الجمعة، 5 مايو 2017

(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا…)
عناصر الخطبة:
  • ذكر جملة من عتو بني إسرائيل.
  • تقسيم معاصيهم إلى قسمين.
  • التحذير من سلوك طريقتهم

﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾ [المائدة: ٦٥-٦٦]
آيتان كريمان من سورة المائدة، ذكرهما الله سبحانه بعد ذكر جملة من عتو بني إسرائيل وطغيانهم، ومقابلتهم لنعمة الله تعالى عليهم بالكفر، فالله سبحانه وتعالى ذكر عنهم في بداية هذه السورة أنهم نقضوا الميثاق الذي أخذه عليهم من الإيمان برسل الله جميعا ونصرهم، وفي مقدمهم محمد ﷺ قال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية)، وذكر أنهم حرفوا التوراة والإنجيل   (يحرفون الكلم عن مواضعه)، ثم ذكر سبحانه تحريف النصارى لعقيدة التوحيد التي أوحى الله بها إلى عيسى، وكفّرهم لأجل ذلك: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم )، وذكر كذب اليهود والنصارى لما قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه)، ثم ذكر رفضهم الشديد لدخول بيت المقدس حتى قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ثم ذكر استكبارهم وتوليهم عن تحكيم شريعة ربهم، وقال  : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ثم ذكر استهزاءهم بصلاة المؤمنين  (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا)، وذكر حقدهم على المسلمين لأنهم مسلمون فقط  : (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون)، وذكر مسارعتهم إلى العصيان والإثم وأكل المال الحرام (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت )، ثم ذكر أن طغيانهم واعتداءهم وصل قمة الطغيان والإجرام، وذلك بالاعتداء على ذات الله سبحانه ووصفه بالنقائص، فذكر عن اليهود قولهم: يد الله مغلولة، وذكر عن النصارى من قبل أنهم قالوا: المسيح ابن الله.
وقد تخلل ذكرَ هذه الجرائم عنهم ذكرُ بعض العقوبات التي عوقبوا بها، وتحذير المسلمين من سلوك طريقهم، ثم قال سبحانه : ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾، آيايتان لا يملك الإنسان أمامهما إلا أن يقف مذهولا حائرا، كيف جمعت بين فتح باب التوبة للمجرم، وذكر الجزاء العظيم على ذلك في الدنيا والآخرة، مع ذكر الجريمة التي ارتكبها أهل الكتاب، مع ذكر انقسامهم إلى قسمين  : قليل مقتصد ممتثل لأمر الله، وكثير مجرم معرض، مع الإشارة إلى تحذيرنا من سلوك طريقتهم، كل هذا في قالب بديع، يخاطب العاطفة والعقل في وقت واحد. 
… لو آمن أهل الكتاب بمحمد ﷺ، وتركوا التمرد والعصيان، لأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم امتلثوا ما جاء في كتبهم ولم يحرفوها لنالوا خير الدينا كذلك.
عباد الله! إذا تأملنا هاتين الآيتين نجد أن الله تعالى أشار إلى أن المعاصي والجرائم التي وقع فيها بنو إسرائيل كانت على نوعين: نوع يتعلق بعدم وجود التقوى التي تحمل الإنسان على طاعة الله سبحانه، وتساعده على الانتصار على نفسه وشهواته، وأشار إلى هذا بقوله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا)، فذكر أنهم لم يكن عندهم من الخوف والتقوى ما يتغلبون به على نفوسهم المريضة المتمردة العاتية، فذكر هنا مرض الشهوات.
والنوع الثاني: يتعلق بعدم وجود التسليم القلبي لأوامر الله سبحانه، والمتمثل بتحريفهم لدينهم، وبتحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل ومعانيهما، وأشار إلى ذلك بقوله: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ما أنزل إليهم من ربهم )، فذكر أنهم حرفوا دينهم وزادوا فيه ونقصوا، وهذا هو مرض الشبهات التي تتعلق بالفكر والاعتقاد.
والحقيقة -عباد الله!- أن الإنسان إذا جمع بين هذين المرضين فإنه يكون مزيجا من التمرد والطغيان والإعراض عن ذكر الله سبحانه… فالإنسان قد تغلبه شهوته ويعصي، لكنه قد يتوب ويرجع بعدما ينال ما يريد من شهوة أو مال، ويبقى قريبا من التوبة، لكنه إذا جمع مع هذه الشهوة شبهة ورأيا فكريا يقنعه أن هذه المعصية أمر مطلوب، والله سبحانه يحب هذه المعصية فهذه هي المصيبة الكبرى، ومن كانت هذه حاله كان بعيدا عن التوبة، وإن كان باب التوبة مفتوحا له كذلك إذا تخلص من الفهم المحرف لدينه.
وأهل الكتاب -كغيرهم من أهل الضلال-  قد جمعوا بين الأمرين: فلم يتغلبوا على شهواتهم، وحرفوا دينهم ليوافق هواهم، فمن أمراض الشهوة عندهم   : أكلهم للمال الحرام  بالباطل، وقعودهم عن القتال، وعدم إيمانهم بمحمد ﷺ كبرا وحسدا.
ومن أمراض الشبهات: تحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وعدم الحكم بما أنزل الله، ووصفهم لله تعالى بالنقائص.
فأنتج هذا نفوسا شيطانية عاتية، تقوي شبهاتُها شهواتِها، وتقوي شهواتُها شبهاتِها، في حالة ليست بدعا من الضلال والانحراف، وليس جديدة من الإجرام والاعتساف، فأهل الكفر من كل ملة جمعوا بين الأمرين، وأهل الانحراف في زمان يجمعون بين الطريقتين.
إلا أن الله سبحانه قد أكثر من ذكر حالة أهل الكتاب لنا في القرآن، وأبدأ وأعاد ذكر قصصهم لنا: بسبب سرعة تأثر بعض المسلمين بهم، لكونهم أهل كتاب، وأهل علم… لكن ما نفع العلم إذا كان سببا في الضلال والانحراف؟!
لا توجد قصة في القرآن تكرر ذكر كقصة بني إسرائيل، ولم يذكر لنا القرآن تفاصيل قصة كما ذكر تفاصيل قصة بني إسرائيل، والله سبحانه يحذرنا من سلوك طريقتهم، في أثناء تلك القصص وقبلها وبعدها، وحذرنا نيبنا ﷺ كذلك بقوله: «لتتبعن سنن من كان قلبكم حتى لو دخول جحر ضب لدخلتموه». قالوا: آليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!».

