السبت، 12 أغسطس 2017

هل الجنة للمسلمين فقط؟
سؤال يطرح في وسائل التواصل لتبادل "وجهات النظر" حوله، بل قد رأيت بعض الشاشات التلفزيونية التي تجوب أسواق المسلمين (فقط) باحثة عن جواب لهذا السؤال.
من يسأل هذا السؤال؟
هذا السؤال سؤال يطرحه الليبراليون بهدف هز عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين، ويتابعهم طرحه بعض الناس جهلا، وتأثرا بثقافة الغرب.
الأرضية التي يَرِد عليها هذا السؤال
الواقع المؤسف أن مُنشِئي هذا السؤال قد عرفوا في أي مرحلة يطرحون هذا السؤال، فإنهم لطالما روجوا دعوات عدم تكفير اليهود والنصارى، وطالما روجوا "الوجه الإنساني" للغرب، سواء أكان على صعيد الأفراد، أو على صعيد الدول، وطالما هزوا ثقة المسلمين بأنفسهم من خلال عقد مقارنات حضارية وتكنولوجية و"ثقافية" بين المسلمين وبين الغرب، محاولين من خلالها إثبات أن الغرب نموذج فريد من البشر، لا يستطيع الإنسان المسلم أن يرتقي إليه…
ومع انتعالهم بعض من يتمسح بالعلم الشرعي، وأخذ كلام منهم حول عدم تكفير اليهود والنصارى، تحت شعارات التسامح وقبول الآخر، حتى وصل الحال ببعضهم إلى الكف عن وصف مشركي قريش بأنهم كفار، في مشهد يعيد إلى الذهن صورة أحبار ورهبان بني إسرائيل وهم يحرفون دين الله تعالى لأجل الدنيا.
أقول: في ظل هذه الحرب الفكرية، والتي سُبقت واقترنت بالحروب العسكرية، والتي رسخت ضعف عقيدة الولاء والبراء في نفوس الناس.. جاء هذا السؤال المدروس بطريقة نفسية، ليَرِد على نفوس تتردى ما بين الجهل والإحباط والخجل من هذا الدين.
سؤال منسوج بخيوط الإرهاب الفكري.. 
فأقول ابتداء وقبل كل شيء.. أخي المسلم، لا يرهبنك السؤال، وقل بكل ثقة: نعم الجنة للمسلمين فقط.
ما هو الأساس الذي يدخل عليه الإنسان الجنة؟
الإجابة على سؤال: (هل الجنة للمسلمين فقط؟) مبني على هذه المسألة: ما هو الأساس الذي يدخل عليه الإنسان الجنة.
ومن البدهي أن تكون الإجابة: إن الذي يريد أن يدخل الجنة التي خلقها الله تعالى فلا بد أن يكون طائعا له مرضيا له ﷻ.
والأعمال الصالحة التي يمكن أن يقوم بها الإنسان كثيرة جدا، ما بين عبادة، أو إحسان إلى الفقراء والمساكين أو مساعدة الناس.. لكن هل كل عمل مقبول عند الله تعالى؟ وهل نحن نتقرب إلى الله تعالى كما نشاء نحن، أو كما يشاء هو؟
الإجابة الفطرية العقلانية: بل كما يشاء هو سبحانه.
حسنا! إذا كنا نتقرب إليه كما يشاء فإن الله تعالى لا يقبل أي عمل صالح إذا لم يكن أساسه التوحيد، فمهما كثرت الأعمال الصالحة فإنها لا تنفع عند الله تعالى إذا لم يكن صاحبها موحدا لله تعالى، كافرا بكل ما يُعبَد من دونه، متابعا لأنبيائه ورسله.
وهذا الأصل دل عليه الوحي، ودل عليه العقل… أما الوحي فقد أخبرنا الله تعالى أنه لم يقبل نفقات المنافقين بسبب كفرهم، فقال تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله)، فمع أن النفقة عمل صالح لكن الله تعالى لم يقبلها، ولم يعطهم عليها الثواب لأنهم كفار، ولم يحققوا الأساس الذي تقبل عليه الأعمال..
ومن الأدلة على هذا قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، فجعل عدم الشرك مع وجود العمل الصالح شرطا للعمل الذي ينفع في الآخرة.
وها هو النبي ﷺ يخبر بأن حاتما الطائي المعروف بكرمه وجوده، يخبر أنه من أهل النار، لأنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ويخبر عن عمه أبي طالب أنه من أهل النار، لأنه مات على الكفر؛ مع أنه حمى النبي ﷺ ودافع عنه.. لكنه دافع عنه بدافع الحميّة والقرابة.
وأما العقل فإنك لو كنت صاحب مصنع، وكلفت عاملا عندك بعمل مهم، وقلت له: ابذل جهدك وأريد أن تنجز لي هذا العمل بإتقان.. فذهب هذا العامل وشغل نفسه بعمل آخر، وبذل جهده وتعب فيه، فهل ستقبل منه؟ وهل ستكون مسرورا بما فعل؟
بالتأكيد لا.
وهكذا كل عمل صالح يكون صاحبه كافرا فإنه غير مقبول عند الله تعالى، ولا يثاب صاحبه، ولا يكون سببا لدخوله الجنة.
فالكافر لم يقدر الله حق قدره، ولم يعظمه حق التعظيم، لأن هذا الكافر: 
- إما أن يكون مؤمنا بوجود الله تعالى لكنه يجعل معه آلهة أخرى، كحال اليهود والنصارى ومشركي قريش، بل هذا أكثر شرك الأمم، وكفى بهذا انتقاصا لله تعالى، وقد يزيد بعض الكفار على ذلك فيصفون الله تعالى بالعيوب والنقائص كما فعل اليهود.
- وإما ألا يؤمن بوجود الله تعالى كالملاحدة والدهريين.
فكل هؤلاء لا يقبل الله منهم أي عمل صالح، لأنهم لم يحققوا الأساس الذي تقبل عليه الأعمال كما تقدم.
ولكن هل في هذا ظلم؟
لا ظلم في هذا، ويوضح هذا أمران:
الأول: أن الله تعالى قد طلب منا مطلوبا أساسيا، وأخبرنا أن الأعمال الصالحة لا تقبل بدونه. فمن ترك هذا الأصل، واشتغل بالأعمال الصالحة فإنه لم يأت بالمطلوب منه، فلا يستحق دخول الجنة.
الثاني: أن الله تعالى يجزي هذا الكافر على هذه الأعمال في الدنيا، فيعطيه من المال والصحة والقوة أو الذكر الحسن ما يكون جزاءه وثوابه في هذه الدنيا، أما في الآخرة فلا جنة له.
فما حال الأمم السابقة؟
حال الأمم السابقة جارٍ على هذا الأصل، فمن كان منهم موحدا، متابعا لنبيه في وقته كان مسلما ومن أهل الجنة، وهؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). 
وهذا يقال في كل من كان موجودا قبل بعثة النبي محمد ﷺ، وأما بعد بعثته فلا يقبل عند الله تعالى إلا التوحيد مع اتباع هذا النبي.
لأنه الله تعالى جعل رسالته خاتمة الرسالات، وجعلها ناسخة لما قبلها، كما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه)، وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وقال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار». رواه مسلم
هذا فضلا عن وقوع التحريف في كتب اليهود النصارى، والآيات التي أخبرتنا بهذا التحريف معروفة، منها قوله تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه).
الأبعاد الحقيقية لهذا السؤال
من خلال بعض الإجابات التي سمعتها فإن بعض الناس كانوا يقولون: إن أهل الديانات السماوية يدخلون الجنة. وبعضهم يقول: كل من يعمل الأعمال الجيدة سوف يدخل الجنة.
لكن إذا رجعنا إلى طبيعة من أنشأ هذا السؤال، هل هذه الإجابات مرضية مقبولة بالنسبة له؟ 
وبمعنى أوضح: هل تتفق هذه الإجابات مع النموذج الغربي الحالي، والذي من أهم مكوناته: حرية العقيدة، وحرية التصرف؟ هل سيقبل منك أن الملحد -مثلا- لن يدخل الجنة؟ 
وبمعنى أقرب: هل وجود الجنة يمثل "فكرة" مقبولة في ظل الحضارة المادية التي لا تؤمن إلا بالمحسوسات، ولا تؤمن بالغيب، بل الغالب عليها الإلحاد؟
وإذا استثنينا أولئك الذين يقلدون غيرهم في طرح هذا السؤال، فنستطيع أن نقول: إن كثيرا من الذين يطرحرن هذا السؤال لا يؤمنون أصلا بالجنة، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. 
وهدفهم هو زعزعة عقيدة المسلم، بضرب هذه المنطقة الحساسة الهشة عند كثير من الناس.
ختاما…
لا أجد مناصا من أن أبين أن هذا "السؤال" ليس مجرد سؤال تُطرح فيه وجهة نظر، وليست هذه المسألة محلا لـ"الاجتهاد"، بل هي مسألة من أساسيات العقيدة، التي لا يصح الإيمان إلا بها، لأنها من المسائل التي نطق بها القرآن بشكل واضح وصريح: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، (إن الذين عند الله الإسلام).

