الخميس، 26 يناير 2017

الاستقامة

عناصر الخطبة:
  • الأمر بالاستقامة، وتعريفُها.
  • ثلاث معالم من معالم الاستقامة.
  • بين الاستقامة والحرية.

روى مسلم عن أبي عمرو سفيان بن عبد الله الثقفي، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم».
في هذا الحديث -قليل الكلمات، عظيم المعنى-، صحابي جليل يسأل رسول الله ﷺ سؤالا قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، لقد طلب من النبي ﷺ أن يدله على شيء يعمل به في الدين، سأله عن شيء يستمر عليه ولا يلتفت إلى غيره.. لقد كان هذا الصحابي الجليل قادما مع وفد إلى النبي ﷺ، ولحرصه على الخير ولضيق الوقت سأل النبي ﷺ هذا السؤال، فأجابه عليه الصلاة والسلام بجواب جامع، يشمل الإيمان والعقيدة، ويشمل الأعمال الصالحة، ويشمل الطريقة التي ينبغي أن يسير عليها في حياته، أخذ هذا الرجل الكلمة وذهب، ورواها لمن بعده حتى وصلت لنا، فكانت نورا يهتدي به كل من سلك طريق الهداية عبر السنين.
الاستقامة هي سلوك طريق الإسلام، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات، وترك المنكرات، من غير غلو ولا تقصير، مع الثبات على ذلك.
ولنقف مع هذا الحديث وقفة محاولين من خلاله أن نرى أهم معالم الاستقامة، التي أمرنا الله سبحانه بها، وأمرنا بها نبيُّه عليه الصلاة والسلام.
فأول معالم هذه الاستقامة هو الإيمان بالله، والذي بدأ النبي ﷺ به، والإيمان هو القاعدة التي تتأسس عليها الاستقامة، ولا يمكن للعبد أن يستقيم إلا إذا آمن بالله حقا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «قل آمنت بالله» يشمل كل أبواب العقيدة التي يجب على المسلم معرفتها، من توحيد الله سبحانه وإفراده بالعبادة، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر… على العبد أن يؤمن بها إيمانا راسخا لا يتزحزح، وذلك لأن الاستقامة والثبات على الأعمال الصالحة لا يمكن أن يحصل إلا إذا كان عند المسلم إيمان قوي، وعقيدة راسخة، ويقين بأن دين الإسلام هو الدين الحق، وأن ما سواه باطل.
والذي ينظر في حال كثير من الناس في هذا الزمان، وبخاصة الشباب منهم، فإنه يلاحظ أن من أهم أسباب انصرافهم عن الطاعة هو عدم قوة الإيمان، وكيف لا يكون ذلك؟ ونحن نعيش في زمن مليء بالشهوات، مليء بالشبهات والأفكار المسمومة، وإذا كانت الاستقامة غير ممكنة بدون قوة الإيمان في زمن النبي ﷺ، فكيف بهذا الزمان الذي انتشرت فيه الأفكار التي تشكك في أصول الإيمان، من الإيمان بالله والرسالات، ونبوة سيدنا محمد على وجه الخصوص.. أفكار تشكك في سنته عليه الصلاة والسلام، وتشكك في ثوابت الإسلام، وهذه أفكار موجودة منتشرة في هذا الزمان، يستطيع أي طالب للشر أن يصل إليها بسهولة، وقد تدخل عليه هي من غير استئذان بواسطة وسائل التواصل، والذي يزيد الأمر سوءا وبلاء أن هذه الأفكار تدخل في أغلب الأحيان على نفوس لم تتحصن ضد هذه الأفكار، بل لا يوجد عندها ثقافة إسلامية كافية، بل لا يوجد عندها حتى ثقة واعتزاز بهذا الدين ورموزه، فإذا وردت هذه الشبهات على نفسية مهزومة غير مثقفة بثقافة الإسلام تمكنت منها وحرفتها عن الاستقامة، بل ربما عن الإسلام كله. 
المعلم الثاني من معالم هذه الاستقامة: هو عدم الالتفات إلى غير الوحي مصدرا لأخذ الدين، وهذا قد يؤخذ من قول الرجل: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. وهذا معلم مهم من معالم الاستقامة، فأصول الدين وثوابته واضحة جلية، لا تتغير ولا تتبدل عبر السنين، فمن ظن في نفسه نباهة وذكاء وراح يحرف ثوابت الدين بدعوى التجديد ومواكبة العصر، فأنكر الحدود مثلا، أو أنكر الحجاب، فليحتفظ بذكائه لنفسه، أو ليستعمل نباهته فيما ينفع المسلمين.
ومن أهم معالم الاستقامة كذلك: عدم الانحراف عن الطريق، وهذا يؤخذ من لفظ الاستقامة نفسه، وقد صرح به القرآن في قوله تعالى للنبي ﷺ: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)، والانحراف يكون بأحد أمرين: إما بالتفريط والتساهل، وإما بالإفراط والتشدد، ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر من العبد، أما التساهل فيكون بترك الواجبات أو فعل المحرمات، وأما الإفراط والتشدد فيكون بتحميل النفس ما لا تطيق من العبادة، بحيث يشق عليها الاستمرار، وهذا له آثار سيئة على الاستقامة، فالعبد مهما شدد على نفسه فإنه لن يبلغ مراده، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا»، وكذلك فإن العبد إذا حمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمل فإنه قد يؤدي به إلى ترك العبادة، وقد جاء في الحديث «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله».
ولذلك فإن الله تعالى قال في الآية: (فاستقم كما أمرت) أي: كما أمرك الله تعالى، فالاستقامة ليست تابعة للأهواء الشخصية، ولا للذوق، ولا لما يحبه الإنسان، بل هي تابعة لأوامر الله تعالى، ولو ترك الله تعالى الاستقامة لأهواء الناس، كل يستقيم بالطريقة التي يحبها لفسد الدين، ونحن نرى في هذا الزمان كثرة الدعاوى، فترى صاحب الطبع المتساهل يريد دينا يناسب تساهله وتفريطه، وترى صاحب الطبع الشديد يريد دينا يوافق شدته وغلظته، والدين بريء من الطرفين، فعلى العبد أن يوطن نفسه، ويخالف هواه وما يحب لأجل أمر الله سبحانه، وهذا هو المؤمن حقا. 
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعلمون)

الخطبة الثانية
في هذا الزمان الذي طغت فيه المفاهيم العلمانية والغربية عند كثير من الناس، يرى البعض بأن مفهوم الاستقامة فيه تقييد لما يسمونه بالحرية الشخصية، لأنه يمنع الإنسان عن بعض رغباته؛ والحق أن هذا الفهم ناشيء عن عدم فهم لطبيعة دين الإسلام، وعن غفلة عن طبيعة البشر، أما دين الإسلام فإنه مبني على العبودية لله سبحانه، وعلى الخضوع التام لأوامره، فإذا آمن الإنسان بأن الله تعالى هو الذي خلق الخلق وحده، وأنه دبّر أمور الخلق بمن فيهم البشر، وإذا آمن بأنه يجب عليه أن يخضع لله سبحانه، فإن من الأمور المتحتمة عليه أن يخضع جميع تصرفاته لهذا الخالق، فيفعل ما يأمر به، ويترك ما ينهى عنه، وهذه نتيجة طبيعية للإيمان، ولا يصح إيمان عبد يزعم أنه يُؤْمِن بالله ثم يقول: لا أريد أن ألتزم برسالته للبشر، ومن جهة أخرى فإن سعادة العبد لا تكون إلا بالخضوع لخالقه، ولا يجد راحة إلا في كونه عبدا لله سبحانه، ذلك لأن الإنسان فيه ضعف وحاجة وفقر لا ينفك عنه، وطبيعته وفطرته تملي عليه أن يتعلق ويخضع لشيء أعظم منه، فإذا خضع وتعلق بالله فاز في الدنيا والآخرة، وإن لم يتعلق بالله تعلق بشيء آخر ولا بد، وذلك لما جُبل عليه من حب الكمال والتعلق به، قال ابن القيم رحمه الله: "لا سبيل إلى السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال
والأخلاق ليس إلا هديهم، وما جاؤوا به فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها والروح إلى حياتها". 
عباد الله! إن قوما لم يفهموا هذا الأمر، فظنوا أن تمردهم على أوامر الله يجلب لهم السعادة، وظنوا أنه باستطاعتهم أن يكونوا مؤمنين بالله مع كونهم لا يسلّمون لأمر الله ولا يخضعون لشرعه، وقد رد الله تعالى على هؤلاء، وجعل إيمانهم مجرد زعم لا حقيقة له، فقال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). 
لقد ظنوا أن الشريعة أغلال وآصار، وأنهم إن تخلصوا منها فإنهم سيكونون أحرارا، لقد ظنوا أن الحرية تكون بالكفر بالله سبحانه، وبنشر الإلحاد بين الناس، وبإشاعة الفواحش بينهم، لقد ظنوا هذا، لكنهم لما تحرروا بزعمهم من العبودية لله صاروا عبيدا لغيره، فبعضهم صار عبدا لنفسه وهواه، وبعضهم صار عبدا لمن يقلده ويتبعه ويقتدي به في الباطل، وبعضهم صار عبدا للشيطان، ورحم الله ابن القيم لما قال:
هربوا من الرق الذي خلقوا له  فبُلوا برق النفس والشيطان









