكن يملك الكثير من المال، عمل النبي ﷺ حتى لا يكون محتاجا لأحد، ولعل من حكمة الله تعالى في ذلك: أن لا يكون لأحد مِنةٌ عليه، وحتى لا يلحقه أي نقص أو مطعن عندما يبعث بالنبوة.
وعلى هذا كان الأنبياء من قبل، فما من نبي إلا وقد رعى الغنم، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».
لقد بين النبي ﷺ أهمية هذا الاكتفاء عن الغير، وأهمية العمل لأجل تأمين معيشة كريمة للأولاد والأهل فقال ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله».

الخطبة الثانية:
ما كان المال محببا جدا إلى النفوس، ولا يستغني عنه أحد، فإن الإسلام قد شرع تشريعات مهمة لتحفظ هذا المال، وقد تقدم معنا حث الإسلام على العمل عموما، وعلى كسب المال من طرق الحلال خصوصا.
وفي المقابل فقد حذر الإسلام تحذيرا شديدا من الاعتداء على أموال الناس وأخذها بغير حق، وحذر من أصناف من الناس ركنت إلى الدعة والراحة، وأحبت أن تأخذ تعب غيرها… هذه صورة من صور أولئك المعتدين على الأموال، يخبرنا القرآن عنها: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعداب أليم. يوم يحمى عليها في جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا من كنزتم لأنفسكم فذوقوا من كنتم تكسبون). فبين لنا أن الطبقة الفاسدة من رجال الكنيسة كانت تأكل أموال الناس بالباطل باسم الدين.
ومن هذه الفئات التي تأكل أموال الناس بالباطل كذلك: المستبدون والظلمة، قال تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)، وهو موجود قديما وحديثا، قال تعالى في وصف ملك ظالم قديما: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)، وقال ﷺ في بيان حرمة المكوس والضرائب: «لا يدخل الجنة صاحب مكس».
ومن ذلك أكل مال اليتيم: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا).
ومن ذلك أكل الربا: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين).  
ومن ذلك: الغش والتدليس في البيع والشراء: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ،  فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَال: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ»؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»

ومن ذلك: أخذ أموال الناس بقصد السلف والدين، مع إضمار النية بعدم السداد: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ الله».