الثانية
بعدما عرفنا -عباد الله- خطورة حال أهل الكتاب، وأن الله تعالى حذرنا من اتبعاعهم… فهل هناك صور واقعية من هذا الاتباع؟ هل هذا واقع نعشيه؟ أم أنه شيء ذهب ومضى قديما؟
كلا، فالذي ينظر في حال المسلمين اليوم يرى صورا لا تعد ولا تحصى في وقت ضيق من تلك الصور.
أما على سبيل الشهوات: فنرى أكل المال بالباطل والغش والتعامل بالربا كثيرا فاشيا بين المسلمين، نرى قلة الالتزام بالحجاب الشرعي وشروطه، نرى التهافت على الدنيا وحبها، وكراهية الموت والجهاد في سبيل الله، وحتى على سبيل المظهر والملابس صرنا نرى كثيرا من شباب المسلمين يحرصون عي التشبه بمظاهر الغرب، من دون أدنى تفكير.. لماذا أفعل هذا؟!
وأما فيما يتعلق بالشبهات: فكثير جدا، وهو الداء العضال، والمصيبة الكبرى، أما تحريف الدين فحدث ولا حرج… حملات يقوم بها كهنة الفساد والفهم الحداثي للإسلام، تهدف لإخراج دين ممسوخ، بعضهم يريد موافقة حاكم، وبعضهم يريد موافقة الغرب، وبعضهم يريد تسويغ شهوة، ويسترون كل هذا التحريف بغطاء الإصلاح والتجديد الديني، كإنكار كون أحاديث النبي ﷺ حجة شرعية، وكقولهم بلزوم فهم القرآن فهما جديدا يتوافق مع العصر.. وكثير من الناس يتأثرون بهم إما بحسن نية، أو سوء قصد وطوية.
ومن ذلك محاولة تحريفهم لثوابت الإسلام التي لم يختلف المسلمون فيها يوما، كقولهم: اليهود والنصارى ليسوا كفارا،  بدعوى التسامح الديني، وكقولهم  :  لا يجب الحكم بالشريعة،  بدعوى التطور والحداثة، إضافة إلى ما يذكرونه فيما يتعلق بالمرأة: من عدم وجوب الحجاب عليها، وعدم قوامة الرجل عليها، إلى غير ذلك مما يقولونه، من تحليل الخمر، والربا وغير ذلك.
كل ذلك -عباد الله!- بطرق خبيثة وستار ديني، موافقين في ذلك لأهل الكتاب، وهل تظنون أن تحريف الأحبار والرهبان كان بمصادمة نصوص التوراة والإنجيل وادعاء بطلانها، كلا والله ما كان إلا بتحريفها وادعاء أن ما توصلوا إليه بعقولهم وشهواتهم هو مراد الله تعالى.
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)



