الجمعة، 3 مارس 2017


مكانة المرأة في الإسلام

عناصر الخطبة:
المرأة قبل الإسلام.
المرأة في الإسلام.
المرأة عند الغرب.

عمل الجمعيات التغريبية في فلسطين.

(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)
آية كريمة في كتاب الله سبحانه، نزلت لتبين أمرا عظيما خطيرا، آية فيها بيان حقيقة مكانة المرأة في الإسلام، نزلت هذه الآية، وجاءت بقية شرائع الإسلام لترفع عهودا من الظلم والقهر كانت تعانيه المرأة قبل الإسلام. 
عانت المرأة قبل الإسلام، وظلمت في الثقافات والأديان السابقة ظلما كبيرا، عانت من حط مكانتها كإنسان، وعانت من ظلم وسوء في المعاملة، وعانت من أكل حقوقها المالية… وإننا إذا نظرنا نظرة سريعة في بعض النصوص الموجودة في في بعض الكتب كالموجودة في التوراة والإنجيل، وكالنصوص المنقولة عن فلاسفة اليونان لنرى ذلك بجلاء، فليس غريبا عندهم اعتبار المرأة نوعا من الشر الشياطين، بل إن كثيرا منهم لم يعتبرها أهلا للتكليف والثواب والعقاب.
ولأجل كل هذا الظلم فقد ظهرت ردات فعل في الغرب، رأت أن سبب الظلم الذي تتعرض له المرأة عندهم هو صراع كوني بين المرأة والرجل، مع أن السبب الحقيقي للظلم الذي تعرضت له المرأة عندهم هو تلك الأديان المحرفة، وتلك النفوس المريضة،  وتلك الأفكار البعيدة عن شريعة رب العالمين… أرادوا أن يعطوا المرأة حقها، فما كان منهم إلا أن تطرفوا في ردة فعلهم. ولما كانت شرائعهم المحرفة لا تخدمهم في هذا الأمر، توصلت عقولهم إلى اختراع ساذج، دمر البشرية وسيستمر في تدميرها، هذا الاختراع هو: مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، ولا يخفى على عاقل أننا إذا أردنا أن نسوي بين شيئين في كل شيء فلا بد أن تكون صفاتهما واحدة، وقدراتهما واحدة، فإذا لم يتوفر هذا الشرط فالمساواة هنا هي عين الظلم. 
عباد الله! لقد بزع فجر الإسلام على ظلام دامس كانت تعاني منه البشرية في كل نواحي الحياة، فأصلح حياة الناس في كل النواحي، وأصلح حال المرأة وصحح أوضاعها، ورفع مكانتها، وكان منهج الإسلام في ذلك هو العدل لا المساواة التامة في كل شيء، فإذا كان العدل في تقديم الرجل على المرأة أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في تقديم المرأة على الرجل أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في التسوية بينهما فقد أمر به الإسلام، فالإسلام نظر إلى صفات وطبيعة تكوين الرجل والمرأة، من حيث الجسم، والقوة، والعقل، والقدرة على التحمل، ومدى وجود الواجبات والأعباء، ثم أعطى كل ذي حق حقه على هذا الأساس.
فقدم الرجل فأعطاه حق الولاية على المرأة في الزواج مثلا لأن عنده من القوة على الكسب والعمل ما ليس عند المرأة، ولأن عنده من القدرة في التحكم بعواطفه وقراراته ما ليس عند المرأة.
وقدم المرأة على الرجل في حق حضانة الأطفال لأن عندها من الرحمة والعطف ما يعينها على القيام بحقهم.
وأمر كلا من الرجل والمرأة بستر عوراتهم بما يتناسب مع طبيعة كل منهما، وبما يقطع باب الفتنة والشهوات، كما قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وليس من باب التمييز ضد المرأة كما يقوله دعاة محاربة الذكورية.
ولما كان الرجل قويا في بدنه قادرا على مناكفة الناس أمره بأن يخرج ويبتغي رزق عياله، وألزمه بالنفقة على أهله، ولما كانت المرأة ضعيفة في بدنها، وكان لها قدرة كبيرة على تحمل الأطفال والصبر عليهم، أمرها بالقرار في بيتها، وتربية أبنائها، وتوفير الجو المناسب لهم لزوجها ليكونوا أفرادا صالحين في مجتمعهم، في دور بالغ في الأهمية، أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، وهذا الدور لا شك أنه أهم بكثير من مجرد أن تأتي المرأة براتب شهري، قد يستفيد منه الزوج قليلا، وغالبا ما ينفق على الزينة والملابس المخالفة في صفتها للشريعة.
وسوى الإسلام بين الرجل والمرأة إذا لم يوجد سبب لتقديم أحدهما على الآخر، فسوى بينهما في التكاليف الشرعية من الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الشرائع، وجعلها مستحقة للثواب والعقاب ومستحقة لدخول الجنة أو النار بحسب أعمالها، فأخذت المرأة بذلك كامل حقها، وارتفعت منزلتها بعد أن كانت عند الرهبان غير صالحة للتكليف بالشرائع، وغير مستحقة أصلا لدخول الجنة أو النار.
هذه -عباد الله!- هي خلاصة نظرة الإسلام إلى المرأة، وهي نظرة عادلة، بالغة في العدالة الغاية والنهاية، لأنها تشريع رباني، وليست كتشريعات البشر الذين تتحكم فيهم الشهوات، ويتحكم فيهم الهوى، ويحيطهم الجهل بحائق الأمور، وعواقبها.
هذه النظرة التي غابت عن كثير من دعاة محاربة الذكورية في هذا الزمان من أبناء جلدتنا، ففي ظل الهزيمة النفسية التي يعيشونها، وفي ظل جهلهم بأصول الإسلام عموما، وبنظرة الإسلام للمرأة خصوصا، ظنوا أن الإسلام كاليهودية والنصرانية، ظنوا أن الإسلام ثقافة كأي ثقافة من الثقافات القابلة للتعديل والتطويع حسب الرغبة والهوى، فأتوا بالنموذج الغربي فيما يتعلق بالمرأة ودعوا إلى تطبيقه على الإسلام ذاته، وليس على المسلمين فقط.
ولو أنهم فهموا حقيقة الإسلام لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم اعتزوا بدينهم لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم فهموا حقيقة وضع المرأة في الغرب حاليا لما دعوا إلى ذلك، فالمرأة عند الغرب عموما مخدوعة تستغل بإرادتها، يستغلها التجار للترويج للبضائع عن طريق وضع صورهن الفاضحة على المنظفات مثلا، ويستغلها أصحاب الشهوات للترويج للفاحشة عن طريق الأفلام والمسلسلات الهابطة… لقد هدموا الأسرة التي هي النواة الأساسية للمجتمع، وبناء على نظرتهم المادية القائمة على الحسابات والأرقام المجردة، فقد رأوا في جلوس المرأة في بيتها خسارة اقتصادية، فأمروها بالخروج والعمل كالرجل لتنفق على نفسها بنفسها، ولتتحمل العبء كالرجل، فحملوها ما لا تطيق، وخسروا الفائدة المعنوية الكبيرة التي يجنيها المجتمع من المسؤولية العظيمة التي تمارسها المرأة في بيتها.
فضوا وأضلوا، وصدق الله إذ قال: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكا).