الخميس، 12 أبريل 2018

الإسراء.. عبر وعظات
عناصر الخطبة:
  • فضل بيت المقدس.
  • فوائد من موقف صلاة النبي ﷺ بالأنبياء.
  • تسليم الصديق رضي الله عنه للشريعة.
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)
في مثل هذه الأيام المباركة قبل مئات السنين، أشرقت هذه البلاد، وأنارت بأن وطئتها أقدام محمد ﷺ، في رحلة عظيمة، رحلة مليئة بالمعجزات والأحداث، مليئة بالعظمة.. هي رحلة تاريخية بحق، وقعت بعد عدد من الصعاب التي مرّ بها نبينا ﷺ في مكة.. صعاب تدك الجبال الرواسي، تحمّلها محمد ﷺ لأجل نشر دين الإسلام.
إن الله تعالى يصطفي -لحكمة يعلمها- بعض البلاد فيباركها ويفضلها على غيرها؛ وإن هذه الأرض المباركة أرضَ فلسطين من أكثر هذه البلاد بركة، وأقدمها علاقة بالأنبياء، فالله سبحانه نجى إليها إبراهيم ولوطا وأخبرنا ببركتها فقال: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)… لقد بقيت هذه الأرض على علاقة وطيدة بالأنبياء والمرسلين؛ وها هو محمد ﷺ سيدهم وخاتمهم يأتي إليها، ويزيد هذا المكان شرفا إلى شرفه.
أحداث هذه الرحلة كثيرة، لكن بحسبنا أن نقف على موقفين منها، لنحاول أن نأخذ منهما العبر والفوائد.
أما الموقف الأول فإنه موقف عظيم عجيب، وهو صلاة نبينا محمد ﷺ إماما بالأنبياء في المسجد الأقصى، وهذا الموقف فيه الكثير من العبر والفوائد.
فمنها: أن الأنبياء جميعا قد استقوا من معين واحد، فكلهم دعوا إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه، ودعوا إلى عبادة الله، ومكارم الأخلاق… هذه هي دعوتهم الواحدة: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، ولذلك فقد اصطفوا كلهم في صلاة واحدة خلف إمام واحد هو محمد ﷺ.
لكن المعنى الصحيح لقولنا: إن دين الأنبياء واحد، هو أنهم جميعا دعوا إلى التوحيد، فأما التحريفات التي قام بها كثير ممن خالفوا أنبياءهم فليست من هذا الدين الواحد، وليس بيننا وبينها أي تقارب ولا ارتباط، فقول النصارى بالتثليث والشرك ليس من دين عيسى، وانتقاص اليهود من جناب الله سبحانه ليس من دين موسى، بل هو كفر بالله العظيم.
إن صلاته عليه الصلاة والسلام بالأنبياء فيها رسالة لأتباعهم بوجوب اتباعهم لهذا النبي الخاتم، فإذا كانوا تابعين لأنبيائهم حقا فإنه يجب عليهم اتباع محمد ﷺ: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) 
ومن هذه الفوائد: أن الله تعالى لم يخص هذه الأرض لأهل عرق معين ولا بجنس معين، وإنما هي لعباده الصالحين، والأرض جميعا لله تعالى يعطي الحق فيها لعباده الصالحين: (ولقد كبتنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وأرض بيت المقدس أرض مباركة عند الله ﷻ، الحق فيها لأتباع الدين المرضي عند الله جل وعلا .. قد تدور الدائرة عليهم اختبارا وابتلاء ولكن العاقبة لهم (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين).
لقد انتقل محمد ﷺ من جزيرة العرب إلى هذه الأرض التي لم يسكنها من قبل، وهنا ذابت القوميات، هنا ذابت العصبيات، هنا سادت العقيدة، وسادت التعاليم الربانية التي تجمع بين الأعراق المختلفة، والأجناس المتباينة وتذيبها في بوتقة العبودية والخضوع لله ﷻ وعلا.