الجمعة، 7 أبريل 2017

من عوامل النصر... 
(على وقع حادثة خان شيخون)

عناصر الخطبة:
  • حكمة تشريع الجهاد.
  • علاقة الجهاد برفع الذل.
  • مفاهيم مشوهة للجهاد.

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا).
لقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بالبينهات والبراهين والحجج الواضحات، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا… ولما كان أهل الشر والباطل في كل زمان لا يرضون للحق والهدى أن يسود وينتشر، شرع الله تعالى للنبي ﷺ وللمسلمين من بعدِه أن يجاهدوا في سبيل الله، فمع أن دين الإسلام دين قريب من فطرة الإنسان وعقله، ومع أن حججه وبراهينه واضحة لا يقدر أحد على ردها، إلا أن هناك من المجرمين من يقدم الباطل ولا يستجيب للحق، لدواع مادية، أو ليحافظ في زعامته وأتباعه، فيظل أولئك الطغاة سيوفا مصلطة  على رقاب المؤمنين، يستضعفونهم، ويقتلونهم، ويسومونهم سوء العذاب، لأجل أن يردوهم عن دينهم، كما قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا).
ولأن الإسلام دين واقعي، ولأن سنة الله في خلقه أن يكون التدافع والتقاتل دائما بينهم، كل يقاتل لهدفه أو شهوته أو مصلحته، فقد شرع الله تعالى للمسلمين أن يجاهدوا ويقاتلوا، وأمرهم أن يكون هدفهم هو إعلاء كلمة الله في الأرض، ورفع الظلم عن المستضعفين ليتمكنوا من ممارسة دينهم وإظهاره… فالمواعظ والكلام والخطب تنفع كثيرا من الناس، إلا أن هناك من الكفار من لا تؤثر فيه موعظة، ولا تنفعه حكمة، فلا يرى الحق إلا إذا رأى بريق السيوف.
وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن الكفار إذا عادوا المسلمين واستضعفوهم وطغوا وتجبروا فإن الله يعاقب الكفار في الدنيا بعذاب أو إهلاك، وهذا العذاب الرباني إما أن يكون من عند الله سبحانه، وذلك بتصريف أمور الكون من رياح وكوارث طبيعية، أو أن يكون العذاب والعقاب على أيدي المومنين، وذلك بالجهاد، كما قال تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا).
ها هم صناديد قريش من الكفار قد آذوا النبي ﷺ، وعذبوا الصحابة ليردوهم عن دينهم، فتوعدهم الله بالعذاب والنبي ﷺ لا يزال في مكة، فنزل قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، وقوله: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون)… ولما هاجر النبي ﷺ، وأقام دولته، وأذن له بالجهاد لاقى المشركين في معركة بدر، فهزمهم الله، ولحق بالمشركين الخزيُ والعذاب في الدنيا والآخرة، فقال تعالى واصفا هذا العذاب الذي لحق بهم في بدر: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون. والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون. قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين).
نعم هي سنة الأولين، ومن ذلك ما حدث لفرعون وجنوده، فإنه لما عذب مؤمني بني إسرائيل، وكذب نبي الله موسى، وطغى وتجبر، ولحق ببني إسرائيل إلى البحر، أغرقه الله تعالى، وأغرق جنده فلم تغن عنه قوته، ولم تغن عنه جنوده القوية، ولذلك قال الله تعالى بعد ذكر هزيمة قريش: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب. ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين).
عباد الله! إن مثل هذه الوقائع التي أخبرنا بها القرآن مرشدا لنا لأخذ العبرة منها، يبنغي أن تكون دافعا لنا إلى الطريق الصواب، ينبغي أن توجهنا التوجيه الصحيح، ماذا نفعل؟ وكيف نعرف العدو من الصديق؟ 
إن الذي حدث في سوريا وفي خان شيخون بالتحديد من قتل وحشي للأطفال والنساء، ما هو إلا جزء من الصورة التي تحدث في سوريا، ما هو إلا جزء من إجرام ذلك النظام الكافر الذي يحارب المسلمين لأجل دينهم.
وقبلها بأيام ألقت قوى التحالف الصليبي قنبلة على مجمع سكني في الموصل، قتل فيه أكثر من ٥٠٠ مسلم، ما بين طفل وامرأة ومدني أعزل، وليس هذا كذلك إلا جزء مما يحدث في العراق. وما الذي يحدث في سوريا والعراق إلا جزء من الصورة الكبيرة لما يحدث في العالم الإسلامي، وإن هذه الأحداث ينبغي أن تحث المسلمين على النهوض، ونفض الغبار، والأخذ بأسباب العز والتمكين، فإن الكفار بأفعالهم هذه قد استحقوا عقوبة الله سبحانه، ولم يعد بين وقوع هذا العذاب عليهم إلا أن يأخذ المسلمون بأسباب النصر والتمكين، من التمسك بالدين وإعداد العدة.
واعلموا عباد الله أن نصر الله سبحانه لا ينزل على الكسالى القاعدين، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، والبدء بالتغيير، فإن الله تعالى لا يغير حال قوم من الحسن إلى السيء، ولا من السيء إلى الحسن إلا إذا بدرت منهم بوادر التغيير، كما قال تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). 