السبت، 7 يناير 2017


إطلالة سريعة على الغزو الفكري… بين التاريخ والواقع

أصل هذه المقالة محاضرة ألقيتها في بعض المدارس، وقد اشتملت على:
- عرض سريع للعداوة بين المسلمين والنصارى من خلال النصوص الشرعية ومن خلال الواقع.
- تاريخ دخول الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين، مع ذكر بعض وسائله
- عرض للغزو الفكري في واقعنا من خلال التعليم والمرأة
- مع التعرض لنظرة الإسلام للمرأة، وحكم الحجاب، والاختلاط...

الغزو الفكري على المسلمين موضوع مهم يمس حياة كل مسلم في هذا الزمان، وسأدخل إلى هذا الموضوع من مدخل تاريخي، كيف نشأ هذا الفكر؟ وما هي المراحل التي مر بها؟ وسبب البداءة بالعرض التاريخي أن النظر في التاريخ يساعدنا في على فهم الأمور التي نعيشها بشكل سليم… إذا أردت أن تفهم الواقع الذي تعيش فيه وتعلم كيف تتعامل معه، فإن مما يعينك على هذا الأمر: أن تنظر في التاريخ، لأن التاريخ فيه عبر.
 والإنسان الموفق والسعيد في حياته هو الذي ينظر في التاريخ ويستفيد منه العبر، ويأخذ منه الدروس؛ وغير الموفق والمخذول هو الذي يرى التاريخ ويرى الوقائع تتكر وتعود أمامه ثم لا يستفيد من هذا التاريخ، ولا يعرف كيف يتعامل مع الواقع.
بداية، الغزو الفكري ناشئ عن مسألة مهمة، أصل لها كتاب ربنا جل وعلا، وأصل لها نبينا ﷺ، هذه المسألة هي عداوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى للمسلمين، هذه المسألة من المسائل التي جاءت فيها آيات كثيرة، فهي حقيقة شرعية، وهي كذلك حقيقة تاريخية. 
سبب النزاع بين أهل الحق وأهل الباطل على مر العصور… الله تعالى خلقنا لغاية، هذه الغاية هي العبادة، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومعنى يعبدون: يوحدون، يعني: يفردوني بالعبادة، يعبدوني ولا يشركوا معي أحدا في العبادة، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، الله تعالى لم يترك أمة من الأمم، ولم يترك عصرا من العصور إلا وبعث فيه رسولا، لماذا؟ الجواب: (أن اعبدوا واجتنبوا الطاغوت)، وهذا هو التوحيد، هذا هو مقصود الله تعالى من خلق الخليقة؛ ولما كان الشيطان قد أخذ على نفسه العهد أن يضل بني آدم، وأن يحرفهم عن دينهم، وعن الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، كما قال تعالى عن الشيطان (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)، وقال تعالى عنه: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)، فالشيطان لا يوفر وسيلة ولا يألوا جهدا في أن يضل الإنسان بأي طريقة من الطرق؛ والشيطان قد نجح في إضلال كثير من الأمم، وفي صرفها عن دين الله تعالى، الذي أنزله على الأنبياء.
دين التوحيد الذي هو الإسلام هو دين جميع الأنبياء، أنزله الله تعالى على كل الأنبياء، على آدم وعلى نوح وعلى إبراهيم وعلى موسى وعلى عيسى، هو دين واحد، وإنما وقع التحريف من بعض أتباع هذه الديانات، كما حرف النصارى دينهم من التوحيد إلى الشرك، فصاروا يقولون بالتثليث، وحرف اليهود دينهم من التوحيد إلى الشرك، (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) يضاهئون يعني يشابهون، فدل على أن هذه المسألة متوارثة بين الأمم… إنهم يحرفون دين التوحيد إلى الشرك، يعبدون مع الله إلها آخر … ثم بعد أن رفع الله تعالى عيسى، وقع أتباع دينه في التحريف، ولم يبق من دين التوحيد الذي أنزله الله تعالى إليهم شيء.
… ولا يزال القتال والسجال مستمرا بين أهل الحق وأهل الباطل منذ فجر التاريخ، قتال بالسيوف وقتال بالكلام، قتال بالحجة والبرهان وقتال بالسيف والسنان، تارة ينتصر أهل الحق، وتارة ينتصر أهل الباطل، والله عز وجل قد يجعل أهل الباطل ينتصرون حتى يختبر أهل الحق… هل هم متمسكون بما عندهم من الحق أم لا.
ومن هذا أن الله تعالى أرسل نبينا محمدا ﷺ في فترة كان فيها انقطاع من الرسل، فهدى الله سبحانه وتعالى به الناس، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، هدى الناس إلى دين الحق، وقاتل الناس على ذلك، قاتل الناس لأجل أن يهديهم لدين الحق، كما قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فالنبي ﷺ إنما قاتل لأجل هذه الغاية النبيلة، هذا القتال الذي هو لأجل الدين، ولأجل التوحيد هو قتال لغاية سامية نبيلة، وليس كما نرى الآن الدول الغربية الكافرة، تقاتل لأجل المال، ولأجل المصالح، ولا يراعون في حروبهم هذه الناس، ويقتلون بلا رحمة… ومن الآيات التي جاءت في بيان أن القتال إنما هو للدين ولأجل الله: قولُه تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)… والآيات في هذا كثيرة.
ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيمن قاتل: النصارى، في مواقع، في معركة مؤتة (٨ هــ)، وذهب ليقاتلهم في تبوك (٩  هـ)، والله عز وجل هزمهم ففروا رعبا من النبي ﷺ، ثم بعد وفاته استمر الخلفاء الراشدون على قتال النصارى، (والكلام هنا على الدولة البيزنطية بالذات، لأن الحديث يدور حول التغريب ومكر النصارى ومحاولة تغييرهم لدين المسلمين) فوقعت معارك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كمعركة أجنادين، ومعركة بيسان، ثم فتحت دمشق، ثم حمص وحماة، ثم فتحت القدس، ثم سائر فلسطين وسوريا، ولبنان، وكل هذا في غضون سبع سنوات فقط… (الله عز وجل إذا علم من المسلمين الصدق فإنه يبارك لهم، ويجعلهم يحققون من الانتصارات في مدة قصيرة ما لا يحققه غيرهم)، وكذلك فتحوا مصر (٢٢هـ)، وتونس (٤٣هـ)، والأندلس (٩٢هـ)…
لماذا قدمت بهذا؟ لأبين سببا من الأسباب التي جعلت أهل الكتاب من اليهود والنصارى يضمرون الحقد والعداء للمسلمين؛ والسبب الأول لتلك العداوة هو أننا مسلمون، لأننا اهتدينا إلى دين الإسلام، وإلى دين التوحيد، وهم ضلوا عنه، وهذا الأمر ذكره الله تعالى في كتابه، فقال: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون)، وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)، وقال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)… لأنهم يحسدوننا على هذا الدين العظيم الذي نحن متمسكون به، وقال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)… هذه الآيات نستفيد منها هذه الحقيقة الشرعية وهي أنهم يعادوننا لأجل الدين، والأمر الثاني الذي يعادوننا لأجله هو أننا انتصرنا عليهم، وفتحنا بلادهم حتى ننشر فيها الهدى والنور، لا لنستفيد من مال ونضطهد فقراءهم كما يفعلون بنا! المسلمون لما فتحوا بلاد الغرب إنما فتحوها لأجل هدايتهم، ولإرادة الخير لهم.
إذا علمنا هذا الأمر، علمنا أنهم حقدوا علينا ثم أرادوا أن ينتقموا من المسلمين، وأن يثأروا لأنفسهم ولدينهم الباطل، فشنوا نوعين من الحروب على بلاد المسلمين: النوع الأول: هي الحروب المعروفة، التي تستخدم فيها السيوف والقنابل وتسيل فيها الدماء. والنوع الثاني: هي الحروب الناعمة المخملية، لا دماء فيها ولا سيوف، إنما فيها أفكار، وفيها شبهات، وفيها كفر وضلال.
نعرج على النوع الأول من الحروب، وقد ذكرنا طرفا منها… وقد استمرت الحروب بين المسلمين وأهل الكتاب على مر سنوات طويلة، ما بين غالب ومغلوب، الله عز وجل ينصرنا تارة، ويبتلينا تارة…. ومن أهم هذه الوقائع التي ظهر فيها حقد النصارى على المسلمين: واقعة سقوط الأندلس، حيث سقطت غرناطة - وهي آخر دولة للمسلمين هناك - عام ٨٩٦هـ، فلم يبق للمسلمين كيان هناك، وفي مقابل إحسان المسلمين إلى النصارى فيما سبق، قابل النصارى ذلك الإحسان بالإساءة والإجرام، فأجبر النصارى هناك المسلمين على الدخول في النصرانية، أو الهجرة، وكانوا يسمون من تنصر منهم بالنصارى العرب، وكانوا يعاملونهم بتمييز، ولم يقبلوا منهم أصلا هذه الديانة. 
والأمر الآخر الفظيع الذي ارتكبوه في حق المسلمين: ما يعرف تاريخيا بمحاكم التفتيش، وهي محاكم أنشأها قساوسة النصارى في الأندلس بُعيد سقوطها، هدفها البحث عن المسلمين المتخفين، فإذا رأوا مصحفا في بيت أحدهم، أو رأوه يصلي، أو رأوهم يتزين للعيد والجمعة، وقد يكشفون عن عورة الرجل ليروا أهو مختون أم لا… أي علامة على الإسلام كانت تجعلهم يأخذونه إلى تلك المحاكم ليعذب بأشد أنواع العذاب.
وطرق هذا التعذيب قد نقلتها كتب التاريخ، وهي وسائل فظيعة، منها: أنهم كانوا يجعلونهم يشربون الماء حتى الاختناق، وقد يضعون الواحد منهم في صندوق يقطر عليه الماء حتى يغرق، وقد يضعونهم في توابيت المسامير، وأحيانا كانوا يسحقون عظامهم، ويجلدونهم بالسياط التي فيها أشواك حديدية… ولم يكتفوا بذلك حتى حولوا المساجد إلى كنائس، ودقوا فيها النواقيس بعدما كان يرفع فيها الأذان، قد ذكر بعض شعراء المسلمين شيئا من تلك المآسي، ورثى حال الأندلس، فقال:
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم     واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم     عليهمُ من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ     لهالك واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما     كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت     كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة      والعين باكية والقلب حيران 
لمثل هذا يموت القلب من كمد    إن كان في القلب إسلام وإيمان