والحمد لله رب العالمين.

الخميس، 10 أغسطس 2017

شرح حديث «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»

عناصر الخطبة:
- أهمية الدعاء.
- معنى الهدى والتقى.
- معنى العفاف والغنى.

(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)
الدعاء من أهم معالم عبادة الله سبحانه وتعالى، وهو من أهم ما يميز العبد القريب من الله تعالى من العبد البعيد عنه وعن رحمته، وعبادة الله سبحانه مبنية على ركنين عظيمين؛ وهما: المحبة والتعظيم.. محبة الله سبحانه، مع تعظيمه وإجلاله ﷻ.
إذا علمنا هذا عباد الله وعلمنا أن الدعاء هو من أكثر العبادات التي يظهر فيها تعظيم العبد لربه، وخضوعه ومحبته= علمنا أن الدعاء عبادة من أعظم العبادات وأحبها إلى الله تعالى، ولأهمية الدعاء قال النبي ﷺ في ذلك: «الدعاء هو العبادة»… ومن تأمل في قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) يلحظ فيها معاني القرب والمحبة التي تكون في الدعاء، فإنه تعالى قال في هذه الآية: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب…) فأتى بالجواب مباشرة، ولم يقل: فقل لهم إني قريب، وهذا فيه إشارة إلى معاني القرب والمحبة الموجودة في الدعاء، ثم إن الآية جاء فيها استخدام ضمير المتكلم المفرد في أربع مواضع، وهي: (عبادي)، و(عني)، و(فإني)، و(دعان)، وهذا كله يؤكد أن الله تعالى يحب هذه العبادة، ويحب أن يتقرب عباده إليه بها، وأن يظهروا له سبحانه التذلل والخضوع والمحبة والتقرب.
ولهذا عباد الله! ولأجل الفضائل الكثيرة الواردة في الدعاء فإن النبي ﷺ كان كثير الدعاء لله سبحانه، كثير التذلل له، والأدعية التي كان النبي ﷺ يدعو بها كانت تحمل الكثير من المعاني مع قلة ألفاظها، فهي أدعية جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهي خير ما يدعو به المسلمُ ربَّه ﷻ.
ولنقف وقفة يسيرة مع دعاء عظيم من أدعية النبي ﷺ.. فقد أخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وقول ابن مسعود رضي الله عنه: (كان رسول الله ﷺ يقول) يدل على أن النبي ﷺ كان يكثر من قول هذا الدعاء، وإذا كان النبي ﷺ يكثر من هذا الدعاء الجليل، وهو الذي صعد إلى أعلى درجات العبودية لله تعالى، وبلغ الغاية في هذه الأمور المذكورة في الحديث فما أحوج العبد المقصر إلى الإكثار من هذا الدعاء واللهَج به.
إن العبد بحاجة دائمة إلى ربه تبارك وتعالى، بحاجة له ليهديه ويسدده إلى الصراط المستقيم، وبحاجة له ليقيم له أمر هذه الدنيا ويسهل عيشه فيها. ومتى ظن العبد أنه قد يستغني عن الله تعالى في لحظة من لحظاته، فقد خاب وخسر، ومتى اعتمد العبد على قوته ولم يستعن بالله تعالى في كل شؤونه فقد وقع في الغفلة، وربما اغتر بالنفس الضعيفة الأمارة بالسوء.
وإذا تأملنا هذا الدعاء العظيم وجدناه جامعا لخير الدنيا والآخرة، مشتملا على ما ينفع العبد في دينه ودنياه، فالهدى والتقى بهما يصلح دين العبد، والعفاف والغنى تستقيم بهما حياته.
أما الهدى فإنه عنوان الفلاح في الأمور الإيمانية الاعتقادية، والهداية تشمل أمرين: الهداية بمعنى التمييز بين الحق والباطل، ومعرفة الصواب من الخطأ، والحلال من الحرام. والأمر الثاني هو الهداية والتوفيق للالتزام بذلك العلم الذي علمه العبد، وذلك بسلوك طريق الحق واجتناب الباطل، وفعل الحلال والبعد عن الحرام. 
ولا يتم أمر الهداية إلا بهذين الأمرين، والعبد محتاج إلى الله سبحانه لتحقيقهما، فكم من الناس من يضل ويعمى عن الصراط المستقيم، لأنه يقدم هواه وميوله الشخصية على تعاليم الدين، فلا يستطيع أن يرى من الدين إلا ما يوافق هواه ورغباته، فهذا لم ير الحق أصلا، وأمثال هؤلاء كثر، وسبل الضلال كثيرة في هذا الزمان وفي كل زمان؛ فمنهم من يرى أن الدين هو ما يوافق عقله فقط، ومنهم من يرى أن الدين هو ما يدل إليه الذوق والوجد، ومنهم من يرى أن الدين هو ما يمليه الظالم، ومنهم من يرى أن الدين لا يتعارض مع اتباع الغرب في العلمانية والكفر.. في صور كثيرة من الهوى، وسبل وطرق كثيرة تصب في مهاوي الردى.
وأما الجانب الآخر من الهداية فهو يتعلق بالتطبيق والفعل، بعد التمييز والتوفيقِ لمعرفة الحق من الباطل، فكم من الناس من يعرف الصواب ثم لا يتبعُه ولا يفعلُه لأنه يقدم مصلحة المال أو الشهوة أو الجاه على اتباع الحق… كم من الناس من يعلم أن الصلاة فرض ولا يصلي، وكم من الناس من يعلم أن الربا حرام ولا يجتنبه… فالعبد مطلوب منه أن يأخذ بأسباب الاستقامة وترك المعصية ثم يستعين بالله تعالى ويعلق قلبه به، ويسأله الهداية، فإن القلوب بين يديه، قال تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)، وقال: (من يهد الله فهو المهتدي) وهذا لا يعني أن يقيم العبد على المعصية بحجة أن الهداية بيد الله تعالى، فالهداية لها أسباب لا بد للعبد أن يفعلها، وهو محاسب عليها، والله تعالى مسبب الأسباب، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله.
ومن أهم هذه الأسباب الجالبة للهداية: التقوى، وهو الأمر الثاني الذي طلبه النبي ﷺ في هذا الدعاء، والتقوى هي: فعل ما أمر الله تعالى به طلبا للثواب، وترك ما نهى عنه خوفا من العقاب، وهي خصلة جامعة للعمل بالدين كله.. قد أمر الله تعالى بها في كتابه في آيات كثيرة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا)، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وأمر بها النبي ﷺ، وتسابق الصالحون إلى تحقيقها.. هي المعيار الذي يتفاضل الناس على أساسه، فأكثرهم تقوى أكرمهم عند الله سبحانه، وأقربهم منه منزلة. والتقوى لها درجات كثيرة، فمن الناس من يقتصر على أقل درجاتها فيفعل الواجب، ويترك الحرام، لكنه لا يكثر من النوافل، ومنهم من يفعل الواجب ويكثر من النوافل والمستحبات، ويجتنب الحرام والمكروهات، والناس متفاوتون في تحقيقها تفاوتا شديدا، منهم السابقون، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالم لنفسه.