الثانية
إن أعداء الله وأعداءنا لم يكتفوا بما لحق بنا من الهزائم العسكرية، لم يكتفوا بالقتل والاغتصاب والاحتلال والتشريد ونهب الثروات، بل أردوا أن يطوعوا الشعوب المسلمة وأن يروّضوها حتى ترى في جلّادها مُخَلِّصَها، وحتى ترى فيمن اغتصب نساءها وقتل أطفالها مصلحا إنسانيا يسعى لنشر ثقافة السلام بين شعوب الأرض.
ولقد عملوا لتحقيق ذلك عبر وسائل كثيرة جدا، وعبر أقلام مأجورة، ووسائل إعلام رخصية؛ ومن أهم أساليبهم في ذلك أمران: تحريف الدين، ونزع الحمية والعزة من قلوب المسلمين.
أما تحريف الدين فقد عمدوا إلى أهم المسلّمات الإسلامية، وبخاصة تلك المفاهيم التي تتعلق بالكفار، كالولاء والبراء والجهاد، فعملوا على بث ثقافة محبة الكفار بين المسلمين، ودعوا إلى التقارب مع النصارى وعدم تكفيرهم بل والاحتفال بأعيادهم… وسموا ذلك بالتسامح.
وأما الجهاد فقد عملوا على إظهار الإسلام بصورة ذليلة، وتدرجوا في ذلك تدرجا خبيثا، فزعموا أن الإسلام ليس فيه جهاد طلب، وأنه لا يقاتل لنشر الدين والتوحيد، ولا يقاتل لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بل لا يقاتل إلا إذا عتدى عليه أحد، ولا يحركه شيء إلا أن تنتهك حرماته وتحتل أرضه، ثم قالوا: ولا يقاتل إذا احتلت أرضه، بل يسعى لحل الأمور بالعقلانية والحكمة والسلام وأغصان الزيتون، ثم وصموا من يجاهد لتحرير وطنه الإسلامي بالإرهاب، ثم عادوا إلى أصحاب الزيتون فلم يرضوا منهم أن يطالبوا بحقهم ولو بالكلام.