هذا نموذج من ذلك الحقد، ونموذج آخر للحقد: وهو ما يعرف بالحروب الصليبية، وقد كانت قبل سقوط الأندلس، وهي عدة حملات صليبية شنها النصارى على بلاد الإسلام في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الخامس إلى أواخر القرن السابع (٢٠٠ عام)، حاولوا أن يغزوا المسلمين بتلك الحروب ولم يفلحوا، كانوا يؤذون المسلمين وتقوم لهم بعض الدول، أخذوا المسجد الأقصى، وحرر على يد صلاح الدين الأيوبي - وقد كان له دور كبير في صد هذه الحملات على بلاد المسلمين-. 
وقد أظهرت هذه الحروب وحشية وهمجية تعامل أهل الكتاب مع المسلمين، (بخلاف الحروب التي شنها المسلمون لإعلاء كلمة الله، التي لم يقتلوا فيها النساء والأطفال والرهبان، بل سلمت منهم الأشجار)…. ثم لما فشلت هذه الحملة وهُزِموا وخرجوا من بلاد المسلمين، بدت لهم فكرة الغزو الفكري، أو التغريب، حيث إنهم علموا أن الحروب وحدها لن تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم، فلا بد من وسيلة أخرى، وهي: 
الغزو الفكري، والمراد به: تغيير وتحريف أصول دين الإسلام ومفاهيمه الأساسية، حتى يتمكنوا من احتلال المسلمين، وانتهاك ثرواتهم.
وسنتكلم عن نموذج لهذا الغزو، وهو الغزو الفرنسي لمصر عام  (١٧٩٨م)، وهي المعروفة بحملة نابليون بونابرت، فبعد أن غزاها واحتلها بدأ بالغزو الفكري، فكان يدعي الإسلام، ويقول إنه هو وقومه يحبون الخير للمسلمين، ويريدون تحسين الأوضاع المعيشية للمسلمين، ورفع الظلم عنهم، وكان ينشر بين الناس منشورات فيها هذه المضامين، ومن أهم الأمور التي حاول فعلها: هو تنحية الحكم بالشريعة، فكان يسوّق بين الناس قانونا اسمه قانون نابليون، وكان يحاول - بالتدريج- أن ينحي الحكم بالشريعة عن بلاد الإسلام. 
ومن أهم الأمور التي دعا إليها أنه دعا اليهود أن يأتوا إلى فلسطين من كل أقطار العالم، وفي الوقت ذاته يدعي حب المسلمين… وهذا هو الخبث، يظهر الوجه الحسن وحب المساعدة، ويكيد ويطعن في الجهة الأخرى… 
ومن الأمور التي فعلها أنه أتى معه بحملة علمية للتنقيب عن آثار الفراعنة، وهدفه من ذلك زعزعة ولاء المسلمين للإسلام، وذلك بتحفيزهم على الانتماء للفراعنة، وذلك بإظهار “حضارة وتقدم” وآثار الفارعنة؛ وهم لا يطمحون لأن يترك المسلم دينه، لكنهم يرضون بزعزعة انتماء المسلم لدينه، وبخلخلة عقيدة الولاء والبراء عنده.
… بعدما خرج نابليون من مصر خلف بعده عائلة محمد علي باشا، وكان لمحمد علي باشا دور كبير في التغريب، وفي الغزو الفكري، فكام من أهم الأمور التي فعلها: أنه نشط ابتعاث أبناء المسلمين للغرب بحجة تعلم العلوم الدنيوية، وقد كانوا يذهبون بنفسيات مهزومة مهزوزة، وعقيدة مزعزعة، فلما رأوا التطور وانفتاح باب الشهوات هناك، تشربوا هذه الأفكار العلمانية وعادوا بها لينشروها بين الناس، وكان هؤلاء من النخبة، فكان الواحد منهم لما يشكك في ثوابت الإسلام وحضارة المسلمين يسمع له الناس، ويؤثر فيهم.
ومن الأمور التي فعلها محمد علي باشا أنه فتح المدراس التغريبية في مصر، وقد كان لها مميزات تفوق بمراحل جامعات مصر ومدارسها، فالدراسة فيها قصيرة وعند التخرج يحصل الطالب على وظيفة في الحكومة مباشرة، مع حصوله على راتب أعلى من غيره، بينما كان الذي يدرس في الأزهر يدرس طويلا، ولا يحصل إلا على راتب قليل، فيعيش فقيرا… فأحب الناس المدارس التغريبية لذلك.
وهدف هذه المدارس هو إبعاد المسلمين عن دينهم، لتسهيل السيطرة عليهم، وليعودوا كما كانوا قبل الإسلام، أوزاعا منتاحرين، لا دولة لهم.
وسبب انبهار المسلمين في ذلك الوقت بالحضارة الغربية، -وهو ذاته سبب انبهارهم بها الآن- هو الهزيمة، وقد ذكر ابن خلدون أن  الأمم المهزومة والضعيفة ينبت فيها حب التشبه بالأمم الأقوى… بدءا بالأفكار والمعتقدات، نهاية بالمظاهر، وإذا نظرت إلى أيام عز المسلمين، رأيت عكس ذلك، فكان الأوروبيون يحرصون على التشبه بلباس العثمانيين، لأنهم كانوا أمة ضعيفة. 
… وسبب آخر لهذا الانبهار: وهو ضعف العقيدة في النفوس.