ومن هذه الفوائد: أن إمامة النبي ﷺ بالأنبياء فيها إشارة إلى انتقال عهدة ومفاتيح هذه الأرض إلى الأمة المحمدية، وأنهم هم أصحاب الحق فيها بصفتهم أتباع الدين الحق، الدين الخاتم المهيمن على بقية الأديان. 
ولقد مهد النبي ﷺ في حياته لهذا الأمر فسَيَّر الجيوش إلى تخوم الشام، وكان آخرها بعث أسامة الذي مات عنه النبي ﷺ وأنفذه أبو بكر، ثم لم يزل الصحابة رضي الله عنهم يتوغلون في بلاد الشام قاصدين بيت المقدس إلى أن تم لهم ذلك في عهد عمر بن الخطاب… كل هذا امتثال منهم لهذا الدين، وإدراك لأهمية هذه الأرض بالنسبة للمسلمين، بل إدراك لأحقيتهم بها دون غيرهم.
ولقد سارت أمة الإسلام في تاريخها على هذا النهج، فحافظت على هذه الأرض واهتمت بها، ولم تكن لتضيع منهم إلا في أحوال ضعف تمر بها الأمة، مع خيانة بعض الناس فيها.
وهنا لا ننسى شهداءنا وأسرانا الذين انطلقوا من هذه العقيدة، فهبوا مدافيعن عن هذه الأرض الإسلامية المباركة، وقدموا دمائهم، وحريتهم فداء لهذا المبدأ العظيم.
ومن هذه الفوائد: أن صلاة النبي ﷺ بالأنبياء فيها إشارة إلى أهمية العامل الديني للأمة التي سوف تتولى أمانة هذه الأرض، وإذا كان الله تعالى إنما ينصر المؤمنين إذا اتقوا وأخذوا بالأسباب، فإن هذه الأرض من أجلى الصور التي تظهر فيها هذه السنة الكونية: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، ونصر الله تعالى يكون بالتزام دينه، وهذا الالتزام يكون بالالتزام بالدين كله، فهو التزام بالعقيدة الصحيحة.. محافظة على الصلاة وشعائر الإسلام الظاهرة، تحكيم للشريعة، أخلاق فاضلة، ولاء للمؤمنين وبراءة وعدمُ موالاةٍ للكافرين، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، محاربة للظلم والفساد، محاربة للفواحش والمنكرات.
إن نسيان هذا العامل قد أودى بنا إلى حال سيئة، حالٍ لا تحتاج إلى وصف ولا بيان فكلنا يرى ويسمع، لكن العجب أن بعض الناس لا يحب إلا أن يسير مسرعا نحو الهاوية، فيوالي الكفار بحجة أنهم يحبون الخير لنا، وينشر أسوأ ما في ثقافة الغرب بحجة التقدم الحضاري، ويحارب الفضيلة بحجة التحرر والتقدم، وهذا كله ضلال في الطريق وانحراف عن الجادة، لا يوصل إلا إلى الشقاء في الدنيا والآخرة: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
الخطبة الثانية
الموقف الثاني يتعلق بشيء حدث بعد رجوع النبي ﷺ من هذه الرحلة المباركة، موقف إيماني عظيم، صدر من رجل عظيم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإن النبي ﷺ لما أخبر كفار قريش بأمر الإسراء قوبل بحملة استهزاء واستنكار كبيرين، وكلنا يعلم أثر هذا على النفس البشرية، فكم من الناس يود لو أظهر الحق ولكنه يخاف الناس ولومهم، فما بالنا بذلك الموقف العصيب… لقد شق أبو بكر كل تلك الظلمات، وخالف توقعات الكفار، فأصم آذاناهم بعبارته الشامخة، الملئية بمعاني التسليم والانقياد للشريعة: إن كان قال ذلك فقد صدق… ما أعظمها من كلمة وما أكثر فوائدها، لكن لنأخذ منها قبسة واحدة تتعلق بأهمية الانطلاق من التسليم للدين والتمسك به في التعامل مع العدوان، كم يحتاج المسلمون إلى استحضار مثل هذا الموقف في وجه حملات التشويه والطعن التي تنال الإسلام، وكم نحن بحاجة إلى استحضار معاني العزة التي فيه لنجعل انتماءنا واحدا، لنعرف عدونا من يكون.