الخطبة الثانية
لقد عمل الغرب على نشر هذه الأفكار في العالم الإسلامي عموما، وفي بلادنا فلسطين خصوصا، وذلك من خلال الأفلام والمسلسلات، ومن خلال العمل الدؤوب للجمعيات التغريبية، ومن خلال الضغط السياسي الذي يطالب دائما -ضمن طلبات كثيرة- بالمزيد من التنازلات والتشريعات في جانب المرأة مقابل استمرار الدعم المادي، ويسترون ذلك بشعارات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولا شك أن المرأة تتعرض لصور من الظلم داخل مجتمعنا، لكنها صور محصورة، والإسلام بتشريعاته قارد على معالجتها، لكن دعاة محاربة الذكورية ينفخون فيها ويهولونها، ثم يأتون بزي المصلح… ولو أن نشاط الجمعيات النسوية اقتصر على رفع الظلم الذي يمارسه بعض الناس على نسائهم لهان الأمر، ولكن دورها امتد ليمارس دورا ثقافيا يدعو إلى نشر القيم الغربية بيننا فيما يتعلق بالمرأة، وصار يمتد إلى المطالبة بمزيد من التشريعات التي تصب في صالحهم، ولا تلتزم بحدود الإسلام، ولا أدل على ذلك من العرس السنوي الذي نشهده في بلادنا، من الاحتفال بيوم المرأة، والذي يتخلله مشاهد النواح واللطم على المرأة، وكأننا نئد البنات، أو كأننا نستغل النساء جنسيا كما يفعل الغرب… إنهم يستغلون صور الظلم الموجودة لتمرير أجناداتهم الثقافية الغربية، لكنهم يتدرجون في ذلك تدرجا خبيثا، فغايتهم النهائية ليس إيقاف حرمان المرأة من الميراث، بل إنهم يسعون لتسوية الرجل بالمرأة في الميراث، غايتهم أن يسقطوا ولاية الزوج والأب عن المرأة، غايتهم ألا تُلزم المرأة بلبس الجلباب، غايتهم ألا يكون للأب حق في أن يمنع ابنته من التبرج والخروج المنفلت من البيت.
ولا شك عباد الله أن جهدهم في المدارس والجامعات وغيرها قد بدأ يؤتي ثماره، فعلى صعيد الجلباب مثلا، صار القليل من الناس يلزمون بناتهم به، والأقل الذين يلزمونهن بشروطه الشرعية، وصرت ترى تأخر لبس البنت للجلبات بدعوى صغر سنها، وصرنا نرى جرأة كثير من البنات وقلة الحياء الظاهرة عليهن، كيف لا؟ وهم يقولون لها: أنت كالرجل في كل شيء، لا تخافي، وثِقي بنفسك!، ولا تطيعي أحدا…


الخميس، 26 يناير 2017

الاستقامة

عناصر الخطبة:
  • الأمر بالاستقامة، وتعريفُها.
  • ثلاث معالم من معالم الاستقامة.
  • بين الاستقامة والحرية.

روى مسلم عن أبي عمرو سفيان بن عبد الله الثقفي، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم».
في هذا الحديث -قليل الكلمات، عظيم المعنى-، صحابي جليل يسأل رسول الله ﷺ سؤالا قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، لقد طلب من النبي ﷺ أن يدله على شيء يعمل به في الدين، سأله عن شيء يستمر عليه ولا يلتفت إلى غيره.. لقد كان هذا الصحابي الجليل قادما مع وفد إلى النبي ﷺ، ولحرصه على الخير ولضيق الوقت سأل النبي ﷺ هذا السؤال، فأجابه عليه الصلاة والسلام بجواب جامع، يشمل الإيمان والعقيدة، ويشمل الأعمال الصالحة، ويشمل الطريقة التي ينبغي أن يسير عليها في حياته، أخذ هذا الرجل الكلمة وذهب، ورواها لمن بعده حتى وصلت لنا، فكانت نورا يهتدي به كل من سلك طريق الهداية عبر السنين.
الاستقامة هي سلوك طريق الإسلام، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات، وترك المنكرات، من غير غلو ولا تقصير، مع الثبات على ذلك.
ولنقف مع هذا الحديث وقفة محاولين من خلاله أن نرى أهم معالم الاستقامة، التي أمرنا الله سبحانه بها، وأمرنا بها نبيُّه عليه الصلاة والسلام.
فأول معالم هذه الاستقامة هو الإيمان بالله، والذي بدأ النبي ﷺ به، والإيمان هو القاعدة التي تتأسس عليها الاستقامة، ولا يمكن للعبد أن يستقيم إلا إذا آمن بالله حقا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «قل آمنت بالله» يشمل كل أبواب العقيدة التي يجب على المسلم معرفتها، من توحيد الله سبحانه وإفراده بالعبادة، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر… على العبد أن يؤمن بها إيمانا راسخا لا يتزحزح، وذلك لأن الاستقامة والثبات على الأعمال الصالحة لا يمكن أن يحصل إلا إذا كان عند المسلم إيمان قوي، وعقيدة راسخة، ويقين بأن دين الإسلام هو الدين الحق، وأن ما سواه باطل.
والذي ينظر في حال كثير من الناس في هذا الزمان، وبخاصة الشباب منهم، فإنه يلاحظ أن من أهم أسباب انصرافهم عن الطاعة هو عدم قوة الإيمان، وكيف لا يكون ذلك؟ ونحن نعيش في زمن مليء بالشهوات، مليء بالشبهات والأفكار المسمومة، وإذا كانت الاستقامة غير ممكنة بدون قوة الإيمان في زمن النبي ﷺ، فكيف بهذا الزمان الذي انتشرت فيه الأفكار التي تشكك في أصول الإيمان، من الإيمان بالله والرسالات، ونبوة سيدنا محمد على وجه الخصوص.. أفكار تشكك في سنته عليه الصلاة والسلام، وتشكك في ثوابت الإسلام، وهذه أفكار موجودة منتشرة في هذا الزمان، يستطيع أي طالب للشر أن يصل إليها بسهولة، وقد تدخل عليه هي من غير استئذان بواسطة وسائل التواصل، والذي يزيد الأمر سوءا وبلاء أن هذه الأفكار تدخل في أغلب الأحيان على نفوس لم تتحصن ضد هذه الأفكار، بل لا يوجد عندها ثقافة إسلامية كافية، بل لا يوجد عندها حتى ثقة واعتزاز بهذا الدين ورموزه، فإذا وردت هذه الشبهات على نفسية مهزومة غير مثقفة بثقافة الإسلام تمكنت منها وحرفتها عن الاستقامة، بل ربما عن الإسلام كله. 
المعلم الثاني من معالم هذه الاستقامة: هو عدم الالتفات إلى غير الوحي مصدرا لأخذ الدين، وهذا قد يؤخذ من قول الرجل: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. وهذا معلم مهم من معالم الاستقامة، فأصول الدين وثوابته واضحة جلية، لا تتغير ولا تتبدل عبر السنين، فمن ظن في نفسه نباهة وذكاء وراح يحرف ثوابت الدين بدعوى التجديد ومواكبة العصر، فأنكر الحدود مثلا، أو أنكر الحجاب، فليحتفظ بذكائه لنفسه، أو ليستعمل نباهته فيما ينفع المسلمين.
ومن أهم معالم الاستقامة كذلك: عدم الانحراف عن الطريق، وهذا يؤخذ من لفظ الاستقامة نفسه، وقد صرح به القرآن في قوله تعالى للنبي ﷺ: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)، والانحراف يكون بأحد أمرين: إما بالتفريط والتساهل، وإما بالإفراط والتشدد، ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر من العبد، أما التساهل فيكون بترك الواجبات أو فعل المحرمات، وأما الإفراط والتشدد فيكون بتحميل النفس ما لا تطيق من العبادة، بحيث يشق عليها الاستمرار، وهذا له آثار سيئة على الاستقامة، فالعبد مهما شدد على نفسه فإنه لن يبلغ مراده، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا»، وكذلك فإن العبد إذا حمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمل فإنه قد يؤدي به إلى ترك العبادة، وقد جاء في الحديث «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله».
ولذلك فإن الله تعالى قال في الآية: (فاستقم كما أمرت) أي: كما أمرك الله تعالى، فالاستقامة ليست تابعة للأهواء الشخصية، ولا للذوق، ولا لما يحبه الإنسان، بل هي تابعة لأوامر الله تعالى، ولو ترك الله تعالى الاستقامة لأهواء الناس، كل يستقيم بالطريقة التي يحبها لفسد الدين، ونحن نرى في هذا الزمان كثرة الدعاوى، فترى صاحب الطبع المتساهل يريد دينا يناسب تساهله وتفريطه، وترى صاحب الطبع الشديد يريد دينا يوافق شدته وغلظته، والدين بريء من الطرفين، فعلى العبد أن يوطن نفسه، ويخالف هواه وما يحب لأجل أمر الله سبحانه، وهذا هو المؤمن حقا. 
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعلمون)