الكلام عن صور الغزو الفكري المعاصر
ماذا نستفيد من هذا الكلام؟ هل هذا الأمر موجود عندنا؟
هذا الأمر موجود في واقعنا ونعايشه كثيرا لكن باسم آخر، سابقا كان باسم التبشير، واليوم باسم العلمانية أو الليبرالية، النصارى في هذا الزمان تركوا دينهم، فهم لا يحتكمون إلى دينهم، لا في الأمور الاجتماعية ولا الساسية ولا الاقتصادية، قد ابتعدوا عن دينهم وتركوه، لكنهم لم يتركوا حقدهم الصليبي على المسلمين، الذي يهدف إلى إخراجنا من دينا، فصاروا يمارسون ذلك بهذه الوسيلة الجديدة وهي العلمانية والليبرالية، ومن أهم الأمور التي ركزوا عليها: التعليم والمرأة.
أما التعليم، فقد عاثوا فسادا في المناهج الدراسية، فالمناهج الدراسية الآن للأوروبيين دور كبير في التحكم فيها، ومن أثرهم في هذه المناهج: أنهم همشوا أمور العقيدة، جعلوها بشكل ضئيل، أو بشكل منفر، كذلك نحوا من المناهج الأخلاق المحمودة كالغيرة والعفة والشهامة والمروءة، وأحلوا مكانها بعض المفاهيم كتهوين الاختلاط، وتحرير المرأة، وحرية العقيدة، وهذه كلها مفاهيم مخالفة لدين الإسلام.
كذلك من وسائهم في العبث في التعليم: أنهم يأخذون خيرة أبناء المسلمين إليهم بحجة التعليم.
ومنها: تنشيطهم للجمعيات التغريبية في المدارس، حيث إنهم لما يدخلون المدارس لا يقولون للطلاب: نريد أن نغرس فيكم العلمانية، ولا يقولون: نريد نزع الحجاب عن المرأة، ولا يقولون: نريد نشر الاختلاط… هم يهدفون -بشكل أولي- لمجرد الدخول إلى المدراس، والحصول على حب الشباب لهم، فهم أصحاب نفس طويل (فالتغريب الذي حدث في مصر أخذ منهم ١٠٠ عام)، فيدخلون باسم عمل الرحلات المدرسية، والنشاطات التربوية، ودورات تطوير الذات، ودورات القيادة، ويظهرون للطلاب أنهم يريدون تقديم الخدمات والمساعدة لهم، لكن أهدافهم المنشورة والمعلنة -والتي نحن نغفل عنها- تقول غير ذلك… وقد يدسون بعض تلك المفاهيم خلال تلك الدورات، كتشجيعهم للمرأة على العمل و”الثقة بالنفس”، ورفض “العادات والتقاليد”.
أما موضوع تحرير المرأة فهو من أهم الأمور عندهم، ومعناه وغايته نزع الحجاب عن المرأة، وتسهيل اختلاطها بالرجال، ورفع ولاية الرجل عنها.
فيقولون: إن إلزام المرأة بالحجاب ظلم للمرأة، وفي تولي الرجل عليها اضطهاد لها؛وهذا غير صحيح، لأن نظرة الإسلام للمرأة موافقة للفطرة، فالإسلام لم يسو بين المرأة والرجل في كل شيء، فالمرأة ليست كالرجل، لا في الخلقة، ولا التفكير، والإسلام يعطي كلا على قدر قدراته وطاقته وهذا هو العدل… (المرأة من ناحية التكليف والثواب والعقاب، والعقيدة ودخول الجنة والنار هي كالرجل)، والإسلام قد خص الرجال بأوامر لم يكلف بها النساء، فهل يأتي أحد ويقول هذا تمييز ضد الرجل! الإسلام أوجب على الرجال الجهاد، وشهود الجمعة، والنفقة… ولم يوجبها على النساء، للعلة التي ذكرنا.
ومن الأحكام التي خص الإسلام المرأة بها: الحجاب، لأن الرجل بطبيعته يميل إلى المرأة، والمرأة كذلك تميل إلى الرجل، لذلك فقد وضع الإسلام بعض الحواجز بين الرجل والمرأة، من باب المحافظة على العفة والفضيلة، ومن باب منع الرذائل في المجتمع، فألزم المرأة بالحجاب الشرعي، قال تعالى: (يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، وهذا الأمر فريضة، وليس حرية شخصية، وواجب على كل ولي للمرأة أن يلزمها بلبس الحجاب، وواجب على الحكام أن يلزم النساء بلبس الحجاب… ليست حرية شخصية….
وطريقة التغريبيين في التهوين من الحجاب أنهم يقولون: إن الحجاب حرية شخصية، من أحبت أن تتحجب فلتفعل، ومن لا تريد فلها ذلك؛ وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي ميز الإسلام فيها المرأة عن الرجل: موضوع الميراث، فأعطى للرجل ضعف المرأة، لأن الرجل -في الأصل- هو الذي يعمل وهو الذي يكد، وهو المكلف بالإنفاق، ومن الأمور التي ينادي بها التغريبيون: المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهذا موجود في بلادنا، فإذا أرادت المرأة أن تأخذ كالرجل فإنها تستطيع ذلك عن طريق المحكمة! وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي يركزون عليها: تسهيل الاختلاط؛ والإسلام حرم الاختلاط، والمراد به أن يكون المرأة والرجل في مكان واحد، سواء كان محصورا أو واسعا.
قال ابن القيم: "ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المستمرة".
لا تضع الزيت بجانب النار ثم تقول: لا أريد إشعال النار، هل يمكن أن تضع المرأة بجانب الرجل، في مكان واحد، ولا يحدث الميل، ثم النظر، ثم الابتسامة، ثم الكلام، ثم الموعد، ثم اللقاء، ثم الزنا؛ هذا تسلسل طبيعي، معروف عند العقلاء.
ومن شبهات التغريبيين في هذا الباب أنهم يقولون: كلما جعلنا المرأة تتبرج، وكلما جعلناها تختلط بالرجل، فإن ذلك يجعل الرجل يزهد فيها، ويقولون: أنتم لما تمنعون الاختلاط، وتلزمون المرأة بالحجاب فأنتم تسببون الكبت الجنسي عند الجنسين؛ وهذه دعوى كاذبة، كاذبة من حيث الأصل، لأن هذه فطرة ومهما عريت المرأة، وأكثرت من الاختلاط فإنك لا يمكن أن تزيل ذلك الميل في قلب الرجل والمرأة.
وكاذبة من حيث الواقع الذي يعيشونه هم، فالدول الغربية الآن هي دول التعري والاختلاط، ومع ذلك فإن الاعتصاب عندهم بلغ حدا مهولا، إذن هذه نظرية كاسدة، وكلام فاسد، يريدون ترويجه علينا حتى نقع فيما هم واقعون فيه، كما قال تعالى عن الكفار: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء).
والحكمة من منع الاختلاط هي الحفاظ على العفة وسد الذريعة أمام الخنا والفجور.
الأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن)، هذا الخطاب وجهه الله تعالى لأمهات المؤمنين، وهو يشمل كل النساء المؤمنات بإجماع المفسرين، ومعنى القرار أن تجلس المرأة في بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة، لماذا؟ لأن الوظيفة التي أعطاها الإسلام للمرأة هي تربية الأبناء، وتوفير الجو المناسب للرجل، حتى يبدع.
المرأة العاملة هل تستطيع أن تهتم بأبنائها حق الاهتمام، هل تستطيع أن تعطي الزوج حقه، كلا، بل الواقع أنها تقصر في حق أبنائها وزوجها، قال النبي ﷺ: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، ولاحظوا الدور العظيم الذي أعطاه الإسلام للمرأة… راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، هل هذا اضطهاد للمرأة؟! هذا الدور ليس هينا، هذا دور عظيم، المرأة هي الحاضنة التي يوفرها الإسلام للرجل، حتى تخرج الأبطال والمبدعين، كما كان الحال قديما.
وقال النبي ﷺ لنسائه لما حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر»، وهذا ليس اضطهادا للمرأة. 
وليس معنى هذا عدم الخروج مطلقا، تخرج للحاجة، قد تخرج للتسوق، قد تخرج للعمل إذا احتاجت، ونحن لا نقول إن العمل محرم على المرأة إذا احتاجت، لكن المحظور هو أن تكون المرأة منافسا للرجل في العمل، كما هو الحال الآن، وهذا سبب مشكلة البطالة الآن، لأن هناك حصة معلومة كبيرة للمرأة في العمل. مَن الأولى ليحصل على العمل، الشاب الذي يريد أن يتزوج ويفتح بيتا وينفق على أسرة، أم المرأة التي تعمل، وتنفق -غالبا- كثيرا من مالها على الزينة واللباس؟!
ومن شبههم في تجويز الاختلاط: صلاة الجماعة…، وهذا في الواقع دليل على حرمة الاختلاط، لأن النبي ﷺ فصل بين الرجال والنساء، وقال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، لتكون المسافة بعيدة. وكان النبي ﷺ يأمر الرجال إذا انتهت الصلاة أن يبقوا في أماكنهم حتى تخرج النساء وحدهن، بل إنه جعل بابا خاصا بالنساء، وقال: «لا يدخل منه إلا النساء»، وهذا دليل على حرمة الاختلاط، لا على مشروعيته، وهناك أدلة كثيرة على هذا الأمر، من أهمها: أدلة غض البصر، فالإسلام أمر بغض البصر، وإذا كان يأمر بغض البصر فمن باب أولى تحريم الاختلاط، لأنه لا يمكن غض البصر مع الاختلاط…والأدلة كثيرة في ذلك، وهو من الأمور المسلمة في الإسلام، فالمسلمون ما عرفوا الخلاف في هذا إلا في العصر الحديث، فإن القول بجواز الاختلاط لا يعدو أن يكون أثرا من آثار الغزو الفكري.