ها هي سوريا جرح نازف منذ سنوات، ومع ذلك نرى كثيرا من المسلمين لا يعرفون أين الطريق، فبعضهم يرى النصر مع أمريكا، وبعضهم يرى النصر مع روسيا وذنبها بشار… لكن الطريق الصحيح هو في الرجوع إلى هذه الأمة، في إحياء هذه الأمة وإيقاظها من سباتها… هذه الأمة قد قادت العالم منذ زمن ليس بالبعيد، عندما كانت تحكم شريعة ربها، وكان لها كيان يجمعها ويدافع عنها… لسنا بعيدين عن ذلك، وليس هذا حلما مستحيلا، بل هو وعد رباني بالنصر لعباده الصالحين الآخذين بالأسباب: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).  

الخميس، 29 مارس 2018

إن الأرض لله...
عناصر الخطبة:
  • قصة بني إسرائيل مع الأرض المقدسة.
  • عبر وفوائد.

(قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)
آية جليلة من سورة الأعراف، يعظ فيها نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بني إسرائيل، ويصبرهم على البلاء الذي كانوا يلقونه من فرعون وملائه، يصبرهم على مر العذاب الذي كانوا يعانونه… لقد كان هذا في أول عهد موسى مع بني إسرائيل، قبل أن يخرجوا من مصر، أراد موسى عليه الصلاة والسلام أن يبني عقيدتهم الصحيحة القائمة على الخضوع لله ﷻ، أراد أن يعلمهم أن تمكين الله سبحانه لعباده الصالحين إنما يمر عبر طريق الصبر والعبادة والخضوع لله عز وجل، أراد أن يعلمهم أن الأرض -كل الأرض- هي ملك لله تعالى ملك الملوك، وأنه الذي يستحق الأرض هو الإنسان الصالح الطائع الخاضع لملك الملوك، الإنسان الذي ينفذ أوامر الله ولا يتمرد عليها، الإنسان الذي لا يتكبر على خالقه… هذه هي خلاصة سنة الله تعالى في الذي يستحق هذه الأرض أو تلك؛ التقي الخاضع لله، الذي يأخذ بأسباب النصر والتمكين هو الذي يعطيه الله تعالى الأرض ويمكنه فيها ليستكمل عليها مسيرة الطاعة والعبادة، ليعمر الأرض في سبيل إصلاح الآخرة… 
أرض بيت المقدس هي من أقدس البقاع على هذه الأرض، يعطيها الله سبحانه مكافأة لخيرة عباده، ويجعلها عقابا وامتحانا للمؤمنين إذا غفلوا عن طاعة ربهم، وتنكبوا طريق الحق والخير.. لقد وعدهم الله تعالى بها وعدا مشروطا بخضوعهم وطاعتهم لربهم.. فلنحاول -إذا- أن نقف مع عرض موجز لتاريخ اليهود مع هذه الأرض المباركة.  
لقد حمل بنو إسرائيل تلك الكلمة: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده)، حملوها كما حملوا غيرها من التعاليم الربانية التي لم يستفيدوا منها شيئا، حملوها كالحمير التي تحمل كتب العلم، حتى إذا جاء موعدها كانوا كمن فقد الذاكرة… لقد مرت بهم الأحداث، لكنها أحداث كانت تؤكد كلُّها إجرامَهم وقسوة قلوبهم، فلا غرابة أنه إذا جاء وقت تلك الكلمة أن نسوها! لقد نجوا من فرعون، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة يعبدونها من دون الله، ولما ذهب موسى للقاء ربه ونزلت عليه التوراة عبدوا العجل، ثم تاب الله عليهم… ثم جاء وقت تلك الكلمة، (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) قد حان وقت التمكين، حان وقت المكافأة، لكن بقليل من التضحية والجهاد، ها هو موسى يقول لهم وهم في صحراء سيناء: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)، فيرفضون القتال، ويريدون أن يدخلوا أرض بيت المقدس وهي خالية من أي أعداء، رفضوا القتال وقالوا: (اذهب أنت وربك فقاتلا إن ها هنا قاعدون)… لقد عاقبهم الله سبحانه، وحكم عليهم بأن يتوهوا في صحراء سيناء أربعين سنة، لعل ذلك الجيل الفاسد أن يتغير، ويأتي بعده جيل آخر يستحق دخول بيت المقدس: (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين).