الخطبة الثانية
في هذا الزمان الذي طغت فيه المفاهيم العلمانية والغربية عند كثير من الناس، يرى البعض بأن مفهوم الاستقامة فيه تقييد لما يسمونه بالحرية الشخصية، لأنه يمنع الإنسان عن بعض رغباته؛ والحق أن هذا الفهم ناشيء عن عدم فهم لطبيعة دين الإسلام، وعن غفلة عن طبيعة البشر، أما دين الإسلام فإنه مبني على العبودية لله سبحانه، وعلى الخضوع التام لأوامره، فإذا آمن الإنسان بأن الله تعالى هو الذي خلق الخلق وحده، وأنه دبّر أمور الخلق بمن فيهم البشر، وإذا آمن بأنه يجب عليه أن يخضع لله سبحانه، فإن من الأمور المتحتمة عليه أن يخضع جميع تصرفاته لهذا الخالق، فيفعل ما يأمر به، ويترك ما ينهى عنه، وهذه نتيجة طبيعية للإيمان، ولا يصح إيمان عبد يزعم أنه يُؤْمِن بالله ثم يقول: لا أريد أن ألتزم برسالته للبشر، ومن جهة أخرى فإن سعادة العبد لا تكون إلا بالخضوع لخالقه، ولا يجد راحة إلا في كونه عبدا لله سبحانه، ذلك لأن الإنسان فيه ضعف وحاجة وفقر لا ينفك عنه، وطبيعته وفطرته تملي عليه أن يتعلق ويخضع لشيء أعظم منه، فإذا خضع وتعلق بالله فاز في الدنيا والآخرة، وإن لم يتعلق بالله تعلق بشيء آخر ولا بد، وذلك لما جُبل عليه من حب الكمال والتعلق به، قال ابن القيم رحمه الله: "لا سبيل إلى السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال
والأخلاق ليس إلا هديهم، وما جاؤوا به فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها والروح إلى حياتها". 
عباد الله! إن قوما لم يفهموا هذا الأمر، فظنوا أن تمردهم على أوامر الله يجلب لهم السعادة، وظنوا أنه باستطاعتهم أن يكونوا مؤمنين بالله مع كونهم لا يسلّمون لأمر الله ولا يخضعون لشرعه، وقد رد الله تعالى على هؤلاء، وجعل إيمانهم مجرد زعم لا حقيقة له، فقال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). 
لقد ظنوا أن الشريعة أغلال وآصار، وأنهم إن تخلصوا منها فإنهم سيكونون أحرارا، لقد ظنوا أن الحرية تكون بالكفر بالله سبحانه، وبنشر الإلحاد بين الناس، وبإشاعة الفواحش بينهم، لقد ظنوا هذا، لكنهم لما تحرروا بزعمهم من العبودية لله صاروا عبيدا لغيره، فبعضهم صار عبدا لنفسه وهواه، وبعضهم صار عبدا لمن يقلده ويتبعه ويقتدي به في الباطل، وبعضهم صار عبدا للشيطان، ورحم الله ابن القيم لما قال:
هربوا من الرق الذي خلقوا له  فبُلوا برق النفس والشيطان









السبت، 7 يناير 2017


إطلالة سريعة على الغزو الفكري… بين التاريخ والواقع

أصل هذه المقالة محاضرة ألقيتها في بعض المدارس، وقد اشتملت على:
- عرض سريع للعداوة بين المسلمين والنصارى من خلال النصوص الشرعية ومن خلال الواقع.
- تاريخ دخول الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين، مع ذكر بعض وسائله
- عرض للغزو الفكري في واقعنا من خلال التعليم والمرأة
- مع التعرض لنظرة الإسلام للمرأة، وحكم الحجاب، والاختلاط...