وبعد، فإن الذي ينظر في حال كثير من شباب اليوم ليرى تشتت الرؤية، وعدم وضوح الهدف أمامهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للتغريبيين؛ وهذه تنبيهات على أصول في هذا الباب، أسأل الله جل وعلا أن ينفع بها.

الاثنين، 26 ديسمبر 2016

مقال مختصر حول بعض الشبه فيما يتعلق بتكفير اليهود والنصارى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد
فإنه ومع احتفال النصارى بما يسمونه عيد ميلاد الرب كل عام، تثور عبر وسائل التواصل بعض الاعتراضات على تحريم مشاركة النصارى في هذه المناسبة؛ وفي سياق مدافعة من يحب الاحتفال بهذه المناسبة من المسلمين تظهر شبهة تقول إن اليهود والنصارى ليسوا بكفار، وإنهم من أهل الكتاب، ويذكرون في ذلك بعض الشبه، والتي ما كانت تخطر على بال المسلمين سابقا لوضوح أمرها؛ ولكن بسبب تأثر كثير من المسلمين بسلطة ثقافة العدو الغالب، صرت ترى من يحاول أن يجد مخرجا من هذا الحكم الصعب على بعض النفوس المهزومة… هذا الحكم الذي هو من أصول الإسلام، والذي لم يخالف فيه مسلم على مر العصور.
فأحببت أن أذكر بعض أدلة الكتاب والسنة التي دلت صراحة على كفر اليهود رالنصارى، ثم تعرضت لبعض الشبه التي يثيرها بعض الناس في هذا السياق.
سائلا المولى سبحانه أن ينفع بها.

أدلة تكفير اليهود والنصارى
  • قال تعالى: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة). 
  • وقال: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم).
  • وقال: ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)
  • وقال: ( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان دَاوُدَ وعيسى ابن مريم)
  • قال صلى الله عليه وسلم : " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" رواه مسلم (١/ ١٣٤) (١٥٣)
  • وقال تعالى -مبينا كفر من ليس مسلما- : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
  • وقال تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام). 
  • وقال: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق).
وقد أجمع علماء المسلمين على ذلك.

شبه حول تكفير اليهود والنصارى 

- كيف تكفرون اليهور والنصارى وقد سماهم الله أهل كتاب؟
الجواب: أن تسميتهم أهل كتاب لا تعني أنهم ليسوا كفارا، فالله سماهم أهل كتاب لأنه أنزل عليهم كتبا من عنده، فأنزل التوراة على موسى لليهود، وأنزل الإنجيل على عيسى للنصارى، ولكنهم حرفوها وما استقاموا عليها؛ فكان في تسميتهم أهل كتاب مع اختلافهم وتفرقهم وانحرافهم بيانا لذمهم، فإنهم لم يستقيموا مع أن الله أنزل إليهم كتبا، كما قال تعالى عنهم: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)، (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة).


- كيف تكفرون اليهود والنصارى وقد أباح الله لنا الزواج منهم، وأباح أكل ذبائحهم؟
الجواب: إباحة الأكل من ذبائحهم والزواج منهم لا تعني أنهم ليسوا كفارا، فالله تعالى هو الذي كفّرهم في كتابه، وهو الذي أباح لنا الزواج منهم، استثناء لهم من عموم الكفار في هذه المسألة فقط، وليس في الحكم بكفرهم.

- عمر رضي الله عنه عاهد نصارى القدس فيما يعرف بالعهدة العمرية، وسمح لهم بممارسة شعائرهم، وهذا يدل على عدم كفرهم.
الجواب: أن هذا لا يدل على عدم كفرهم، وأما ما يتعلق بالعهدة العمرية فإنه كان فيها فرض الجزية على النصارى، كما قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، فهل تقولون بهذا؟!
وقد منعهم عمر من رفع صلبانهم على الكنائس ومن دق نواقيسهم، ومن إظهار شعائرهم الدينية الشركية، وفرق بين السماح بممارسة العبادة الشركية داخل الكنيسة، وبين السماح بإظهاراها.

- أهل الكتاب من اليهود والنصارى مشركون وليسوا كفارا.
الجواب: الشرك نوع من أنواع الكفر، ويكون باتخاذ معبود مع الله سبحانه، تصرف له العبادة بأي صورة من صورها.
والنصارى قد زعموا أن عيسى هو ابن الله، فوصفوه بصفات الألوهية والربويية وعبدوه من دون الله، وصرفوا العبادات كذلك لرهبانهم.
والله تعالى حكم بكفرهم لأجل هذا فقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، وقال عنهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).

- قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذن هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، فالله تعالى ذكر احتمال نجاة من آمن بالله واليوم الآخر من اليهود والنصارى، فكيف تكفرونهم؟!
الجواب: قد دلت الأدلة المحكمة الصريحة الواضحة على كفر اليهود والنصارى كما في قوله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وغيرها كما تقدم… أما هذه الآية فإنها تتحدث عن من بقي على التوحيد ولم يقع في تحريف الدين من اليهود والنصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما بعد بعثته فلا يقبل عند الله تعالى إلا اتباعه عليه الصلاة والسلام، لأن الله وصف القرآن بأنه مهيمن على الكتب السابقة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار».