٢ في تتمة هذا الدعاء الجليل يطلب النبيُّ ﷺ من ربه ﷻ أمرين عظيمين؛ وهما: العفاف والغنى، وإذا كان دين العبد يصلح بالهدى والتقى، فإن الدنيا تستقيم له بالعفاف والغنى.
أما العفاف فهو: التنزه عما لا يباح، والكف عنه. وهو يشمل أمورا كثيرة، من أهمها أمران: أما الأول فهو الكف عما لا يليق مما يخدش الحياء، أو يخدش العرض، أو يدنس الشرف، وهذا يشمل كل ما يمس الحياء، فليس المراد هنا ترك الزنا فقط، بل يدخل في العفاف: البعد عن مواطن الريبة والاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، ويدخل فيه محافظة المرأة في حجابها والتزامها بشروطه.. ومن تأمل في واقعنا نزف دما على حال كثير من شبابنا وفتايتنا.. لقد عمل الغرب وأتباعهم على بث ثقافة الاختلاط ورفع الحواجز بين الذكور والإناث، وعملوا على نزع الحياء من فتياتنا، وعملوا على هز قداسة الحجاب عندهن، حتى صار ألعوبة وموضة.. حتى صار أداة لإظهار الجمال بعدما كان أداة لستر الجمال، وكم يتقطع القلب عندما يرى تلك الدورات المختلطة التي تقيمها تلك الجمعيات التغريبية، والتي يغيب فيها الحياء، وترتفع فيها الحواجز بين الرجال والنساء، فالحذرَ الحذرَ عباد الله، ولا يغرنكم حسن شعاراتهم، ولا بريق دنياهم. 
والأمر الثاني الذي يدخل في العفاف: العفاف عما في أيدي الناس، وترك الطلب من الناس والتعرض لهم، وترك التطلع إلى ما في أيديهم من الدنيا، كما قال تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا).. لا تقل لماذا فلان عنده كذا وكذا من الدنيا، وأنا ليس عندي، بل كن غني النفس، عالي الهمة.. وهذه هي الخصلة الرابعة المذكورة في هذا الحديث؛ وهي الغنى، والمراد بالغنى هنا غنى النفس، والاستغناء عن الناس، فهذا هو الغنى الحقيقي.. المعنى الأساسي في الغنى هو الاستغناء عن الناس، فمتى استغنى العبد عن الناس، ولم يتطلع إلى ما في أيديهم فهو الغني، وإن كان لا يملك دينارا واحدا، وأي نعمة أعظم من هذه النعمة! وصدق النبي ﷺ عندما قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».. فاستعن بالله وتذكر قول النبي ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله».



الجمعة، 28 يوليو 2017

هنا الأقصى
عناصر الخطبة:
* الفرح بنصر الله تعالى.
* بقاء الأمل في أمة الإسلام.
* أهمية دور العلماء في قضايا الأمة.
* أهمية الرجوع إلى دين الله تعالى لتحقيق النصر.