انتهت الأربعين عاما، ومات موسى عليه الصلاة والسلام، وبعث الله لهم نبيا آخر، ليدخلوا معه بيت المقدس… لقد أصبحوا في حال إيمانية أفضل من السابق، لذلك استحقوا الأرض المباركة، لقد قاتلوا مع نبي الله يوشع بن نون، ونصرهم الله سبحانه على القوم الكافرين، ومكنهم من الأرض، لكن جينات الفساد والتمرد لا زالت تعمل فيهم عملها، لقد أمرهم الله تعالى أن يدخلوا بيت المقدس خاضعين لله تعالى متذللين له شكرا على نعمته العظيمة عليهم، وأمرهم أن يطلبوا المغفرة لذنوبهم السابقة، فدخلوا متكبرين زاحفين على أدبارهم، وأبوا أن يطلبوا من الله المغفرة، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَإِذ قيلَ لَهُمُ اسكُنوا هذِهِ القَريَةَ وَكُلوا مِنها حَيثُ شِئتُم وَقولوا حِطَّةٌ وَادخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغفِر لَكُم خَطيئَاتِكُم سَنَزيدُ المُحسِنينَ  فَبَدَّلَ الَّذينَ ظَلَموا مِنهُم قَولًا غَيرَ الَّذي قيلَ لَهُم فَأَرسَلنا عَلَيهِم رِجزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانوا يَظلِمونَ﴾، ومع ذلك فقد استقامت حالهم بعد ذلك، وبعث الله أنبياءه داود وسليمان، فأقاموا لهم دولة قوية، دامت ثمانين سنة، كانوا فيها على الطاعة والخضوع لله عز وجل، كانوا عبادا صالحين، ثم لما مات سليمان عادوا إلى سابق عهدهم، عادوا إلى الكفر والطغيان والتمرد، تنازعوا وقتل بعضهم بعضا، فزالت دولتهم، وسلط الله عليهم من يهدم ما شيدوه، ويبعثر ما عمروه، سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، شردهم في الأرض أُمما مفرقة، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).
هذه خلاصة قصة بني إسرائيل مع هذه الأرض المقدسة، لقد تركوها منذ ذلك الحين، لم يرجعوا إليها بعد ذلك إلا في فترات قليلة، وتحت حكم غير حكمهم، لقد انقطعت صلتهم الدينية بها تماما بسبب كفرهم، ولم تقم لهم علاقة تاريخية معتبرة عليها، إلى أن جاء العصر الحديث، وعلى حين ضعف وحالة تشرذم كبيرة من المسلمين، فتمالأ الغرب ومن والاهم من العرب، وأقاموا على أرض فلسطين كيانا لتلك الشرذمة التي لا تمت إلى هذه الأرض بصلة دينية أو تاريخية.
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)
الخطبة الثانية: 
إن هذه القصة العظيمة تعلمنا دروسا مهمة، ينبغي لنا أن نستفيد منها في حياتنا، في صراعنا مع ذلك الكيان الغاصب، ينبغي أن نستفيد منها في توجيه البوصلة نحو التفكير الصحيح، والعمل الصحيح:
١- سبب استحقاق الأرض هو التدين بالدين الحق، مع الخضوع والطاعة لله عز وجل.. ولما كان بنو إسرائيل طائعين لله -وهي فترة قليلة- استحقوا هذه الأرض، فلما عتوا وكفروا وتمردوا لم يعودوا مستحقين لها.
وإن هذه الأمة المباركة لما اتبعت محمدا ﷺ، وهو آخر أنبياء الله تعالى للبشرية صارت مستحقة وحدها لهذه الأرض المباركة.. لقد أسرى الله سبحانه بنينا ﷺ إلى بيت المقدس، وصلى فيها إماما بالأنبياء والمرسلين، في إشارة ربانية إلى انتقال مفاتيح هذه الأرض المباركة إلى أهلها الذين يستحقونها، وسوف تبقى هذه الأرض ملكا للمسلمين إلى يوم القيامة.
٢- الميزان الذي نقيم به موقفنا من الأمم والحضارات هو مدى التزامها بأوامر الله تعالى، فأي أمة سابقة لنا، إذا كانت مستقيمة موحدة لله، طائعة لنبيها، فهم إخوتنا، ننتمي إليهم وينتمون لنا.. الإسلام ألغى روابط الجاهلية العصبية، وجعل روابط القومية والجنسية تابعة للدين، فمن كان على دين الحق فهو أخ لنا وإن بعُدت داره، أو تقادم زمانه، ومن كان على الباطل فهو عدونا وإن كان أقرب قريب.
٣- النصر لا بد له من تضحية: لقد عاقب الله بني إسرائيل لما رفضوا أن يضحوا وأن يجاهدوا لينالوا الأرض التي كتبت لهم، عاقبهم بحرمانهم منها لأنهم آثروا الدعة والراحة، وهذا يعلمنا أن النصر والتمكين الذي وعد الله به المسلمين لا يأتي على أكف الراحة والسكون، وهذه هي سنة الله تعالى في البشرية جمعاء.. فلماذا -إذا- يصر البعض على أن تحرير فلسطين يمكن أن يكون بالرقص والخلاعة والماراثونات؟!