ولقد عملوا على بث هذه الثقافة في جيل الشباب بخاصة، فعبثوا بالمناهج، وحذفوا منها كل ذكر للجهاد، أو حذفوا سير الفاتحين المجاهدين المسلمين، وكأنهم يقولون: دعوكم من تاريخكم المشرق، لن نسمح لكم بالعودة إليه، أمامكم طريق مفروش بالورود لتحرروا أرضكم… والذي يتتبع وسائل الإعلام الفلسطينية يرى صورا كثيرة لذلك، لا مجال لذكرها، لكن لفت نظري إعلان وضع لماراثون فلسطين الذي انطلق من ساحة كنيسة المهد، وقد وضعوا له إعلانا لشبان وفتيان يلبسون ملابس الرياضة، ويركضون بجانب جدار الفصل العنصري، وقد كتبوا فوق الإعلان: اركضوا نحو الحرية… كنت أظن أن طريق النصر أصعب من ذلك بكثير…اركضوا فإذا وصلتم فآذنوني! 

الجمعة، 31 مارس 2017


"عيد الفصح"
(بمناسبة فرض عطلة رسمية بمناسبة عيد الفصح في فلسطين)
عانصر الخطبة:
بيان طغيان بني إسرائيل وتحريفهم لدينهم.
أصل عيد الفصح.
حرمة فرض عطلة رسمية بهذه المناسبة.
بيان منطلق العلمانيين في هذه المسألة.