(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)
الانتصار على العدو وشفاء غليل المظلوم من أعظم النعم التي امتن الله تعالى بها على الناس، فكما أن النصر فيه تمكين للحق وأهله، ونشر للخير، ودحض للباطل، فإن فيه معنى نفسيا مهما لنفوس البشر، ألا وهو الفرح بالنصر، وشفاءُ الصدر. ولعظم هذه النعمة، وأهميتها بالنسبة لكل فطرة سليمة، فقد شرع الله تعالى لعباده الفرح بالنصر، وشرع لهم أن يتشفوا بأعدائهم، ولذلك شواهد عديدة في القرآن الكريم، فقوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون) إنما نزل في خبر انتصار الروم على الفرس، وقد نزلت بمكة، لما كان الصحابة فيها مستضعفين، يدخل الحزن والقهر في نفوسهم، فوعدهم الله تعالى بأنهم سيفرحون بنصر الله تعالى بعد بضع سنين.
وتأملوا تلك الآية الكريمة التي عرضت لنا مشهد إغراق فرعون وقومه، حيث يقول الله تعالى فيها: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)، لاحظوا قوله تعالى: (وأنتم تنظرون)، قال أهل العلم: إن الله تعالى أغرق فرعون وقومه أمام أعين بني إسرائيل ليكون ذلك أشفى لصدورهم.
وانظروا إلى تلك الآية الكريمة التي وصفت لنا مشهد القتال وجعلت إنزال الهزيمة والعذاب بالعدو وشفاءَ الصدور، جعلتها من الأمور التي تحث النفس على القتال حيث قال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيدكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم).
إن إلحاق الغيظ والهزيمة النفسية بالكفار هو من الأعمال المرضية عند الله سبحانه، كيف لا، وهم قد حادوا الله وكفروا به، وصدوا الناس عن دينهم (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدنا فتربصوا إنا معكم متربصون).
عباد الله! إن الله تعالى رحيم بعباده، ومن تمام رحمته أن يتمم النصر بالفرح وشفاء الصدور، وكيف لا يشفي المظلوم صدره وقد علاه الظالم وقهره، ومنعه من عبادة ربه وإقامة دينه سنين عددا، وأخذ ماله وأرضه واستباح عرضه.. ومن تأمل في هذا المعنى تجلت له عظمة التشريعات الربانية، التي تراعي خفايا الصدور وخلجات النفوس، وتوجهها التوجيه السليم.
عباد الله! لقد عاينا بالأمس مشاهد عظيمة، شفت صدور المؤمنين، وأغاظت الكافرين، مشاهد لطالما تشوقت نفوس المؤمنين لرؤيتها، مشاهد أعادت لنا شيئا من الأمل، جلعتنا نرى شيئا من النور وسط ذلك الركام والظلام، وحق لنا عباد الله أن نقف مع ذلك المشهد التاريخي المهيب الذي دخل فيه المسلمون إلى المسجد الأقصى، بعد صبر ومصابرة، في مشهد أحرق قلوب اليهود وأكبادهم حتى لم يستطعوا أن يقابلوه إلا بالقمع والإجرام.. حق لنا أن نقف معه وقفات.
أما الوقفة الأولى فهي وقفة تبعث الأمل في نفوس الأمة، لقد أخبرنا النبي ﷺ بأن الخير لا ينقطع في هذه الأمة، وأنها أمة تنبض بالحياة ولو تكالب عليها الأعداء.. فمع الهزائم العسكرية التي مني بها المسلمون في هذا الزمان، والذي تبعه موجات من الهزائم النفسية، وموجات من الأفكار التغريبية الدخيلة على هذه الأمة، كالأفكار العلمانية والإلحادية.. هذه الأفكار التي يهدف الكفار من نشرها بيننا إلى إبعادنا عن ديننا، وإبعادنا عن عزتنا وكرامتنا، هذه الأفكار التي تهدف إلى تدجين الشعوب، وتهدف إلى التسوية بين الضحية والجلاد، إلا أن الإسلام يبقى في القلوب لا تخبو جذوته، ولا ينطمس نوره مهما وقع للمسلم من تقصير وتأثر بتلك الأفكار الانهزامية المخالفة لدين الإسلام.. إن نور الإسلام قادر على طمس تلك الظلمات.. لقد علمتنا تلك المشاهد أن الأمل لا ينقطع من هذه الأمة، وأن جنود النصر موجودة في داخلنا لو وجدت من يحسن تحريكها وتوجيهها.
أما الوقفة الثانية فهي أن هذه الأحداث قد أبرزت لنا دور أهل العلم الشرعي في إدارة هذه المعركة، في مشهد مهيب، تقدمت فيه تلك اللحى التي شابت في طاعة الله تعالى، تقدمت فيه تلك العمائم الطاهرة، تقدمت لتأخذ دورها الذي غُيِّبت عنه سنين عددا، لكنها الآن في المقدمة وبين الصفوف، قدمها صدقها، قدمها تضحتها.. شجاعة وإقدام، وحكمة وحزم.. هاهم أهل الدين يقدمون نماذج تعلم السياسيين ما معنى السياسة، وتعلم المتاجرين بقضايا الأمة كيف تكون القيادة.. لقد أبدوا حنكة عظيمة، وقدرة كبيرة على قراءة الواقع، وتقدير المواقف، لقد أبدوا شجاعة عظيمة، لم يخونوا ولم يرضخوا لضغط.. كانوا أحرارا وعلموا الناس معنى الحرية.
وكأني بذلك الذي يحتقر أهل الدين ويلمزهم بأنهم مغفلون سذج، لا يفهمون ولا يفقهون.. كأني به يقف أمام شموخهم فاغرا فاه، محدقا بعينيه.. أهؤلاء الذين كنت ألمزهم بأنهم غير متحضرين وغير مثقفين… فبئست الثقافة تلك التي تزري بالدين وأهله، وتجعل صاحبها يقف على الحياد من نصرة دينه وقضايا أمته. 
إن مثل هذا الموقف ليؤكد لنا تلك الحقيقة التي نطقت بها النصوص الشرعية من بقاء من يقول الحق في أمة الإسلام، حتى ولو كثر الدجالون وتجار الدين، ومحرفو الكلم عن مواضعه، فإن تلك الفئة من العلماء المتمسكة بالهدى تبقى كالنجم يبرق ويسطع بين الظلمات، ليهتدي به كل ضال، ويقتدي به كل ناشد للرشاد.
ودور هؤلاء العلماء لا بد أن يكون بارزا قياديا في هذه الأمة، لأنهم ينظرون إلى الواقع ببصيرة الوحي والشريعة، ويخشون ربهم فيما يقولون ويفعلون، وكما أن خشية الله تعالى تعين على اجتناب الحرام، وتنجي يوم الحساب، فإنها كذلك تحمي الأوطان وتصون المقدسات، وصدق الله إذ قال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

الثانية
إن مشهدا كهذا حري أن يعيد توجيه البوصلة، حري أن يعيدنا إلى فهم السبب الصحيح الذي نقاتل من أجله، ونحيا ونموت في سبيله.. لقد أخبرنا الله تعالى أن النصر بيده، لا يكون إلا من عنده، (وما النصر إلا من عند الله)، (ولينصرن الله من ينصره)، (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله)، فإذا أردنا أن يتم الله علينا نعمته، ويمن علينا بالنصر الأكيد فعيلنا أن ننصر هذا الدين، ونصر هذا الدين يكون بالتمسك به، والاستقامة عليه، نصر هذا الدين يكون بنبذ كل دين سواه، وكل فكر عداه، آن لنا أن نعرف أن معركتنا مع اليهود هي معركة دينية بالمقام الأول، وأن الدفاع عن أرض الإسلام ومقدسات المسلمين ما هو إلا دفاع عن الإسلام.. لقد آن لنا أن نعلم أن التزام طاعة الله تعالى من أهم ما يأتي بالنصر، وهذا الالتزام عام لكل أحكام هذا الدين، لقد أخبرنا النبي ﷺ أن انتشار المعاصي بيننا، والتكالب على الدنيا، وترك الجهاد هو سبب الذل والهوان، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».