الغزو الفكري على المسلمين موضوع مهم يمس حياة كل مسلم في هذا الزمان، وسأدخل إلى هذا الموضوع من مدخل تاريخي، كيف نشأ هذا الفكر؟ وما هي المراحل التي مر بها؟ وسبب البداءة بالعرض التاريخي أن النظر في التاريخ يساعدنا في على فهم الأمور التي نعيشها بشكل سليم… إذا أردت أن تفهم الواقع الذي تعيش فيه وتعلم كيف تتعامل معه، فإن مما يعينك على هذا الأمر: أن تنظر في التاريخ، لأن التاريخ فيه عبر.
 والإنسان الموفق والسعيد في حياته هو الذي ينظر في التاريخ ويستفيد منه العبر، ويأخذ منه الدروس؛ وغير الموفق والمخذول هو الذي يرى التاريخ ويرى الوقائع تتكر وتعود أمامه ثم لا يستفيد من هذا التاريخ، ولا يعرف كيف يتعامل مع الواقع.
بداية، الغزو الفكري ناشئ عن مسألة مهمة، أصل لها كتاب ربنا جل وعلا، وأصل لها نبينا ﷺ، هذه المسألة هي عداوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى للمسلمين، هذه المسألة من المسائل التي جاءت فيها آيات كثيرة، فهي حقيقة شرعية، وهي كذلك حقيقة تاريخية. 
سبب النزاع بين أهل الحق وأهل الباطل على مر العصور… الله تعالى خلقنا لغاية، هذه الغاية هي العبادة، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومعنى يعبدون: يوحدون، يعني: يفردوني بالعبادة، يعبدوني ولا يشركوا معي أحدا في العبادة، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، الله تعالى لم يترك أمة من الأمم، ولم يترك عصرا من العصور إلا وبعث فيه رسولا، لماذا؟ الجواب: (أن اعبدوا واجتنبوا الطاغوت)، وهذا هو التوحيد، هذا هو مقصود الله تعالى من خلق الخليقة؛ ولما كان الشيطان قد أخذ على نفسه العهد أن يضل بني آدم، وأن يحرفهم عن دينهم، وعن الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، كما قال تعالى عن الشيطان (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)، وقال تعالى عنه: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)، فالشيطان لا يوفر وسيلة ولا يألوا جهدا في أن يضل الإنسان بأي طريقة من الطرق؛ والشيطان قد نجح في إضلال كثير من الأمم، وفي صرفها عن دين الله تعالى، الذي أنزله على الأنبياء.
دين التوحيد الذي هو الإسلام هو دين جميع الأنبياء، أنزله الله تعالى على كل الأنبياء، على آدم وعلى نوح وعلى إبراهيم وعلى موسى وعلى عيسى، هو دين واحد، وإنما وقع التحريف من بعض أتباع هذه الديانات، كما حرف النصارى دينهم من التوحيد إلى الشرك، فصاروا يقولون بالتثليث، وحرف اليهود دينهم من التوحيد إلى الشرك، (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) يضاهئون يعني يشابهون، فدل على أن هذه المسألة متوارثة بين الأمم… إنهم يحرفون دين التوحيد إلى الشرك، يعبدون مع الله إلها آخر … ثم بعد أن رفع الله تعالى عيسى، وقع أتباع دينه في التحريف، ولم يبق من دين التوحيد الذي أنزله الله تعالى إليهم شيء.
… ولا يزال القتال والسجال مستمرا بين أهل الحق وأهل الباطل منذ فجر التاريخ، قتال بالسيوف وقتال بالكلام، قتال بالحجة والبرهان وقتال بالسيف والسنان، تارة ينتصر أهل الحق، وتارة ينتصر أهل الباطل، والله عز وجل قد يجعل أهل الباطل ينتصرون حتى يختبر أهل الحق… هل هم متمسكون بما عندهم من الحق أم لا.
ومن هذا أن الله تعالى أرسل نبينا محمدا ﷺ في فترة كان فيها انقطاع من الرسل، فهدى الله سبحانه وتعالى به الناس، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، هدى الناس إلى دين الحق، وقاتل الناس على ذلك، قاتل الناس لأجل أن يهديهم لدين الحق، كما قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فالنبي ﷺ إنما قاتل لأجل هذه الغاية النبيلة، هذا القتال الذي هو لأجل الدين، ولأجل التوحيد هو قتال لغاية سامية نبيلة، وليس كما نرى الآن الدول الغربية الكافرة، تقاتل لأجل المال، ولأجل المصالح، ولا يراعون في حروبهم هذه الناس، ويقتلون بلا رحمة… ومن الآيات التي جاءت في بيان أن القتال إنما هو للدين ولأجل الله: قولُه تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)… والآيات في هذا كثيرة.
ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيمن قاتل: النصارى، في مواقع، في معركة مؤتة (٨ هــ)، وذهب ليقاتلهم في تبوك (٩  هـ)، والله عز وجل هزمهم ففروا رعبا من النبي ﷺ، ثم بعد وفاته استمر الخلفاء الراشدون على قتال النصارى، (والكلام هنا على الدولة البيزنطية بالذات، لأن الحديث يدور حول التغريب ومكر النصارى ومحاولة تغييرهم لدين المسلمين) فوقعت معارك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كمعركة أجنادين، ومعركة بيسان، ثم فتحت دمشق، ثم حمص وحماة، ثم فتحت القدس، ثم سائر فلسطين وسوريا، ولبنان، وكل هذا في غضون سبع سنوات فقط… (الله عز وجل إذا علم من المسلمين الصدق فإنه يبارك لهم، ويجعلهم يحققون من الانتصارات في مدة قصيرة ما لا يحققه غيرهم)، وكذلك فتحوا مصر (٢٢هـ)، وتونس (٤٣هـ)، والأندلس (٩٢هـ)…
لماذا قدمت بهذا؟ لأبين سببا من الأسباب التي جعلت أهل الكتاب من اليهود والنصارى يضمرون الحقد والعداء للمسلمين؛ والسبب الأول لتلك العداوة هو أننا مسلمون، لأننا اهتدينا إلى دين الإسلام، وإلى دين التوحيد، وهم ضلوا عنه، وهذا الأمر ذكره الله تعالى في كتابه، فقال: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون)، وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)، وقال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)… لأنهم يحسدوننا على هذا الدين العظيم الذي نحن متمسكون به، وقال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)… هذه الآيات نستفيد منها هذه الحقيقة الشرعية وهي أنهم يعادوننا لأجل الدين، والأمر الثاني الذي يعادوننا لأجله هو أننا انتصرنا عليهم، وفتحنا بلادهم حتى ننشر فيها الهدى والنور، لا لنستفيد من مال ونضطهد فقراءهم كما يفعلون بنا! المسلمون لما فتحوا بلاد الغرب إنما فتحوها لأجل هدايتهم، ولإرادة الخير لهم.
إذا علمنا هذا الأمر، علمنا أنهم حقدوا علينا ثم أرادوا أن ينتقموا من المسلمين، وأن يثأروا لأنفسهم ولدينهم الباطل، فشنوا نوعين من الحروب على بلاد المسلمين: النوع الأول: هي الحروب المعروفة، التي تستخدم فيها السيوف والقنابل وتسيل فيها الدماء. والنوع الثاني: هي الحروب الناعمة المخملية، لا دماء فيها ولا سيوف، إنما فيها أفكار، وفيها شبهات، وفيها كفر وضلال.
نعرج على النوع الأول من الحروب، وقد ذكرنا طرفا منها… وقد استمرت الحروب بين المسلمين وأهل الكتاب على مر سنوات طويلة، ما بين غالب ومغلوب، الله عز وجل ينصرنا تارة، ويبتلينا تارة…. ومن أهم هذه الوقائع التي ظهر فيها حقد النصارى على المسلمين: واقعة سقوط الأندلس، حيث سقطت غرناطة - وهي آخر دولة للمسلمين هناك - عام ٨٩٦هـ، فلم يبق للمسلمين كيان هناك، وفي مقابل إحسان المسلمين إلى النصارى فيما سبق، قابل النصارى ذلك الإحسان بالإساءة والإجرام، فأجبر النصارى هناك المسلمين على الدخول في النصرانية، أو الهجرة، وكانوا يسمون من تنصر منهم بالنصارى العرب، وكانوا يعاملونهم بتمييز، ولم يقبلوا منهم أصلا هذه الديانة. 
والأمر الآخر الفظيع الذي ارتكبوه في حق المسلمين: ما يعرف تاريخيا بمحاكم التفتيش، وهي محاكم أنشأها قساوسة النصارى في الأندلس بُعيد سقوطها، هدفها البحث عن المسلمين المتخفين، فإذا رأوا مصحفا في بيت أحدهم، أو رأوه يصلي، أو رأوهم يتزين للعيد والجمعة، وقد يكشفون عن عورة الرجل ليروا أهو مختون أم لا… أي علامة على الإسلام كانت تجعلهم يأخذونه إلى تلك المحاكم ليعذب بأشد أنواع العذاب.
وطرق هذا التعذيب قد نقلتها كتب التاريخ، وهي وسائل فظيعة، منها: أنهم كانوا يجعلونهم يشربون الماء حتى الاختناق، وقد يضعون الواحد منهم في صندوق يقطر عليه الماء حتى يغرق، وقد يضعونهم في توابيت المسامير، وأحيانا كانوا يسحقون عظامهم، ويجلدونهم بالسياط التي فيها أشواك حديدية… ولم يكتفوا بذلك حتى حولوا المساجد إلى كنائس، ودقوا فيها النواقيس بعدما كان يرفع فيها الأذان، قد ذكر بعض شعراء المسلمين شيئا من تلك المآسي، ورثى حال الأندلس، فقال:
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم     واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم     عليهمُ من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ     لهالك واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما     كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت     كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة      والعين باكية والقلب حيران 
لمثل هذا يموت القلب من كمد    إن كان في القلب إسلام وإيمان