﴿وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذي آتَيناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنها فَأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوينَ . وَلَو شِئنا لَرَفَعناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ ﴾.
هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف، ذكرها الله سبحانه بعد حديث طويل عن بني إسرائيل، استغرق ثمان وستين آية، ذكر الله سبحانه وتعالى فيها كثيرا من صور عتو وطغيان بني إسرائيل، وتمردهم على أوامر الله تعالى، بين فيها كفرانهم للنعم الكثيرة التي أنعمها الله تعالى عليهم، بين عدم انتفاعهم بالعلم، وأن العلم كان سببا في طغيانهم وسقوطهم في مهاوي الدركات لأنه لم يلاق نفوسا زكية وقلوبا طاهرة، كان العلم الذي أنزل إليهم سببا في تفرقهم، كما قال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)… لقد استغل علماؤهم نصوص التوراة والإنجيل لتحريف دين التوحيد الذي أنزل إلى أنبيائهم، استغلوها لوصف الله سبحانه بالنقائص، ولتحريف العقيدة لتصبح مجموعة من الغزعبلات الوثنية، التي لا توافق عقلا ولا فطرة، ولذلك فقد ضرب الله تعالى لهم مثلا -بعد أن ذكَر كلَّ هذا عنهم- ضرب لهم مثلا برجل منهم كان عالما فلم ينفعه علمه بل ضره، لأنه لم يراع حق الله تعالى فيه، فضَلَّ وكفر، وقد شبهه الله سبحانه بالكلب الذي يلهث سواء زجرناه أو تركناه، فكذلك هذا الرجل لم ينفعه العلم لا حال كونه مؤمنا، ولا حال كونه كافرا ليرده عن غيه.
هذه الصورة عباد الله! صورة تكرر في كل وقت، فمن هذا ما حدث عند النصارى من تحريف دينهم، على أيدي علمائهم وملوكهم، وكان للقوة والمال دور كبير في تحريف دينهم، وقد أشار الله سبحانه إلى أثر المال والحرص على الدنيا في تحريف دين النصارى في آيات، منها قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثما قليلا فبئس ما يشترون)، ومن ضمن تلك العقائد الوثنية التي تسربت إليهم أنهم اعتقدوا أن المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام له نصيب من صفات الألوهية والربوبية، وأنه ابن الله تعالى، ثم لما حاول اليهود قتله رفعه الله تعالى إليه، وقتَل اليهودُ رجلا يشبهه، فقالوا: إن الرب قدم ولده قربانا ليحمل خطايا البشر، فأتوا بعقيدة تشمئز منها كل نفس فيها تعظيم لله تعالى، ادعوا لله ولدا، ثم ادعوا أنه ترك ولده ليقتله اليهود، فمات ابن الرب عندهم، مات الإله الذي يعبدونه، ووضع في القبر، وأغلق قبره عليه، ثم ادعوا أنه قام من قبره يوم الأحد، بعد ثلاثة أيام من موته، وهذا ما يسمونه بالقيامة، أي قيام المسيح من قبره، والنصارى يحتفلون بهذه المناسبة من كل عام، ويسمون هذا العيد بعيد الفصح، أو القيامة، وهو أعظم وأهم أعياد النصارى.
وكما رأينا عباد الله! فهذا العيد -كعيد الميلاد- مرتبط ارتباطا شديدا بتلك العقائد الوثنية المحرفة، التي وضعها لهم رهبانهم وملوكهم، وهي عقيدة تصادم الإسلام مصادمة تامة، بل جاءت آيات القرآن صريحة وواضحة في إبطال هذه العقيدة وردها وبيان زيفها وفسادها، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا -ابتداء- أن المسيح عيسى ابن مريم ما هو إلا بشر، وأنه ليس له من صفات الألوهية أو الربوبية نصيب، فأبطل أصل عقيدة القيامة التي يزعمون، ومن هذه الآيات التي تبين ذلك قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كان يأكلان الطعام)، فهل هناك إله يأكل الطعام؟ وهل هناك إله يعتريه ما يعتري البشر بعد أن يأكل الطعام؟ هل هناك إله ينزل من بطن امرأة، ضعيفا صارخا باكيا، قد لوثته الدماء؟ هل هناك إله يرضع من ثدي أمه؟ إنها عقيدة ظاهرة البطلان، عقيدة بالغة في الكقر غايته، ولذلك فإن الله سبحانه لم يكتف ببيان بطلان هذه العقيدة بل كفر كل من يقول بها فقال: (لقد كفر الدين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، فهذا الأساس الذي قامت عليه عقيدة القيامة قد أبطله الله تعالى، لكن هل اكتفى القرآن بذلك؟ لا. بل نص على بطلان عقيدة الصلب وقتلِ المسيح أصلا، في آيات واضحة من القرآن فقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)، لست أدري أي عقول هذه التي تعتقد أن الإله يضرب ويجلد، ثم يرفع على خشبة، ثم تدق المسامير في يديه ليثبت على الصليب، ثم يموت معذبا شيئا فشيئا؟ إذا كان أحدنا لا يرضى لنفسه أن يموت هذه الميتة فكيف رضوا بها لإلههم؟ ألم يكن قادرا على إنقاذ نفسه؟ لكنها خزعبلات بني آدم، قد دخلت في دين النصارى حتى صار دينا وثنيا بامتياز.
ولقد من الله تعالى علينا بدين الإسلام، وهدانا إلى العقيدة الصافية النقية، الخالية من تدخل بني آدم فيها، عقيدة أنزلت من فوق سبع سماوات، أنزلت على قلب محمد ﷺ، فبلغها كما هي، ولا تزال كما هي، وستبقى كما هي، ولو كره الكافرون.
إن نعمة الإسلام هي أكبر نعمة، وأجل عطاء أعطانا الله إياه، أبعد أن أنقذنا الله تعالى من الهلاك نقابل نعمة الله تعالى بالجحود والكفران، هل نقابل نعمة الله تعالى علينا بهذه العقيدة الصافية بأن نحتفل بأعياد النصارى وغيرهم من الكفار، أيحتفل المسلمون بأعياد النصارى وتفرض عليهم عطلة رسمية بمناسبة ما يسمى بعيد الفصح في بلاد مباركة، في بلاد وطئتها قدما محمد ﷺ، في بلاد فتحها عمر بن الخطاب، في بلاد ارتوت من دماء الشهداء.
لا أظن أن فرح الصليبيين لما احتلوا بيت المقدس سيكون أشد من فرح النصارى في هذا الزمان، وهم يرون أحفادَ عمرَ بنِ الخطاب، وأبي عبيدة، وصلاحِ الدين يحتفلون بعيد الميلاد وعيد الفصح.
﴿وَلَقَد ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلونَ﴾