لقد علمتنا هذه الأحداث أمرا يبدو أنه قد غاب عن البعض، وهو أن المظلوم لا يأخذ حقه بالورود والرياحين، ولا بالكلام والاستنكار، بل بالقوة والبأس والمدافعة والجهاد، فواجب علينا عباد الله أن نأخذ بالأسباب الإيمانية والمادية التي تحقق لما ذلك، وإن الله تعالى قد وعد عباده الصالحين بالنصر والتمكين إن هم استقاموا على الدين وأخذوا بالأسباب المادية للنصر (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).

الخميس، 1 يونيو 2017

إحسان العبادات في رمضان
عناصر الخطبة:
- أهمية استغلال شهر رمضان.
- معنى الإحسان.
- من صور الإحسان في رمضان.

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)
لقد من الله سبحانه وتعالى علينا فشهدنا هذا الشهر العظيم، هذا الشهر الذي تضاعف فيه الأجور، وتحط فيه الخطايا، وتعتق الرقاب من النار، هذا الشهر الذي تنزل فيه الرحمات، وتكثر فيه الهبات والخيرات.. وإن المؤمن ينبغي له أن يستغل هذا الشهر أحسن استغلال، فيملأ وقته ويعمره بالطاعات والقربات.
وإن النبي ﷺ أرشدنا إلى طريقة إذا اتبعناها في عباداتنا فإننا ننال خيرا كثيرا، ونحصّل أجرا عظيما.. أرشدنا إلى الإحسان في عبادة الله ﷻ، هذا المقام الذي تنافس فيه الصالحون، وسعى إليه المتقون، هذا المقام الذي يجعل العبد يبلغ الدرجات عند الله سبحانه، هذا المقام الذي يرقق القلب، ويجعل العبد يأتي بالعبادة على الطريقة المشروعة الصحيحة.
دخل جبريل على النبي ﷺ في صورة رجل فسألة أسئلة عدة، فكان من أسئلته أنه سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان.. وهي مقامات من مقامات هذا الدين، ومقام الإحسان أعلاها، لا يأتي به كل من هو في دائرة الإسلام والإيمان، بل يفوز به من ارتقى في مقام العبودية، وتوجه بكليته إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد جاء ذكر الإحسان في كتاب الله تعالى في مواضع منها قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).
والكلام هنا ليس عن الإحسان إلى الناس في المعاملة، أو الإحسان بالمال للأهل والفقراء.. وهما من أعظم القربات، إنما الكلام هنا عن نوع آخر من الإحسان، وهو الإحسان في عبادة الله سبحانه وتعالى، وقد فسره النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
ومدار معنى الإحسان في العبادة على إيقاع العبادة على أحسن وجه وأكمله، إخلاصا لله تعالى، وبعدا عن الرياء، وخشوعا وخضوعا، ومتابعة للسنة، ومجانبة للبدعة... قال أهل العلم: إن النبي ﷺ ذكر للإحسان مرتبتين: مرتبة عليا، ومرتبة أقل منها، فمن لم يستطع تحقيق الإحسان عن طريق المرتبة العليا، انتقل إلى المرتبة الأخرى.
والمراد بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» أن تعبد الله وكأنك تنظر إليه جل وعلا، مستحضرا قربه ومعيته، وأنك بين يديه كأنك تنظر إليه، فإذا استحضر العبد هذا المعنى حصل له الخشية والتعظيم لله تعالى، كما جاء في رواية أخرى للحديث: «أن تخشى الله كأنك تراه».. وهذا الأمر موجب كذلك لإتقان العبادة غاية الإتقان، ويوجب المحبة والشوق للقائه سبحانه.
فإن لم يستطع العبد الإتيان بهذا المقام فإنه يستطيع أن يحقق الإحسان في العبادة عن طريق المقام الآخر، وهو أن يعبد الله مستحضرا نظر الله تعالى إليه، وهذا موجب للخوف والرهبة منه سبحانه، فإذا فعل ذلك سهل عليه الانتقال إلى المرتبة العليا.
إذا علمتم هذا عباد الله، فاعلموا أن شهر رمضان من أولى الشهور التي ينبغي أن يحرص المسلم على الإحسان فيها، وذلك لاجتماع طاعات كثيرة في هذا الشهر الفضيل.. من صيام، وقيام، وصدقة، وقراءة قرآن وذكر لله تعالى، فالمحسن والمفلح هو الذي يحسن استغلال هذا الشهر فيوقعُ فيه العباداتِ على أكمل وجه، والخاسر هو الذي يفرط ويضيع، ويأتي بالعبادات على سبيل التخلص منها، وعلى أنها حمل يلقيه عن كاهله.
فمن صور الإحسان في العبادات في هذا الشهر المبارك:
الإحسان في الصيام: ويكون بأمور، منها: الإيمان والاحتساب في الصيام، كما قال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، أي من صام رمضان مؤمنا بوجوبه عليه، وأن الصيام فرض على كل مسلم مكلف به، وليس حرية شخصية، فيصوم المسلم إيمانا وطاعة، لا مجاراة للناس أو خوفا منهم.
أما الاحتساب، فهو أن يستحضر المسلم أجر الصيام أثناء صيامه، ويستحضر النصوص الشرعية التي جاء فيها ذكر أجر الصائم عند الله تعالى، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن الناس سبعين خريفا»، وكقوله عليه الصلاة والسلام: «للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه»… إلى غير ذلك من النصوص الواردة في فضل الصيام.. إذا فعل العبد ذلك حصل له استحضار القُرب من الله تعالى، وشعر بلذة العبادة، وحلاوة الإيمان. 
والاحتساب مقام عظيم من مقامات العبادة، ينبغي للعبد أن يحرص عليه في كل عبادة يفعلها، ولأهمية هذا الأمر قال فيه النبي ﷺ: «لا أجر لمن لا حسبة له».
ومن صام إيمانا واحتسابا فإنه لا يظهر التثاقل عن الصيام، ولا يظهر ضيق النفس بدخول شهر رمضان، ولا يتمنى مروره سريعا.
ومن الإحسان في الصيام كذلك: صون اللسان والجوارح عن إيذاء الناس، فيحبس لسانه عن الغيبة والنميمة، والسب والشتم، ويحبس يده عن الضرب والاعتداء والظلم.. وقد قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب، فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم»، فإذا كان عليه الصلاة والسلام قد نهى عن رد الإساءة بمثلها، فكيف بالابتداء بها!
ومن الإحسان في الصيام: عدم نشر الفساد في هذا الشهر الفضيل، كما تفعله بعض قنوات العهر والفجور العربية، التي  لا تقتصر على نشر الشهوات وكشف العورات في هذا الشهر الفضيل، بل تستغل هذا الشهر لتشويه الدين وثوابت الشريعة، ولترسخ في الناس مفاهيم الدين الممسوخ الذي يريده الغرب، ويعمل على بثه بين المسلمين.
وقانا الله شرهم، وجنبنا طريقهم…
الخطبة الثانية
فمن صور الإحسان في أداء الصلوات المفروضة في رمضان وغيره، صلاتها جماعة في المسجد، مع الخشوع والخضوع، ومراعاة آداب المسجد، والحرصُ على عدم التشويش على المصلين، وَمِمَّا يتعلق بهذا الحرص على الصلاة في وقتها دون تقديم أو تأخير، فلا يؤخر صلاة المغرب إلى أن تظهر النجوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
ومن الإحسان في قيام الليل في شهر رمضان، قيام رمضان إيمانا واحتسابا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وتقدم معنا معنى الإيمان والاحتساب.
ومن الإحسان في القيام، الحرص على الخشوع فيها، وإتمام ركوعها وسجودها، والتأني فيها، بل وإطالتها قدر المستطاع.. وليحرص على أن لا يكون قيامه لليل سببا في فوات صلاة الفجر مع الجماعة.
ومن الإحسان في تلاوة القرآن الحرص على الإكثار منها، وبخاصة في العشر الأواخر من رمضان، والقراءة بتفكر وتدبر، كما قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).