- اليهود والنصارى يقرّون بوجود الله فهم ليسوا كفارا إذا.
الجواب: أن الكفر ليس منحصرا في إنكارا وجود الله تعالى، بل إن من أنكر وجود الله تعالى عبر التاريخ كانوا قلة، وغالب كفر الأمم المكذبة للرسل كان بالشرك، كما قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كان أكثرهم مشركين).
وهل كان كفر كفار قريش إلا شركا بالله سبحانه… لقد كانوا يقرون بوجود الله تعالى، كما قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، ولكنهم كانوا يتخذون آلهة تقربهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده، كما قال تعالى عنهم: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
وهذا هو سبب كفرهم.

- أنتم أيها الوهابيون السلفيون تكفرون اليهود والنصارى لأنكم متشددون، وأنتم شاذون عن الأمة الإسلامية في ذلك.
والجواب: أن تكفير اليهود والنصارى ليس قول السلفيين فقط، بل هو قول الفرق الإسلامية كلها، من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية والصوفية وغيرهم، لم يخالف في ذلك مسلم على مر العصور… وما ظهر هذا القول إلا بعد تغلب النصارى على المسلمين في هذا الزمان، وبسطوا ونشروا ثقافتهم بين المسلمين.

- تكفير النصارى يؤدي إلى ظهور العمليات الإرهابية التي تقتلهم، وقد عصم الله دماءهم.
الجواب: أن التكفير شيء، واستحلال الدماء والقتل شيء آخر، فالشريعة التي حكمت بكفرهم، قد أمرتنا بحفظ دماء أهل الذمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة».
وقد عاش النصارى عبر العصور تحت ظل دولة المسلمين بأمن وأمان، ولم يتعرض لهم أحد، مع أن المسلمين جميعا كانوا يعتقدون كفرهم.

- الله تعالى أمر ببرهم والإحسان إليهم، كما قال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم).
والجواب: البر والمعاملة الحسنة ليس لها علاقة بالعقيدة، فالمعاملة الحسنة الظاهرة بهدف تحبيبهم في الدين شيء مطلوب، لكن ليس له علاقة بعقيدتك فيهم، وانظر كيف فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين لما زار جاره اليهودي ودعاه إلى الإسلام، فأسلم اليهودي ثم مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار»، فقوله: «الذي أنقذه بي من النار» يدل على أن ذلك اليهودي كافر وأنه كان سيدخل النار لو أنه مات على كفره، وهذا لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من زيارته ودعوته إلى الإسلام.
وهذا هو التسامح الذي يدعوا إليه الإسلام.


الجمعة، 11 نوفمبر 2016

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عناصر الخطبة:
بنو إسرائيل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خطورة السكوت عن المنكرات في ضوء نصوص شريعة الإسلام.
من الآثار السيئة لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) 
هذه الآية الكريمة هي آية من سورة الأعراف، جاءت ضمن آيات كثيرة تتحدث عن عتوّ بني إسرائيل واستكبارهم على أوامر الله تعالى، وهي من الصفات المتجذّرة فيهم، ولقد حكَت لنا هذه الآيات قصة من تلك القصص، قصة تلك القرية التي مُسخ كثير من أهلها إلى قردة وخنازير… إن الله تعالى شدد على بني إسرائيل في شريعتهم، ووضع عليهم آصارا وأغلالا بسبب عتوهم وتمردهم وعدم استجابتهم لأوامر الله؛ ومن ذلك: أنه حرم صيد الأسماك على أهل تلك القرية يوم السبت عقوبةً لهم، وقد زِيدَ عليهم البلاء بأن جعل الله الأسماكَ تأتيهم يوم السبت بشكل كبير، ولا تأتي في الأيام الأخرى، حتى تمرد بعضهم واحتالوا على أمر الله تعالى بِحِيل، منها: أنهم حفروا الأخاديد على الشاطئ يوم الجمعة، وأخذوا الأسماك يوم الأحد، ثم قالوا: لم نصطد يوم السبت! وقد استوجبوا بهذا الفعل عقوبة الله وغضبه. وأما بقية أهل القرية فكانوا قسمين: قِسم اعتزل، فلم يَعْصِ ولم يتمرد، لكنه سكت ولم ينكر، وقِسم أنكر على أولئك الجناة، ووعظوهم وحذروهم من التمرد على أوامر الله تعالى… وقبل أن يقع العذاب وجه أولئك الساكتون سؤالا إلى المنكرين فقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذابا شديدا)، لماذا تعظونهم، وتأمرونهم بالمعروف، وهم قد استوجبوا العقوبة، وقد غضب الله عليهم، فأجابهم الفريق المنكر (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)، أي ننكر عليهم حتى نُعذَر عند الله تعالى أولا، فإن نزل العذاب فلا يكون شاملا للجميع، ثم إن هناك احتمالا -ولو كان ضعيفا -لاستجابتهم، فلعلهم يتقون ويتركوا ذلك العصيان… فلما لم يستجب أولئك العصاة عوقبوا ومُسخوا قردة وخنازير، ونجا المنكرون، وسكتت الآيات عن ذكر مصير الساكتين المعتزلين، فلسنا ندري يقينا ما حل بهم (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).
وهذه قصة فيها عبر وعظات عظيمة، لكن الذين نريده منها في هذا المقام، هو أن نأخذ منها أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نستفيد منها أنه ليس من شرط العقوبة العامة التي تعم المجتمع= أن يعصي كل أفراد المجتمع، بل يكفي وقوع المنكرات الظاهرة في المجتمع من قبل مجموعة معينة من الناس، من دون نكير من الصالحين… لقد جاءت نصوص الشرع الكثيرة مؤكدة لهذا المعنى، ومبينة أن هذه هي سنة الله في خلقه… 
ما حدث في تلك القرية من إنكار للمنكر كان قليلا في بني إسرائيل، وقد أثنى الله على تلك الطائفة القليلة في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين). 
وأما الحالة الغالبة على بني إسرائيل فكانت بخلاف ذلك، لم يكونوا ينكرون المعاصي بينهم، وإن أنكروها فهو إنكار شكلي غير حقيقي، لذلك استحقوا لعنة الله تعالى عليهم حيث قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يعلمون)، كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن ارتكاب الكفر والتمرد على أوامر الله تعالى، وإن أنكروا فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) إلى قوله: (فاسقون) ثم قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا - أو تقصرنه على الحق قصرا».
ومصداقا لذلك فقد حذرنا الله من مخالطة العصاة حال عصيانهم مع عدم الإنكار عليهم فقال: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم).
عباد الله! إن هذا المعنى وهذه السنة الربانية تؤكد لنا أن سلامة المجتمع من الآفات والبلايا والمعاصي هي مسؤولية المجتمع كله، فإذا كان الأمر يتعلق بالكفر والإلحاد والكبائر والمعاصي الظاهرة المعلنة فلا مكان للحديث عن الحرية الشخصية، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، بل إن الذي يأكل الربا يؤثر علينا جميعا، والتي تتبرج تؤثر علينا جميعا، والذي لا يحكم الشريعة يؤثر علينا جميعا، والذي يدعو إلى الإلحاد أو العلمانية يؤثر علينا جميعا… قال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا». 
شبه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع في هذا الحديث بالسفينة، وفي أعلاها أناس وفي أسفلها أناس، فقال الذين في أسفلها: نريد أن نحدث فتحة في "نصيبنا" لأجل الماء، فإن تركوهم ليفعلوا ذلك غرقت السفينة وهلكوا جميعا، وإن نهوهم ولم يسمحوا لهم نجوا جميعا. وقال صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة».

الثانية
فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له آثار سلبية كثيرة على المجتمع، فمنها: أنه سبب لعدم استجابة الدعاء بعد نزول البلاء، قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
ومن هذه الآثار السيئة: "أنه يجريء العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيونية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا".
وقد رأينا بأعيننا ونرى جرأة بعض الناس في هذه البلاد على المنكرات، وما ذلك إلا بسبب ضعف الإنكار وقلته، فما نراه من عبث بالمناهج، ومن تغريب تتعرض له المدارس، ومن مهرجانات غنائية هابطة هنا هناك، ومن دعوات إفساد المرأة وغير هذا من المنكرات = فإن ضعف الإنكار من عوامل تقوية شوكة المبطلين.
"ومنها: أن في ترك إنكار المنكر اندراسَ العلمِ وكثرة الجهل، فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص وعدمِ إنكار أهل الدين والعلم لها يُظن أنها ليست معصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ماحرم الله حلالا وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟!.
ومنها: أن السكوت على معصية العاصين ربما يزين المعصية في صدور الناس، ويقتدي بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه"…
(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).