هذا نموذج من ذلك الحقد، ونموذج آخر للحقد: وهو ما يعرف بالحروب الصليبية، وقد كانت قبل سقوط الأندلس، وهي عدة حملات صليبية شنها النصارى على بلاد الإسلام في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الخامس إلى أواخر القرن السابع (٢٠٠ عام)، حاولوا أن يغزوا المسلمين بتلك الحروب ولم يفلحوا، كانوا يؤذون المسلمين وتقوم لهم بعض الدول، أخذوا المسجد الأقصى، وحرر على يد صلاح الدين الأيوبي - وقد كان له دور كبير في صد هذه الحملات على بلاد المسلمين-. 
وقد أظهرت هذه الحروب وحشية وهمجية تعامل أهل الكتاب مع المسلمين، (بخلاف الحروب التي شنها المسلمون لإعلاء كلمة الله، التي لم يقتلوا فيها النساء والأطفال والرهبان، بل سلمت منهم الأشجار)…. ثم لما فشلت هذه الحملة وهُزِموا وخرجوا من بلاد المسلمين، بدت لهم فكرة الغزو الفكري، أو التغريب، حيث إنهم علموا أن الحروب وحدها لن تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم، فلا بد من وسيلة أخرى، وهي: 
الغزو الفكري، والمراد به: تغيير وتحريف أصول دين الإسلام ومفاهيمه الأساسية، حتى يتمكنوا من احتلال المسلمين، وانتهاك ثرواتهم.
وسنتكلم عن نموذج لهذا الغزو، وهو الغزو الفرنسي لمصر عام  (١٧٩٨م)، وهي المعروفة بحملة نابليون بونابرت، فبعد أن غزاها واحتلها بدأ بالغزو الفكري، فكان يدعي الإسلام، ويقول إنه هو وقومه يحبون الخير للمسلمين، ويريدون تحسين الأوضاع المعيشية للمسلمين، ورفع الظلم عنهم، وكان ينشر بين الناس منشورات فيها هذه المضامين، ومن أهم الأمور التي حاول فعلها: هو تنحية الحكم بالشريعة، فكان يسوّق بين الناس قانونا اسمه قانون نابليون، وكان يحاول - بالتدريج- أن ينحي الحكم بالشريعة عن بلاد الإسلام. 
ومن أهم الأمور التي دعا إليها أنه دعا اليهود أن يأتوا إلى فلسطين من كل أقطار العالم، وفي الوقت ذاته يدعي حب المسلمين… وهذا هو الخبث، يظهر الوجه الحسن وحب المساعدة، ويكيد ويطعن في الجهة الأخرى… 
ومن الأمور التي فعلها أنه أتى معه بحملة علمية للتنقيب عن آثار الفراعنة، وهدفه من ذلك زعزعة ولاء المسلمين للإسلام، وذلك بتحفيزهم على الانتماء للفراعنة، وذلك بإظهار “حضارة وتقدم” وآثار الفارعنة؛ وهم لا يطمحون لأن يترك المسلم دينه، لكنهم يرضون بزعزعة انتماء المسلم لدينه، وبخلخلة عقيدة الولاء والبراء عنده.
… بعدما خرج نابليون من مصر خلف بعده عائلة محمد علي باشا، وكان لمحمد علي باشا دور كبير في التغريب، وفي الغزو الفكري، فكام من أهم الأمور التي فعلها: أنه نشط ابتعاث أبناء المسلمين للغرب بحجة تعلم العلوم الدنيوية، وقد كانوا يذهبون بنفسيات مهزومة مهزوزة، وعقيدة مزعزعة، فلما رأوا التطور وانفتاح باب الشهوات هناك، تشربوا هذه الأفكار العلمانية وعادوا بها لينشروها بين الناس، وكان هؤلاء من النخبة، فكان الواحد منهم لما يشكك في ثوابت الإسلام وحضارة المسلمين يسمع له الناس، ويؤثر فيهم.
ومن الأمور التي فعلها محمد علي باشا أنه فتح المدراس التغريبية في مصر، وقد كان لها مميزات تفوق بمراحل جامعات مصر ومدارسها، فالدراسة فيها قصيرة وعند التخرج يحصل الطالب على وظيفة في الحكومة مباشرة، مع حصوله على راتب أعلى من غيره، بينما كان الذي يدرس في الأزهر يدرس طويلا، ولا يحصل إلا على راتب قليل، فيعيش فقيرا… فأحب الناس المدارس التغريبية لذلك.
وهدف هذه المدارس هو إبعاد المسلمين عن دينهم، لتسهيل السيطرة عليهم، وليعودوا كما كانوا قبل الإسلام، أوزاعا منتاحرين، لا دولة لهم.
وسبب انبهار المسلمين في ذلك الوقت بالحضارة الغربية، -وهو ذاته سبب انبهارهم بها الآن- هو الهزيمة، وقد ذكر ابن خلدون أن  الأمم المهزومة والضعيفة ينبت فيها حب التشبه بالأمم الأقوى… بدءا بالأفكار والمعتقدات، نهاية بالمظاهر، وإذا نظرت إلى أيام عز المسلمين، رأيت عكس ذلك، فكان الأوروبيون يحرصون على التشبه بلباس العثمانيين، لأنهم كانوا أمة ضعيفة. 
… وسبب آخر لهذا الانبهار: وهو ضعف العقيدة في النفوس.