٤- بنو إسرائيل أمة ذليلة مهينة، حكم الله عليهم بذلك… لا تظنوا أنهم تغلبوا علينا بسبب قوتهم، بل بسبب ضعفنا، هي قوة من غيرهم، لاقت ضعفا من المسلمين، لاقت خيانة من بعضهم، ولو كانوا قد تغلبوا علنا بقوتهم فما بالهم لم يستطيعوا ذلك لما كان المسلمون أقوياء، لما كانت صرخات رجالهم تقلع الجبال قبل أن تخلع قلوب الرجال! 

الجمعة، 19 يناير 2018

(فدعا ربه أني مغلوب فانتصر)
عناصر الخطبة:
  • الله تعالى ينصر عباده عند شدة البلاء.
  • الواجب التمسك بشريعة الإسلام في الرخاء والشدة.

إن من سنة الله تعالى في خلقه أن يبتلي عباده الصالحين، ليمحص قلوبهم، ويقوي يقينهم، وقد يبتليهم الله تعالى بالمصائب ليختبر إيمانهم… حتى إذا اشتدت عليهم المواقف، وعظهم عليهم الكروب فرج عنهم، ونصرهم على أعدائهم.
وكم في كتاب الله سبحانه، وفي قصص الأنبياء والصالحين، من تلك المشاهد التي يَنزل البلاء فيها على المؤمنين، فلا يكون منهم إلا الصبر والثبات على الدين، ثم ينزل الله عليهم نصره بعد شدة الضيق، وينزل عليهم فرجه في أحلك الظروف والمواقف.
ولنستعرض بعض تلك المشاهد، لنأخذ منها الأمل، ولنحاول أن نعرف ما هي الحال التي كان عليها أولئك الأنبياء.
وما أحوجنا إلى التأمل في تلك المواقف في ظل اشتداد البلاء علينا، وفي ظل استمرار تطاول اليهود وتجبرهم، وقتلهم لنا على مرأى ومسمع من البعيد والقريب، ودون أن يحسبوا حسابا لأحد.
لنتأمل في هذه القصص، ولنلاحظ كيف أن الله تعالى ينصر عباده عند شدة الكرب، وكيف أن النصر ينزل عليهم بعدما يظنون بُعد هذا النصر عنهم، كما قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).
لنتأمل في قصة نوح عليه الصلاة والسلام، فإنه لما بذل جهده في دعوة قومه وجدالهم، ما وجد من أكثرهم إلا الصد والكبر، فدعا الله سبحانه (أني مغلوب فانتصر)، لقد بذلت جهدي، فانتصر لدينك، فأنت الناصر الحقيقي، لا ناصر غيرك.. فإذا بالنصر الإلهي ينزل، ويسخر الله سبحانه جنوده، فيغرق كل ظالم كافر على هذه الأرض، وينجي عباده المؤمنين.
وها هو نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يأمره الله بذبح ولده، فيسمع ويطيع لأمره تعالى، ويهم بذبح فلذة كبده، فينزل عليه الفرج وقد أضجع ولده ليذبحه… (فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم).
ولما حطم إبراهيم عليه الصلاة الأصنام التي كان قومه يعبدونها، ليرد إليهم عقولهم التي لوثها الشرك والكفر، أرادوا أن يعاقبوه عليه الصلاة والسلام، فأججوا له النار ليلقوه فيها… وأي بلاء وكرب أعظم من هذا! فما كان جوابه عليه الصلاة والسلام إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل… فجاء الفرج من ملك الملوك الذي يقول للشيء كن فيكون، وأمر النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم.