الخميس، 20 أكتوبر 2016

من معالم الشكر

عناصر الخطبة:
أحوال الناس بالنسبة لشكر النعمة.
الانقياد للطاعة من أهم معالم الشكر.
صور من تسليم الصالحين.
كيف نشكر النعمة؟

(وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذاب لشديد) 
آية عظيمة من كتاب الله تعالى، يحكي الله تعالى فيها خطاب ووعظَ نبيِّ الله موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل… فبعد أن ذكّرهم بنعمة الله تعالى عليهم لما نجاهم من فرعون  وقومه وذلك في قوله: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم)، بعد أن ذكرهم بهذه النعمة العظيمة -وما أكثر النعم التي أنعمها الله على بني إسرائيل- بيّن لهم موسى عليه الصلاة والسلام أن النعم بلاء من الله تعالى، بلاء من جهة أن الناس ينقسمون إلى قسمين عندما يمن الله عليهم بالنعم: فالصنف الأول يشكر الله تعالى على نعمته، ويقابلها بالمحبة وبمزيد من الذل والخضوع والتواضع لله سبحانه، والصنف الثاني من الناس يكفر النعمة ولا يشكرها، فلا يرى للنعمة قيمة كبيرة، ولا تترك تلك النعمة في نفسه إلا مزيدا من التمرد على أوامر الله، والاجتراء على نواهيه، ولذلك قال لهم بعد ذلك: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)، وهي قاعدة عامة تشمل جميع الناس ولا تختص ببني إسرائيل… 
عباد الله! إن التسليم لأوامر الله والانقياد لها، والتواضع لله، من أهم ما يدخل في شكر الله تعالى على نعمه، فهل كان هذا حال بني إسرائيل؟… لنتأمل قليلا في حالهم فإن الله تعالى قد قص علينا خبرهم في سور عدة، لنتعظ ونحذر مما وقعوا فيه… لقد بلغت نعم الله تعالى على بني إسرائيل مبلغا عظيما كبيرا، ولم يُعطِ اللهُ أحدا كالنعم التي أعطاها لبني إسرائيل في زمانهم، كما قال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)، وقال: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين)، وإن الله تعالى ليعلم مدى عتوهم وطغيانهم، لكنه سبحانه إذا أراد أن يجعل الظالم نكالا وعبرة للناس أمده بنعمه وأمهله ثم أخذه وعاقبه… لقد نجّى اللهُ تعالى بني إسرائيل من فرعون وقومه وشق لهم البحر يبسا، ومشوا فيه حتى نجوا، وتمَّمَ عليهم هذه النعمة فأغرق فرعون أمام أعينهم ليكون ذلك أشفى لصدورهم، فما كان منهم إلا أن عبدوا العجل… أنزل على موسى التوراة لتكون لهم هدى، فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ثم حرفوها وبدلوا أوامر الله، واستحلوا الحرام، وحرموا الحلال… لقد أمرهم بدخول بيت المقدس مع موسى ووعدهم بالنصر الأكيد، فقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولما ضرب الله عليهم التيه عقوبة لهم، كان بهم رحيما فبعث الغمام ليظللهم، وأنزل عليهم المن والسلوى فقالوا نريد البقل والقثاء والبصل، ثم لما انتهى التيه وأرادوا دخول بيت المقدس، يسر لهم القتال وحبس لهم الشمس، وأمرهم أن يدخلوها خاضعين لله، شاكرين له على نعمائه، طالبين منه المغفرة والرحمة كما قال: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين)، فما كان منهم إلا أن حرفوا أمر الله تعالى كبرا واستهزاء فقالوا: حنطة، ودخلوا يزحفون على أدبارهم… كثيرة هي مواقفهم، وكثير هو طغيانهم… نفوس شيطانية متمردة عاتية، لا تحفظ نعمة ولا تشكر معروفا، فعاقبهم الله تعالى بعقوبات كثيرة، فضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وسَلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وشدد عليهم في شريعتهم، وقسّى قلوبهم، واستحقّوا سخط الله وغضبه إلى يوم الدين.
عباد الله! إن الله تعالى قد قصّ علينا قصة بني إسرائيل في مواضع كثيرة من كتابه وذلك لأنهم نموذج من الطغيان يتكرر في كل حين، لقد حذرنا الله تعالى من سلوك طريقتهم، فقال بعد أن ذكر قسما طويلا من قصصهم: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل)، وقال: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)، وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ووضحه أحسن بيان فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!
هذا التحذير النبوي يحذرنا من سلوك تلك الطريق بمختلف تفاصيلها، يحذرنا من مقابلة نعمة الله تعالى بالاستخفاف والكبر، يحذرنا من التمرد والعتو على أوامر الله، يحذرنا من عدم التسليم والانقياد للشريعة، يحذرنا من تحريف الدين واستحلال الحرام… لا ديانة لمن لا تسليم ولا انقياد عنده للشرع.
عباد الله! بعد أن رأينا حال ذلك الجيل الشيطاني، فلنقارن ذلك الحال بحال المتقين الصالحين… هذا إمام المتقين عليه الصلاة والسلام في فتح مكة، يدخلها متخشعا متواضعا لله تعالى، قد طأطأ رأسه حتى كادت لحيته أن تمس الرحل الذي على ناقته، وكان أول ما فعل من شكر الله على هذه النعمة العظيمة أن حطم الأصنام والأوثان، مُعَلّما لنا التعامل الصحيح مع معالم الشرك والوثنية… حقها أن تحطم لا أن تُنْصَب وتُرَمَّم، ثم إنه عليه الصلاة والسلام عفا عمن أساء، ولم يعاقب من كانوا يؤذونه ويؤذون أصحابه.
أما الصحابة الكرام فقد كان التسليم من أهم معالم حياتهم الإيمانية، ها هو أبو بكر رضي الله عنه، في قصة الإسراء والمعراج يضع منهجا للتسليم لأمر الله تعالى، يسير عليه المتقون، قالوا له: إن صاحبك يقول إنه قد ذهب إلى بيت المقدس ورجع في الليلة نفسها، فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق… انتهى الأمر! أأصدقه أنه يأتي بالخبر من السماء ولا أصدقه في مثل هذا. ولقد كانت هذه الصفة هي صفة الصحابة في كل الأمور، حُرِّمت عليهم الخمر، فألقوها في سكك المدينة حتى جرت فيها، بعد أن كانت محبوبة لهم… نزلت آية الحجاب فما برحت نساء الأنصار حتى شققن أستر ما عندهم من أقمشة وخرجن وكأن على رؤوسهن الغربان، نهاهم عن لحوم الحمر الأهلية فأكفؤوا القدور، حتى إنهم خلعوا نعالهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد خلع نعله في الصلاة، حتى بين لهم أنه ما خلعه إلا لأذى كان فيه.
إنه الجيل الصالح الذي أمرنا باتباعه، إنه طريق الهدى والنجاة عند الله سبحانه…

الخطبة الثانية
فإن شكر الله تعالى على نعمه له صور عدة، وأول ما ينبغي للمؤمن أن يحرص عليه عند حصول النعمة: أن يستشعر أن هذه النعمة قد حصلت من الله تعالى وحده، وأنه العبد ضعيف مربوب لا يملك من أمره شيئا، وهذا يورثه تواضعا وذلا ومحبة لصاحب النعمة سبحانه، فإذا استقر هذا المعنى في القلب ظهر ذلك على اللسان، بشكر الله تعالى وذكره والثناء عليه والتحدث بنعمة الله من غير استعلاء على الناس، فلا ينسب النعمة لقوته ولا لذكائه ومهارته وخبرته في الحياة ناسيا ومتجاهلا فضل الله عليه، لأن ذلك من شيم الطغاة كما قال تعالى عن هامان (قال إنما أوتيته على علم عندي). وشكر الناس على ما يسدونه من معروف هو من شكر الله تعالى، فإنهم أسباب يسخرهم الله، فيشكرهم العبد مع اعتقاد أنهم مجرد أسباب وأن الله تعالى هو مسدي النعمة حقيقة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».