الكلام عن صور الغزو الفكري المعاصر
ماذا نستفيد من هذا الكلام؟ هل هذا الأمر موجود عندنا؟
هذا الأمر موجود في واقعنا ونعايشه كثيرا لكن باسم آخر، سابقا كان باسم التبشير، واليوم باسم العلمانية أو الليبرالية، النصارى في هذا الزمان تركوا دينهم، فهم لا يحتكمون إلى دينهم، لا في الأمور الاجتماعية ولا الساسية ولا الاقتصادية، قد ابتعدوا عن دينهم وتركوه، لكنهم لم يتركوا حقدهم الصليبي على المسلمين، الذي يهدف إلى إخراجنا من دينا، فصاروا يمارسون ذلك بهذه الوسيلة الجديدة وهي العلمانية والليبرالية، ومن أهم الأمور التي ركزوا عليها: التعليم والمرأة.
أما التعليم، فقد عاثوا فسادا في المناهج الدراسية، فالمناهج الدراسية الآن للأوروبيين دور كبير في التحكم فيها، ومن أثرهم في هذه المناهج: أنهم همشوا أمور العقيدة، جعلوها بشكل ضئيل، أو بشكل منفر، كذلك نحوا من المناهج الأخلاق المحمودة كالغيرة والعفة والشهامة والمروءة، وأحلوا مكانها بعض المفاهيم كتهوين الاختلاط، وتحرير المرأة، وحرية العقيدة، وهذه كلها مفاهيم مخالفة لدين الإسلام.
كذلك من وسائهم في العبث في التعليم: أنهم يأخذون خيرة أبناء المسلمين إليهم بحجة التعليم.
ومنها: تنشيطهم للجمعيات التغريبية في المدارس، حيث إنهم لما يدخلون المدارس لا يقولون للطلاب: نريد أن نغرس فيكم العلمانية، ولا يقولون: نريد نزع الحجاب عن المرأة، ولا يقولون: نريد نشر الاختلاط… هم يهدفون -بشكل أولي- لمجرد الدخول إلى المدراس، والحصول على حب الشباب لهم، فهم أصحاب نفس طويل (فالتغريب الذي حدث في مصر أخذ منهم ١٠٠ عام)، فيدخلون باسم عمل الرحلات المدرسية، والنشاطات التربوية، ودورات تطوير الذات، ودورات القيادة، ويظهرون للطلاب أنهم يريدون تقديم الخدمات والمساعدة لهم، لكن أهدافهم المنشورة والمعلنة -والتي نحن نغفل عنها- تقول غير ذلك… وقد يدسون بعض تلك المفاهيم خلال تلك الدورات، كتشجيعهم للمرأة على العمل و”الثقة بالنفس”، ورفض “العادات والتقاليد”.
أما موضوع تحرير المرأة فهو من أهم الأمور عندهم، ومعناه وغايته نزع الحجاب عن المرأة، وتسهيل اختلاطها بالرجال، ورفع ولاية الرجل عنها.
فيقولون: إن إلزام المرأة بالحجاب ظلم للمرأة، وفي تولي الرجل عليها اضطهاد لها؛وهذا غير صحيح، لأن نظرة الإسلام للمرأة موافقة للفطرة، فالإسلام لم يسو بين المرأة والرجل في كل شيء، فالمرأة ليست كالرجل، لا في الخلقة، ولا التفكير، والإسلام يعطي كلا على قدر قدراته وطاقته وهذا هو العدل… (المرأة من ناحية التكليف والثواب والعقاب، والعقيدة ودخول الجنة والنار هي كالرجل)، والإسلام قد خص الرجال بأوامر لم يكلف بها النساء، فهل يأتي أحد ويقول هذا تمييز ضد الرجل! الإسلام أوجب على الرجال الجهاد، وشهود الجمعة، والنفقة… ولم يوجبها على النساء، للعلة التي ذكرنا.
ومن الأحكام التي خص الإسلام المرأة بها: الحجاب، لأن الرجل بطبيعته يميل إلى المرأة، والمرأة كذلك تميل إلى الرجل، لذلك فقد وضع الإسلام بعض الحواجز بين الرجل والمرأة، من باب المحافظة على العفة والفضيلة، ومن باب منع الرذائل في المجتمع، فألزم المرأة بالحجاب الشرعي، قال تعالى: (يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، وهذا الأمر فريضة، وليس حرية شخصية، وواجب على كل ولي للمرأة أن يلزمها بلبس الحجاب، وواجب على الحكام أن يلزم النساء بلبس الحجاب… ليست حرية شخصية….
وطريقة التغريبيين في التهوين من الحجاب أنهم يقولون: إن الحجاب حرية شخصية، من أحبت أن تتحجب فلتفعل، ومن لا تريد فلها ذلك؛ وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي ميز الإسلام فيها المرأة عن الرجل: موضوع الميراث، فأعطى للرجل ضعف المرأة، لأن الرجل -في الأصل- هو الذي يعمل وهو الذي يكد، وهو المكلف بالإنفاق، ومن الأمور التي ينادي بها التغريبيون: المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهذا موجود في بلادنا، فإذا أرادت المرأة أن تأخذ كالرجل فإنها تستطيع ذلك عن طريق المحكمة! وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي يركزون عليها: تسهيل الاختلاط؛ والإسلام حرم الاختلاط، والمراد به أن يكون المرأة والرجل في مكان واحد، سواء كان محصورا أو واسعا.
قال ابن القيم: "ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المستمرة".
لا تضع الزيت بجانب النار ثم تقول: لا أريد إشعال النار، هل يمكن أن تضع المرأة بجانب الرجل، في مكان واحد، ولا يحدث الميل، ثم النظر، ثم الابتسامة، ثم الكلام، ثم الموعد، ثم اللقاء، ثم الزنا؛ هذا تسلسل طبيعي، معروف عند العقلاء.
ومن شبهات التغريبيين في هذا الباب أنهم يقولون: كلما جعلنا المرأة تتبرج، وكلما جعلناها تختلط بالرجل، فإن ذلك يجعل الرجل يزهد فيها، ويقولون: أنتم لما تمنعون الاختلاط، وتلزمون المرأة بالحجاب فأنتم تسببون الكبت الجنسي عند الجنسين؛ وهذه دعوى كاذبة، كاذبة من حيث الأصل، لأن هذه فطرة ومهما عريت المرأة، وأكثرت من الاختلاط فإنك لا يمكن أن تزيل ذلك الميل في قلب الرجل والمرأة.
وكاذبة من حيث الواقع الذي يعيشونه هم، فالدول الغربية الآن هي دول التعري والاختلاط، ومع ذلك فإن الاعتصاب عندهم بلغ حدا مهولا، إذن هذه نظرية كاسدة، وكلام فاسد، يريدون ترويجه علينا حتى نقع فيما هم واقعون فيه، كما قال تعالى عن الكفار: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء).
والحكمة من منع الاختلاط هي الحفاظ على العفة وسد الذريعة أمام الخنا والفجور.
الأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن)، هذا الخطاب وجهه الله تعالى لأمهات المؤمنين، وهو يشمل كل النساء المؤمنات بإجماع المفسرين، ومعنى القرار أن تجلس المرأة في بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة، لماذا؟ لأن الوظيفة التي أعطاها الإسلام للمرأة هي تربية الأبناء، وتوفير الجو المناسب للرجل، حتى يبدع.
المرأة العاملة هل تستطيع أن تهتم بأبنائها حق الاهتمام، هل تستطيع أن تعطي الزوج حقه، كلا، بل الواقع أنها تقصر في حق أبنائها وزوجها، قال النبي ﷺ: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، ولاحظوا الدور العظيم الذي أعطاه الإسلام للمرأة… راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، هل هذا اضطهاد للمرأة؟! هذا الدور ليس هينا، هذا دور عظيم، المرأة هي الحاضنة التي يوفرها الإسلام للرجل، حتى تخرج الأبطال والمبدعين، كما كان الحال قديما.
وقال النبي ﷺ لنسائه لما حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر»، وهذا ليس اضطهادا للمرأة. 
وليس معنى هذا عدم الخروج مطلقا، تخرج للحاجة، قد تخرج للتسوق، قد تخرج للعمل إذا احتاجت، ونحن لا نقول إن العمل محرم على المرأة إذا احتاجت، لكن المحظور هو أن تكون المرأة منافسا للرجل في العمل، كما هو الحال الآن، وهذا سبب مشكلة البطالة الآن، لأن هناك حصة معلومة كبيرة للمرأة في العمل. مَن الأولى ليحصل على العمل، الشاب الذي يريد أن يتزوج ويفتح بيتا وينفق على أسرة، أم المرأة التي تعمل، وتنفق -غالبا- كثيرا من مالها على الزينة واللباس؟!
ومن شبههم في تجويز الاختلاط: صلاة الجماعة…، وهذا في الواقع دليل على حرمة الاختلاط، لأن النبي ﷺ فصل بين الرجال والنساء، وقال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، لتكون المسافة بعيدة. وكان النبي ﷺ يأمر الرجال إذا انتهت الصلاة أن يبقوا في أماكنهم حتى تخرج النساء وحدهن، بل إنه جعل بابا خاصا بالنساء، وقال: «لا يدخل منه إلا النساء»، وهذا دليل على حرمة الاختلاط، لا على مشروعيته، وهناك أدلة كثيرة على هذا الأمر، من أهمها: أدلة غض البصر، فالإسلام أمر بغض البصر، وإذا كان يأمر بغض البصر فمن باب أولى تحريم الاختلاط، لأنه لا يمكن غض البصر مع الاختلاط…والأدلة كثيرة في ذلك، وهو من الأمور المسلمة في الإسلام، فالمسلمون ما عرفوا الخلاف في هذا إلا في العصر الحديث، فإن القول بجواز الاختلاط لا يعدو أن يكون أثرا من آثار الغزو الفكري.