موسى عليه الصلاة والسلام، جادل فرعون الطاغية، ودعاه إلى الله سبحانه، ودعاه إلى ترك المؤمنين من بني إسرائيل وإلى عدم ظلمهم، فما كان من فرعون إلا أن أراد القضاء على موسى ومن معه، فحشد جنوده، وتبع موسى وقومه، حتى كاد يدركهم، ولم يكن أمامهم إلا البحر، وهنا لما (تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون)… وإنه لموقف جلل، فرعون الطاغية القاتل السفاح من خلفهم مع جنوده، وأمامهم البحر، فإلى أين يذهبون، وإلى من يلجؤون؟ أجابهم موسى، فقال لهم: (كلا إن معي ربي سيهدين)، كلا، لا تقولوا ما تقولون ولا تيأسوا، إذا كان فرعون قريبا بجبروته، فإن الله تعالى أقرب بنصره وتأييده… وفي هذا الموقف العصيب يجيء الفرج والنصر، فيأمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه، فينشق البحر عن طريق يابسة صالحة للمسير، فينجو موسى وقومه، وينطبق البحر على فرعون وجنوده، ولا يقبل الله منه إيماننا ولا توبة في ذلك الوقت، وتنتهي بذلك قصة ذلك الطاغية، الذي ملأت قصصه المرعبة قلوب الناس.
… محمد ﷺ… وما أكثر المواقف التي جاء فيها نصر الله تعالى له بعدما اشتد الكرب، ومن أعظم هذه المواقف ما حصل معه في هجرته عليه الصلاة والسلام، لما لحق به المشركون، والتجأ إلى الغار مع صاحبه أبي بكر، فجاء الكفار ووقفوا على الغار، فأعمى الله أبصارهم، حتى قال أبو بكر للنبي ﷺ: لو نظر أحدهم إلى موقع قدمه لرآنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
وفي غزوة الخندق، لما اجتمعت أحزاب الكفر لغزو المدينة، وشكلت جيشا كبيرا حتى تقضي على الإسلام والمسلمين، وأمر النبي ﷺ بحفر الخندق، جاء الكفار وحاصروا المدينة، وصاروا يرمون المسلمين، والمسلمون مرابطون عند الخندق، قد أتعبهم الجوع، ونخر البرد عظامهم، وبلغ الخوف من بعضهم مبلغا كبيرا، وخان اليهود عهدهم، وبث المنافقون الإشاعات، وحاولوا تثبيط العزائم، ولنستمع إلى هذا الوصف القرآني لصعوبة ذلك الموقف، يقول الله تعالى: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا).
وفي خضم هذه الظروف القاسية، والظروف العصيبة، يسلط الله سبحانه الريح الباردة على معسكر الكفار، فتقتلع خيامهم، وتكفأ قدورهم، فيولون مدبرين، ويعودون من حيث أتوا.
فحري بنا أن نعلم أن نصر الله سبحانه آت، وأن الهموم والكروب إذا كثرت، فهي علامة على قرب النصر إن شاء الله.
الخطبة الثانية
إن هذه القصص كثيرة جدا، وإن الله تعالى ينصر ويفرج الكرب عن عباده الصالحين، بعدما يظنون أن النصر بات بعيدا… وهذه القصص كلها يجمع بينها أن أصحابها صدقوا الله تعالى، كانوا أصحاب إيمان راسخ، كان همهم نصرة الدين، وطريقتهم الامتثال والتسليم لأوامر الله تعالى، كانوا عبادا صالحين لله ﷻ في حياتهم كلها، كانوا صادقين في لجوئهم إلى الله عز وجل، لم يطلبوا النصر من غيره، ولا ركنوا إلى ظالم أو كافر.
إن الله تعالى لا ينصر إلا الصادقين الذين يعتصمون بدينه في الرخاء، ويلجؤون إليه في الشدة، كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

أما وإن من الناس من ينابذ الشريعة ويحادها، فإذا كانت مصلحته في مرحلة ما قريبة منها صار من المنادين ببعض مفاهيمها لنيل أغرض معينة، وإن من لم يكن صادقا، ومن تعامل مع الشريعة على حسب حاجته، من دون تسليم وخضوع لها= فكيف سينصره الله تعالى… إن الواجب علينا أن نعود إلى الله سبحانه عودة صادقة، وأن نتمسك بالشريعة الإسلامية، التي فيها عزنا ومجدنا، وألا نكون كأولئك الذين لم يعرفوا الإسلام إلا لمصالحهم، كما قال تعالى عنهم: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)