ومن الإحسان في أداء الزكاة والصدقة إخراجها بطيب نفس، وعدم البخل بها، وعدم المن بها على الفقير، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).

الجمعة، 5 مايو 2017

(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا…)
عناصر الخطبة:
  • ذكر جملة من عتو بني إسرائيل.
  • تقسيم معاصيهم إلى قسمين.
  • التحذير من سلوك طريقتهم

﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾ [المائدة: ٦٥-٦٦]
آيتان كريمان من سورة المائدة، ذكرهما الله سبحانه بعد ذكر جملة من عتو بني إسرائيل وطغيانهم، ومقابلتهم لنعمة الله تعالى عليهم بالكفر، فالله سبحانه وتعالى ذكر عنهم في بداية هذه السورة أنهم نقضوا الميثاق الذي أخذه عليهم من الإيمان برسل الله جميعا ونصرهم، وفي مقدمهم محمد ﷺ قال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية)، وذكر أنهم حرفوا التوراة والإنجيل   (يحرفون الكلم عن مواضعه)، ثم ذكر سبحانه تحريف النصارى لعقيدة التوحيد التي أوحى الله بها إلى عيسى، وكفّرهم لأجل ذلك: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم )، وذكر كذب اليهود والنصارى لما قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه)، ثم ذكر رفضهم الشديد لدخول بيت المقدس حتى قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ثم ذكر استكبارهم وتوليهم عن تحكيم شريعة ربهم، وقال  : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ثم ذكر استهزاءهم بصلاة المؤمنين  (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا)، وذكر حقدهم على المسلمين لأنهم مسلمون فقط  : (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون)، وذكر مسارعتهم إلى العصيان والإثم وأكل المال الحرام (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت )، ثم ذكر أن طغيانهم واعتداءهم وصل قمة الطغيان والإجرام، وذلك بالاعتداء على ذات الله سبحانه ووصفه بالنقائص، فذكر عن اليهود قولهم: يد الله مغلولة، وذكر عن النصارى من قبل أنهم قالوا: المسيح ابن الله.
وقد تخلل ذكرَ هذه الجرائم عنهم ذكرُ بعض العقوبات التي عوقبوا بها، وتحذير المسلمين من سلوك طريقهم، ثم قال سبحانه : ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾، آيايتان لا يملك الإنسان أمامهما إلا أن يقف مذهولا حائرا، كيف جمعت بين فتح باب التوبة للمجرم، وذكر الجزاء العظيم على ذلك في الدنيا والآخرة، مع ذكر الجريمة التي ارتكبها أهل الكتاب، مع ذكر انقسامهم إلى قسمين  : قليل مقتصد ممتثل لأمر الله، وكثير مجرم معرض، مع الإشارة إلى تحذيرنا من سلوك طريقتهم، كل هذا في قالب بديع، يخاطب العاطفة والعقل في وقت واحد. 
… لو آمن أهل الكتاب بمحمد ﷺ، وتركوا التمرد والعصيان، لأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم امتلثوا ما جاء في كتبهم ولم يحرفوها لنالوا خير الدينا كذلك.
عباد الله! إذا تأملنا هاتين الآيتين نجد أن الله تعالى أشار إلى أن المعاصي والجرائم التي وقع فيها بنو إسرائيل كانت على نوعين: نوع يتعلق بعدم وجود التقوى التي تحمل الإنسان على طاعة الله سبحانه، وتساعده على الانتصار على نفسه وشهواته، وأشار إلى هذا بقوله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا)، فذكر أنهم لم يكن عندهم من الخوف والتقوى ما يتغلبون به على نفوسهم المريضة المتمردة العاتية، فذكر هنا مرض الشهوات.
والنوع الثاني: يتعلق بعدم وجود التسليم القلبي لأوامر الله سبحانه، والمتمثل بتحريفهم لدينهم، وبتحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل ومعانيهما، وأشار إلى ذلك بقوله: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ما أنزل إليهم من ربهم )، فذكر أنهم حرفوا دينهم وزادوا فيه ونقصوا، وهذا هو مرض الشبهات التي تتعلق بالفكر والاعتقاد.
والحقيقة -عباد الله!- أن الإنسان إذا جمع بين هذين المرضين فإنه يكون مزيجا من التمرد والطغيان والإعراض عن ذكر الله سبحانه… فالإنسان قد تغلبه شهوته ويعصي، لكنه قد يتوب ويرجع بعدما ينال ما يريد من شهوة أو مال، ويبقى قريبا من التوبة، لكنه إذا جمع مع هذه الشهوة شبهة ورأيا فكريا يقنعه أن هذه المعصية أمر مطلوب، والله سبحانه يحب هذه المعصية فهذه هي المصيبة الكبرى، ومن كانت هذه حاله كان بعيدا عن التوبة، وإن كان باب التوبة مفتوحا له كذلك إذا تخلص من الفهم المحرف لدينه.
وأهل الكتاب -كغيرهم من أهل الضلال-  قد جمعوا بين الأمرين: فلم يتغلبوا على شهواتهم، وحرفوا دينهم ليوافق هواهم، فمن أمراض الشهوة عندهم   : أكلهم للمال الحرام  بالباطل، وقعودهم عن القتال، وعدم إيمانهم بمحمد ﷺ كبرا وحسدا.
ومن أمراض الشبهات: تحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وعدم الحكم بما أنزل الله، ووصفهم لله تعالى بالنقائص.
فأنتج هذا نفوسا شيطانية عاتية، تقوي شبهاتُها شهواتِها، وتقوي شهواتُها شبهاتِها، في حالة ليست بدعا من الضلال والانحراف، وليس جديدة من الإجرام والاعتساف، فأهل الكفر من كل ملة جمعوا بين الأمرين، وأهل الانحراف في زمان يجمعون بين الطريقتين.
إلا أن الله سبحانه قد أكثر من ذكر حالة أهل الكتاب لنا في القرآن، وأبدأ وأعاد ذكر قصصهم لنا: بسبب سرعة تأثر بعض المسلمين بهم، لكونهم أهل كتاب، وأهل علم… لكن ما نفع العلم إذا كان سببا في الضلال والانحراف؟!
لا توجد قصة في القرآن تكرر ذكر كقصة بني إسرائيل، ولم يذكر لنا القرآن تفاصيل قصة كما ذكر تفاصيل قصة بني إسرائيل، والله سبحانه يحذرنا من سلوك طريقتهم، في أثناء تلك القصص وقبلها وبعدها، وحذرنا نيبنا ﷺ كذلك بقوله: «لتتبعن سنن من كان قلبكم حتى لو دخول جحر ضب لدخلتموه». قالوا: آليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!».