وبعد، فإن الذي ينظر في حال كثير من شباب اليوم ليرى تشتت الرؤية، وعدم وضوح الهدف أمامهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للتغريبيين؛ وهذه تنبيهات على أصول في هذا الباب، أسأل الله جل وعلا أن ينفع بها.

الاثنين، 26 ديسمبر 2016

مقال مختصر حول بعض الشبه فيما يتعلق بتكفير اليهود والنصارى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد
فإنه ومع احتفال النصارى بما يسمونه عيد ميلاد الرب كل عام، تثور عبر وسائل التواصل بعض الاعتراضات على تحريم مشاركة النصارى في هذه المناسبة؛ وفي سياق مدافعة من يحب الاحتفال بهذه المناسبة من المسلمين تظهر شبهة تقول إن اليهود والنصارى ليسوا بكفار، وإنهم من أهل الكتاب، ويذكرون في ذلك بعض الشبه، والتي ما كانت تخطر على بال المسلمين سابقا لوضوح أمرها؛ ولكن بسبب تأثر كثير من المسلمين بسلطة ثقافة العدو الغالب، صرت ترى من يحاول أن يجد مخرجا من هذا الحكم الصعب على بعض النفوس المهزومة… هذا الحكم الذي هو من أصول الإسلام، والذي لم يخالف فيه مسلم على مر العصور.
فأحببت أن أذكر بعض أدلة الكتاب والسنة التي دلت صراحة على كفر اليهود رالنصارى، ثم تعرضت لبعض الشبه التي يثيرها بعض الناس في هذا السياق.
سائلا المولى سبحانه أن ينفع بها.

أدلة تكفير اليهود والنصارى
  • قال تعالى: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة). 
  • وقال: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم).
  • وقال: ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)
  • وقال: ( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان دَاوُدَ وعيسى ابن مريم)
  • قال صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" رواه مسلم (١/ ١٣٤) (١٥٣)
  • وقال تعالى -مبينا كفر من ليس مسلما- : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
  • وقال تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام). 
  • وقال: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق).
وقد أجمع علماء المسلمين على ذلك.

شبه حول تكفير اليهود والنصارى 

- كيف تكفرون اليهور والنصارى وقد سماهم الله أهل كتاب؟
الجواب: أن تسميتهم أهل كتاب لا تعني أنهم ليسوا كفارا، فالله سماهم أهل كتاب لأنه أنزل عليهم كتبا من عنده، فأنزل التوراة على موسى لليهود، وأنزل الإنجيل على عيسى للنصارى، ولكنهم حرفوها وما استقاموا عليها؛ فكان في تسميتهم أهل كتاب مع اختلافهم وتفرقهم وانحرافهم بيانا لذمهم، فإنهم لم يستقيموا مع أن الله أنزل إليهم كتبا، كما قال تعالى عنهم: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)، (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة).


- كيف تكفرون اليهود والنصارى وقد أباح الله لنا الزواج منهم، وأباح أكل ذبائحهم؟
الجواب: إباحة الأكل من ذبائحهم والزواج منهم لا تعني أنهم ليسوا كفارا، فالله تعالى هو الذي كفّرهم في كتابه، وهو الذي أباح لنا الزواج منهم، استثناء لهم من عموم الكفار في هذه المسألة فقط، وليس في الحكم بكفرهم.

- عمر رضي الله عنه عاهد نصارى القدس فيما يعرف بالعهدة العمرية، وسمح لهم بممارسة شعائرهم، وهذا يدل على عدم كفرهم.
الجواب: أن هذا لا يدل على عدم كفرهم، وأما ما يتعلق بالعهدة العمرية فإنه كان فيها فرض الجزية على النصارى، كما قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، فهل تقولون بهذا؟!
وقد منعهم عمر من رفع صلبانهم على الكنائس ومن دق نواقيسهم، ومن إظهار شعائرهم الدينية الشركية، وفرق بين السماح بممارسة العبادة الشركية داخل الكنيسة، وبين السماح بإظهاراها.

- أهل الكتاب من اليهود والنصارى مشركون وليسوا كفارا.
الجواب: الشرك نوع من أنواع الكفر، ويكون باتخاذ معبود مع الله سبحانه، تصرف له العبادة بأي صورة من صورها.
والنصارى قد زعموا أن عيسى هو ابن الله، فوصفوه بصفات الألوهية والربويية وعبدوه من دون الله، وصرفوا العبادات كذلك لرهبانهم.
والله تعالى حكم بكفرهم لأجل هذا فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، وقال عنهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).

- قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذن هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، فالله تعالى ذكر احتمال نجاة من آمن بالله واليوم الآخر من اليهود والنصارى، فكيف تكفرونهم؟!
الجواب: قد دلت الأدلة المحكمة الصريحة الواضحة على كفر اليهود والنصارى كما في قوله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وغيرها كما تقدم… أما هذه الآية فإنها تتحدث عن من بقي على التوحيد ولم يقع في تحريف الدين من اليهود والنصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما بعد بعثته فلا يقبل عند الله تعالى إلا اتباعه عليه الصلاة والسلام، لأن الله وصف القرآن بأنه مهيمن على الكتب السابقة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار».

- اليهود والنصارى يقرّون بوجود الله فهم ليسوا كفارا إذا.
الجواب: أن الكفر ليس منحصرا في إنكارا وجود الله تعالى، بل إن من أنكر وجود الله تعالى عبر التاريخ كانوا قلة، وغالب كفر الأمم المكذبة للرسل كان بالشرك، كما قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كان أكثرهم مشركين).
وهل كان كفر كفار قريش إلا شركا بالله سبحانه… لقد كانوا يقرون بوجود الله تعالى، كما قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، ولكنهم كانوا يتخذون آلهة تقربهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده، كما قال تعالى عنهم: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
وهذا هو سبب كفرهم.

- أنتم أيها الوهابيون السلفيون تكفرون اليهود والنصارى لأنكم متشددون، وأنتم شاذون عن الأمة الإسلامية في ذلك.
والجواب: أن تكفير اليهود والنصارى ليس قول السلفيين فقط، بل هو قول الفرق الإسلامية كلها، من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية والصوفية وغيرهم، لم يخالف في ذلك مسلم على مر العصور… وما ظهر هذا القول إلا بعد تغلب النصارى على المسلمين في هذا الزمان، وبسطوا ونشروا ثقافتهم بين المسلمين.