 ثم إن على العبد أن يشكر الله تعالى بجوارحه، وذلك يكون بحسب النعمة، فإن كانت النعمة قوة في البدن سخر تلك الأعضاء في طاعة الله تعالى ومساعدة الضعفاء والحنو عليهم والتواضع لهم، وإن كانت النعمة مالا استعمله في الحلال ولم يستعمله في الحرام، ويتصدق على الفقراء والمساكين، وإن كانت النعمة علما علّم الناس ولم يَسْتَعْلِ عليهم ويحتقرْهم، وإن كانت النعمة جاها ومكانة سخَّرها في مساعدة الناس والشفاعة لهم وأصلح بين الناس… وهكذا يشكر الله في كل نعمة بما يناسبها، مع وجود أصل الخضوع والذل لله تعالى، فإذا فعل العبد ذلك منّ الله تعالى عليه وزاده من نعيمه، كما قال: (لئن شكرتم لأزيدنكم).

الجمعة، 14 أكتوبر 2016

أهمية تحكيم الشريعة
عناصر الخطبة
الأمر بالتمسك بالشريعة، والنهي عن اتباع الهوى.
ذكر بعض محاسن الشريعة.
لا إيمان بدون التسليم لأمر الله.
تخبط الغرب في تشريعاتهم.


(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين)
آية عظية من كتاب الله تعالى، يأمر فيها سبحانه نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يتمسك بالشريعة التي أوحى الله تعالى بها إليه، وينهاه في الوقت ذاته ويحذره من اتباع أهواء الجاهلين الذين يحاولون صرفه عليه الصلاة والسلام عن التمسك بالشريعة منهجا للحكم والحياة… يحذره تحذيرا شديدا (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا)… فترك التحاكم إلى الشريعة موجب للعذاب في الآخرة… وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحيد عن التمسك بالشريعة ولكنه خطاب للأمة حتى تتعظ وتعلم أن هذا الأمر لا مجال فيه للتلاعب، حتى إن أكرم خلقه عليه لو حاد عنه لتعرض للعذاب.
جاءت هذه الآية من سورة الجاثية تأمر بالتمسك بالشريعة بعد أن ذكرت آياتٌ قبلها حال بني إسرائيل بالنسبة لهذه المسألة الخطيرة، (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْـحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) يخبرنا الله تعالى أنه أعطى بني إسرائيل شريعة تصلح دينهم ودنياهم… لقد كانت هذه الشريعة بينة واضحة.. لقد أعطاهم علما يميزون به بين الهدى والضلال، ومع ذلك اختلفوا في أمر شريعتهم مع وجود العلم… فإذا كانت الشريعة بينة واضحة، وكان عندهم علم وعلماء، فلماذا اختلفوا إذن؟!
لم يكن اختلافهم إلا بسبب المكابرة والعناد، لم يكن إلا بسبب الرغبة في تقديم المصالح الدنيوية الفانية… لعلهم قالوا كما يقول العلمانيون في هذا الزمان: كيف نحكّم شريعة ربنا وقد اختلف الناس فيها، فلسنا ندري ما هي الشريعة التي أمرنا الله أن نحكم بها… كلام يقولونه ليتهربوا من تنفيد أمر الله تعالى، أيأمرنا الله تعالى بأمر ثم يجعل علينا من المستحيل أن ننفذه؟! إنه عبث يتنزه الله تعالى عنه، لكنها أنفاس يهودية قديمة تبحث عن كل مخرج لتلتف على أوامر الله تعالى وتتملص من أدائها (وما الله بغافل عما يعملون).
ولذلك كله جاء الأمر المحتم في تلك الآية، بعدم اتباع أهل الكتاب في تركهم للشريعة… جاءت ناهية للنبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة أهواء أصحاب المصالح في عدم تحكيم الشريعة، بل شددت الآية في النهي وذكرت من الوعيد ما ذكرت، وجاء هذا الأمر في آيات أخرى منها قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)، وقال تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك).
عباد الله! لقد أمر الله تعالى بتحكيم شريعته لأنه هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلح أحوالهم في كل زمان، إنه سبحانه عليم بحال البشرية منذ أول نشأتها، عليم بدواخل نفوسهم وما تُكِنّه ضمائرهم، عليم بضعفهم، عليم بغلبة الهوى وسطوة الشهوة عليهم، وهو سبحانه منزّه عن اتباع الهوى، لا يكون حكمه إلا عدلا، ولا يكون كلامه إلا صدقا… لقد أنزل تشريعات تضمن للبشر العيش السعيد، لقد حفظت هذه التشريعات الدين فأمرت بالتصدي لشبهات المنافقين وأعداء الدين، وشرعت حد الردة في سبيل ذلك، وحفظت النفس فنهت عن قتلها بغير حق وشرعت حد القصاص، وحفظت المال فأمرت باكتسابه بالطرق الحلال، التي لا تضر المجتمع، ونهت عن الربا، والقمار والسرقة والغش، وحفظت العرض فأمرت بالزواج، ونهت عن التبرج والسفور والزنا، وحفظت العقل فأمرت بإعماله في التفكر والتأمل، ونهت عن المسكرات والمخدرات والسحر… إن هذه التشريعات تضمن العيش السعيد للبشر في الدنيا، وتوصلهم إلى جنان النعيم في الآخرة، ما زاغ أحد عن هدى الله تعالى إلا عاش معيشة ضنكا… هو وعد الله تعالى للبشرية منذ أنزل أباهم إلى هذه الأرض (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى).
وفوق ذلك، فقد جعل الله تعالى الرضى بشريعته والتسليم لحكمه شرطا في صحة الإيمان، فلا مجال لوجهات النظر في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فإن هذا الأمر حق محض من حقوق مقام الربوبية، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا)، قال ابن كثير: «يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكِّم الرسول في جميع الأمور، فما حكم به هو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً».
ولقد وصف الله تعالى المعرضين عن شرعه، الرافضين الانقياد له بأنهم منافقون، وأن إيمانهم مجرد زعم كاذب، قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا)، وقال سبحانه: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْـمُؤْمِنِينَ. وَإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ. وَإن يَكُن لَّهُمُ الْـحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون).

الثانية

لقد ظن الكفار بربهم أن باستطاعتهم أن يضعوا تشريعات تقودهم إلى بر الأمان في هذه الحياة، بعيدا عن الوحي الإلهي، والأمر الرباني، فوقعوا في متاهة أفسدت الفطرة البشرية، وغيرت نظام الحياة، وسارت بالبشر مسرعة نحو الهاوية… لقد بدؤوا فنحوا الدين عن الحياة، وأحلوا مكانه الإلحاد والنظرة المادية للدنيا، ثم شرعوا التشريعات، واستحلوا الحرام، نشروا الربا والنظام المالي الفاسد، القائم على مراعاة مصالح الأغنياء فقط، فجعلوا الناس ما بين غني غنى فاحشا، وما بين فقير فقرا مدقعا… غيروا النظرة الصحيحة للمرأة وجعلوها وسيلة للإعلام والتسلية العامة، فنشروا التبرج والسفور وكشف العورات، ودعوا إلى الفواحش وشرعنوها بدعوى المحبة والعلاقات العاطفية المشروعة… وتركوا المخدرات والمسكرات تتسلط على العقول البشرية، فأفسدتها وصرفتها عما ينفعها، تركوا القاتل، وأكرموا الفاسد، وحنوا على السارق، وحادّوا الله تعالى ونازعوه في ربوبيته… وإن الناظر البصير في حال أولئك الناس ليرى التفكك والانهيار القادم إليهم لا محالة… إنهم مهما علوا في الأرض فسنة الله تعالى لا تتخلف في الكون (… فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبسلون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).