الثانية
بعدما عرفنا -عباد الله- خطورة حال أهل الكتاب، وأن الله تعالى حذرنا من اتبعاعهم… فهل هناك صور واقعية من هذا الاتباع؟ هل هذا واقع نعشيه؟ أم أنه شيء ذهب ومضى قديما؟
كلا، فالذي ينظر في حال المسلمين اليوم يرى صورا لا تعد ولا تحصى في وقت ضيق من تلك الصور.
أما على سبيل الشهوات: فنرى أكل المال بالباطل والغش والتعامل بالربا كثيرا فاشيا بين المسلمين، نرى قلة الالتزام بالحجاب الشرعي وشروطه، نرى التهافت على الدنيا وحبها، وكراهية الموت والجهاد في سبيل الله، وحتى على سبيل المظهر والملابس صرنا نرى كثيرا من شباب المسلمين يحرصون عي التشبه بمظاهر الغرب، من دون أدنى تفكير.. لماذا أفعل هذا؟!
وأما فيما يتعلق بالشبهات: فكثير جدا، وهو الداء العضال، والمصيبة الكبرى، أما تحريف الدين فحدث ولا حرج… حملات يقوم بها كهنة الفساد والفهم الحداثي للإسلام، تهدف لإخراج دين ممسوخ، بعضهم يريد موافقة حاكم، وبعضهم يريد موافقة الغرب، وبعضهم يريد تسويغ شهوة، ويسترون كل هذا التحريف بغطاء الإصلاح والتجديد الديني، كإنكار كون أحاديث النبي ﷺ حجة شرعية، وكقولهم بلزوم فهم القرآن فهما جديدا يتوافق مع العصر.. وكثير من الناس يتأثرون بهم إما بحسن نية، أو سوء قصد وطوية.
ومن ذلك محاولة تحريفهم لثوابت الإسلام التي لم يختلف المسلمون فيها يوما، كقولهم: اليهود والنصارى ليسوا كفارا،  بدعوى التسامح الديني، وكقولهم  :  لا يجب الحكم بالشريعة،  بدعوى التطور والحداثة، إضافة إلى ما يذكرونه فيما يتعلق بالمرأة: من عدم وجوب الحجاب عليها، وعدم قوامة الرجل عليها، إلى غير ذلك مما يقولونه، من تحليل الخمر، والربا وغير ذلك.
كل ذلك -عباد الله!- بطرق خبيثة وستار ديني، موافقين في ذلك لأهل الكتاب، وهل تظنون أن تحريف الأحبار والرهبان كان بمصادمة نصوص التوراة والإنجيل وادعاء بطلانها، كلا والله ما كان إلا بتحريفها وادعاء أن ما توصلوا إليه بعقولهم وشهواتهم هو مراد الله تعالى.
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)



الجمعة، 7 أبريل 2017

من عوامل النصر... 
(على وقع حادثة خان شيخون)

عناصر الخطبة:
  • حكمة تشريع الجهاد.
  • علاقة الجهاد برفع الذل.
  • مفاهيم مشوهة للجهاد.