- تكفير النصارى يؤدي إلى ظهور العمليات الإرهابية التي تقتلهم، وقد عصم الله دماءهم.
الجواب: أن التكفير شيء، واستحلال الدماء والقتل شيء آخر، فالشريعة التي حكمت بكفرهم، قد أمرتنا بحفظ دماء أهل الذمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة».
وقد عاش النصارى عبر العصور تحت ظل دولة المسلمين بأمن وأمان، ولم يتعرض لهم أحد، مع أن المسلمين جميعا كانوا يعتقدون كفرهم.

- الله تعالى أمر ببرهم والإحسان إليهم، كما قال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم).
والجواب: البر والمعاملة الحسنة ليس لها علاقة بالعقيدة، فالمعاملة الحسنة الظاهرة بهدف تحبيبهم في الدين شيء مطلوب، لكن ليس له علاقة بعقيدتك فيهم، وانظر كيف فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين لما زار جاره اليهودي ودعاه إلى الإسلام، فأسلم اليهودي ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار»، فقوله: «الذي أنقذه بي من النار» يدل على أن ذلك اليهودي كافر وأنه كان سيدخل النار لو أنه مات على كفره، وهذا لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من زيارته ودعوته إلى الإسلام.
وهذا هو التسامح الذي يدعوا إليه الإسلام.


الجمعة، 11 نوفمبر 2016

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عناصر الخطبة:
بنو إسرائيل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خطورة السكوت عن المنكرات في ضوء نصوص شريعة الإسلام.
من الآثار السيئة لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) 
هذه الآية الكريمة هي آية من سورة الأعراف، جاءت ضمن آيات كثيرة تتحدث عن عتوّ بني إسرائيل واستكبارهم على أوامر الله تعالى، وهي من الصفات المتجذّرة فيهم، ولقد حكَت لنا هذه الآيات قصة من تلك القصص، قصة تلك القرية التي مُسخ كثير من أهلها إلى قردة وخنازير… إن الله تعالى شدد على بني إسرائيل في شريعتهم، ووضع عليهم آصارا وأغلالا بسبب عتوهم وتمردهم وعدم استجابتهم لأوامر الله؛ ومن ذلك: أنه حرم صيد الأسماك على أهل تلك القرية يوم السبت عقوبةً لهم، وقد زِيدَ عليهم البلاء بأن جعل الله الأسماكَ تأتيهم يوم السبت بشكل كبير، ولا تأتي في الأيام الأخرى، حتى تمرد بعضهم واحتالوا على أمر الله تعالى بِحِيل، منها: أنهم حفروا الأخاديد على الشاطئ يوم الجمعة، وأخذوا الأسماك يوم الأحد، ثم قالوا: لم نصطد يوم السبت! وقد استوجبوا بهذا الفعل عقوبة الله وغضبه. وأما بقية أهل القرية فكانوا قسمين: قِسم اعتزل، فلم يَعْصِ ولم يتمرد، لكنه سكت ولم ينكر، وقِسم أنكر على أولئك الجناة، ووعظوهم وحذروهم من التمرد على أوامر الله تعالى… وقبل أن يقع العذاب وجه أولئك الساكتون سؤالا إلى المنكرين فقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذابا شديدا)، لماذا تعظونهم، وتأمرونهم بالمعروف، وهم قد استوجبوا العقوبة، وقد غضب الله عليهم، فأجابهم الفريق المنكر (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)، أي ننكر عليهم حتى نُعذَر عند الله تعالى أولا، فإن نزل العذاب فلا يكون شاملا للجميع، ثم إن هناك احتمالا -ولو كان ضعيفا -لاستجابتهم، فلعلهم يتقون ويتركوا ذلك العصيان… فلما لم يستجب أولئك العصاة عوقبوا ومُسخوا قردة وخنازير، ونجا المنكرون، وسكتت الآيات عن ذكر مصير الساكتين المعتزلين، فلسنا ندري يقينا ما حل بهم (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).
وهذه قصة فيها عبر وعظات عظيمة، لكن الذين نريده منها في هذا المقام، هو أن نأخذ منها أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نستفيد منها أنه ليس من شرط العقوبة العامة التي تعم المجتمع= أن يعصي كل أفراد المجتمع، بل يكفي وقوع المنكرات الظاهرة في المجتمع من قبل مجموعة معينة من الناس، من دون نكير من الصالحين… لقد جاءت نصوص الشرع الكثيرة مؤكدة لهذا المعنى، ومبينة أن هذه هي سنة الله في خلقه… 
ما حدث في تلك القرية من إنكار للمنكر كان قليلا في بني إسرائيل، وقد أثنى الله على تلك الطائفة القليلة في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين). 
وأما الحالة الغالبة على بني إسرائيل فكانت بخلاف ذلك، لم يكونوا ينكرون المعاصي بينهم، وإن أنكروها فهو إنكار شكلي غير حقيقي، لذلك استحقوا لعنة الله تعالى عليهم حيث قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يعلمون)، كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن ارتكاب الكفر والتمرد على أوامر الله تعالى، وإن أنكروا فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) إلى قوله: (فاسقون) ثم قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا - أو تقصرنه على الحق قصرا».
ومصداقا لذلك فقد حذرنا الله من مخالطة العصاة حال عصيانهم مع عدم الإنكار عليهم فقال: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم).
عباد الله! إن هذا المعنى وهذه السنة الربانية تؤكد لنا أن سلامة المجتمع من الآفات والبلايا والمعاصي هي مسؤولية المجتمع كله، فإذا كان الأمر يتعلق بالكفر والإلحاد والكبائر والمعاصي الظاهرة المعلنة فلا مكان للحديث عن الحرية الشخصية، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، بل إن الذي يأكل الربا يؤثر علينا جميعا، والتي تتبرج تؤثر علينا جميعا، والذي لا يحكم الشريعة يؤثر علينا جميعا، والذي يدعو إلى الإلحاد أو العلمانية يؤثر علينا جميعا… قال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا». 
شبه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع في هذا الحديث بالسفينة، وفي أعلاها أناس وفي أسفلها أناس، فقال الذين في أسفلها: نريد أن نحدث فتحة في "نصيبنا" لأجل الماء، فإن تركوهم ليفعلوا ذلك غرقت السفينة وهلكوا جميعا، وإن نهوهم ولم يسمحوا لهم نجوا جميعا. وقال صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة».

الثانية
فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له آثار سلبية كثيرة على المجتمع، فمنها: أنه سبب لعدم استجابة الدعاء بعد نزول البلاء، قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
ومن هذه الآثار السيئة: "أنه يجريء العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيونية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا".
وقد رأينا بأعيننا ونرى جرأة بعض الناس في هذه البلاد على المنكرات، وما ذلك إلا بسبب ضعف الإنكار وقلته، فما نراه من عبث بالمناهج، ومن تغريب تتعرض له المدارس، ومن مهرجانات غنائية هابطة هنا هناك، ومن دعوات إفساد المرأة وغير هذا من المنكرات = فإن ضعف الإنكار من عوامل تقوية شوكة المبطلين.
"ومنها: أن في ترك إنكار المنكر اندراسَ العلمِ وكثرة الجهل، فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدمِ إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست معصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ماحرم الله حلالا وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟!.
ومنها: أن السكوت على معصية العاصين ربما يزين المعصية في صدور الناس، ويقتدي بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه"…
(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).