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا).
لقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بالبينهات والبراهين والحجج الواضحات، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا… ولما كان أهل الشر والباطل في كل زمان لا يرضون للحق والهدى أن يسود وينتشر، شرع الله تعالى للنبي ﷺ وللمسلمين من بعدِه أن يجاهدوا في سبيل الله، فمع أن دين الإسلام دين قريب من فطرة الإنسان وعقله، ومع أن حججه وبراهينه واضحة لا يقدر أحد على ردها، إلا أن هناك من المجرمين من يقدم الباطل ولا يستجيب للحق، لدواع مادية، أو ليحافظ في زعامته وأتباعه، فيظل أولئك الطغاة سيوفا مصلطة  على رقاب المؤمنين، يستضعفونهم، ويقتلونهم، ويسومونهم سوء العذاب، لأجل أن يردوهم عن دينهم، كما قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا).
ولأن الإسلام دين واقعي، ولأن سنة الله في خلقه أن يكون التدافع والتقاتل دائما بينهم، كل يقاتل لهدفه أو شهوته أو مصلحته، فقد شرع الله تعالى للمسلمين أن يجاهدوا ويقاتلوا، وأمرهم أن يكون هدفهم هو إعلاء كلمة الله في الأرض، ورفع الظلم عن المستضعفين ليتمكنوا من ممارسة دينهم وإظهاره… فالمواعظ والكلام والخطب تنفع كثيرا من الناس، إلا أن هناك من الكفار من لا تؤثر فيه موعظة، ولا تنفعه حكمة، فلا يرى الحق إلا إذا رأى بريق السيوف.
وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن الكفار إذا عادوا المسلمين واستضعفوهم وطغوا وتجبروا فإن الله يعاقب الكفار في الدنيا بعذاب أو إهلاك، وهذا العذاب الرباني إما أن يكون من عند الله سبحانه، وذلك بتصريف أمور الكون من رياح وكوارث طبيعية، أو أن يكون العذاب والعقاب على أيدي المومنين، وذلك بالجهاد، كما قال تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا).
ها هم صناديد قريش من الكفار قد آذوا النبي ﷺ، وعذبوا الصحابة ليردوهم عن دينهم، فتوعدهم الله بالعذاب والنبي ﷺ لا يزال في مكة، فنزل قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، وقوله: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون)… ولما هاجر النبي ﷺ، وأقام دولته، وأذن له بالجهاد لاقى المشركين في معركة بدر، فهزمهم الله، ولحق بالمشركين الخزيُ والعذاب في الدنيا والآخرة، فقال تعالى واصفا هذا العذاب الذي لحق بهم في بدر: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون. والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون. قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين).
نعم هي سنة الأولين، ومن ذلك ما حدث لفرعون وجنوده، فإنه لما عذب مؤمني بني إسرائيل، وكذب نبي الله موسى، وطغى وتجبر، ولحق ببني إسرائيل إلى البحر، أغرقه الله تعالى، وأغرق جنده فلم تغن عنه قوته، ولم تغن عنه جنوده القوية، ولذلك قال الله تعالى بعد ذكر هزيمة قريش: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب. ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين).
عباد الله! إن مثل هذه الوقائع التي أخبرنا بها القرآن مرشدا لنا لأخذ العبرة منها، يبنغي أن تكون دافعا لنا إلى الطريق الصواب، ينبغي أن توجهنا التوجيه الصحيح، ماذا نفعل؟ وكيف نعرف العدو من الصديق؟ 
إن الذي حدث في سوريا وفي خان شيخون بالتحديد من قتل وحشي للأطفال والنساء، ما هو إلا جزء من الصورة التي تحدث في سوريا، ما هو إلا جزء من إجرام ذلك النظام الكافر الذي يحارب المسلمين لأجل دينهم.
وقبلها بأيام ألقت قوى التحالف الصليبي قنبلة على مجمع سكني في الموصل، قتل فيه أكثر من ٥٠٠ مسلم، ما بين طفل وامرأة ومدني أعزل، وليس هذا كذلك إلا جزء مما يحدث في العراق. وما الذي يحدث في سوريا والعراق إلا جزء من الصورة الكبيرة لما يحدث في العالم الإسلامي، وإن هذه الأحداث ينبغي أن تحث المسلمين على النهوض، ونفض الغبار، والأخذ بأسباب العز والتمكين، فإن الكفار بأفعالهم هذه قد استحقوا عقوبة الله سبحانه، ولم يعد بين وقوع هذا العذاب عليهم إلا أن يأخذ المسلمون بأسباب النصر والتمكين، من التمسك بالدين وإعداد العدة.
واعلموا عباد الله أن نصر الله سبحانه لا ينزل على الكسالى القاعدين، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، والبدء بالتغيير، فإن الله تعالى لا يغير حال قوم من الحسن إلى السيء، ولا من السيء إلى الحسن إلا إذا بدرت منهم بوادر التغيير، كما قال تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). 

الثانية
إن أعداء الله وأعداءنا لم يكتفوا بما لحق بنا من الهزائم العسكرية، لم يكتفوا بالقتل والاغتصاب والاحتلال والتشريد ونهب الثروات، بل أردوا أن يطوعوا الشعوب المسلمة وأن يروّضوها حتى ترى في جلّادها مُخَلِّصَها، وحتى ترى فيمن اغتصب نساءها وقتل أطفالها مصلحا إنسانيا يسعى لنشر ثقافة السلام بين شعوب الأرض.
ولقد عملوا لتحقيق ذلك عبر وسائل كثيرة جدا، وعبر أقلام مأجورة، ووسائل إعلام رخصية؛ ومن أهم أساليبهم في ذلك أمران: تحريف الدين، ونزع الحمية والعزة من قلوب المسلمين.
أما تحريف الدين فقد عمدوا إلى أهم المسلّمات الإسلامية، وبخاصة تلك المفاهيم التي تتعلق بالكفار، كالولاء والبراء والجهاد، فعملوا على بث ثقافة محبة الكفار بين المسلمين، ودعوا إلى التقارب مع النصارى وعدم تكفيرهم بل والاحتفال بأعيادهم… وسموا ذلك بالتسامح.
وأما الجهاد فقد عملوا على إظهار الإسلام بصورة ذليلة، وتدرجوا في ذلك تدرجا خبيثا، فزعموا أن الإسلام ليس فيه جهاد طلب، وأنه لا يقاتل لنشر الدين والتوحيد، ولا يقاتل لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بل لا يقاتل إلا إذا عتدى عليه أحد، ولا يحركه شيء إلا أن تنتهك حرماته وتحتل أرضه، ثم قالوا: ولا يقاتل إذا احتلت أرضه، بل يسعى لحل الأمور بالعقلانية والحكمة والسلام وأغصان الزيتون، ثم وصموا من يجاهد لتحرير وطنه الإسلامي بالإرهاب، ثم عادوا إلى أصحاب الزيتون فلم يرضوا منهم أن يطالبوا بحقهم ولو بالكلام.

ولقد عملوا على بث هذه الثقافة في جيل الشباب بخاصة، فعبثوا بالمناهج، وحذفوا منها كل ذكر للجهاد، أو حذفوا سير الفاتحين المجاهدين المسلمين، وكأنهم يقولون: دعوكم من تاريخكم المشرق، لن نسمح لكم بالعودة إليه، أمامكم طريق مفروش بالورود لتحرروا أرضكم… والذي يتتبع وسائل الإعلام الفلسطينية يرى صورا كثيرة لذلك، لا مجال لذكرها، لكن لفت نظري إعلان وضع لماراثون فلسطين الذي انطلق من ساحة كنيسة المهد، وقد وضعوا له إعلانا لشبان وفتيان يلبسون ملابس الرياضة، ويركضون بجانب جدار الفصل العنصري، وقد كتبوا فوق الإعلان: اركضوا نحو الحرية… كنت أظن أن طريق النصر أصعب من ذلك بكثير…اركضوا فإذا وصلتم فآذنوني!