الثانية
فإن بلادنا هذه بلاد مسلمة منذ أن فتحها المسلمون، أهلها مسلمون، المسلمون هم أصحاب الحق في هذه البلاد شاء من شاء وأبي من أبى، قد عاش النصارى بل واليهود فيها كأهل ذمة، قد حمى المسلمون دماءهم وأموالهم فعاشوا في أمان، لكن لم يكن ليُسمح لهم بإظهار شعائر دينهم ولا رفع صلبانهم، وهذا ما شرطه عليهم عمر في العهدة العمرية.
لكن العلمانيين لا يرضون بهذه النظرة الإسلامية، بل يريدونه حكما علمانيا لا يفرق بين الديانات، ويقف من الأديان على مسافة واحدة، يقول أهل الباطل: بما أن المسلمين لهم مناسبات تكون فيها عطل رسمية، فكذلك لغيرهم من الأقليات الحق في أن تكون أعيادهم عطلا رسمية… وهذه النظرة قائمة على أن الأديان بالنسبة للدولة شيء واحد، ليس فيها دين حق ودين باطل، الإسلام كغيره من الديانات الباطلة… وهذه عقيدة كفرية عباد الله، لا شك في كفر معتنقها عند جميع طوائف المسلمين، وقد قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه).
أما إن قالوا: نحن نفرض العطلة بهذه المناسبة على المسلمين من باب التسامح الديني، فهذا باطل كذلك، فالتسامح لا يكون في العقيدة، التسامح لا يكون بأن نحتفل بعيد مرتبط بعقيدة باطلة، ثم لو سلمنا بجواز هذا التسامح المزعوم فإن التسامح أمر اختياري، فكيف يفرض علينا أن تنسامح ونعطل في هذه المناسبة.
وهل إذا نشأ في بلادنا طوائف وأديان أخرى تريد أن تحتفل بأعيادنا سنفرض عطلة على المسلمين أيضا، فإذا نشأ في بلادنا طائفة بوذية مثلا، فهل سيفرضون علينا أن نحتفل معهم بميلاد بوذا من باب التسامح.. هذا لازم مذهبهم، وهل إذا نشأ في بلادنا ملاحدة فهل يا ترى سنحتفل معهم بعيد ميلاد داروين…
إنه نفق مظلم لا نهاية له، تخبط لا يخرج منه إلا التمسك والاعتزاز بهذا الدين… (يريدون أن يطفؤوا نور الله …)


الجمعة، 3 مارس 2017


مكانة المرأة في الإسلام

عناصر الخطبة:
المرأة قبل الإسلام.
المرأة في الإسلام.
المرأة عند الغرب.

عمل الجمعيات التغريبية في فلسطين.

(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)
آية كريمة في كتاب الله سبحانه، نزلت لتبين أمرا عظيما خطيرا، آية فيها بيان حقيقة مكانة المرأة في الإسلام، نزلت هذه الآية، وجاءت بقية شرائع الإسلام لترفع عهودا من الظلم والقهر كانت تعانيه المرأة قبل الإسلام. 
عانت المرأة قبل الإسلام، وظلمت في الثقافات والأديان السابقة ظلما كبيرا، عانت من حط مكانتها كإنسان، وعانت من ظلم وسوء في المعاملة، وعانت من أكل حقوقها المالية… وإننا إذا نظرنا نظرة سريعة في بعض النصوص الموجودة في في بعض الكتب كالموجودة في التوراة والإنجيل، وكالنصوص المنقولة عن فلاسفة اليونان لنرى ذلك بجلاء، فليس غريبا عندهم اعتبار المرأة نوعا من الشر الشياطين، بل إن كثيرا منهم لم يعتبرها أهلا للتكليف والثواب والعقاب.
ولأجل كل هذا الظلم فقد ظهرت ردات فعل في الغرب، رأت أن سبب الظلم الذي تتعرض له المرأة عندهم هو صراع كوني بين المرأة والرجل، مع أن السبب الحقيقي للظلم الذي تعرضت له المرأة عندهم هو تلك الأديان المحرفة، وتلك النفوس المريضة،  وتلك الأفكار البعيدة عن شريعة رب العالمين… أرادوا أن يعطوا المرأة حقها، فما كان منهم إلا أن تطرفوا في ردة فعلهم. ولما كانت شرائعهم المحرفة لا تخدمهم في هذا الأمر، توصلت عقولهم إلى اختراع ساذج، دمر البشرية وسيستمر في تدميرها، هذا الاختراع هو: مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، ولا يخفى على عاقل أننا إذا أردنا أن نسوي بين شيئين في كل شيء فلا بد أن تكون صفاتهما واحدة، وقدراتهما واحدة، فإذا لم يتوفر هذا الشرط فالمساواة هنا هي عين الظلم. 
عباد الله! لقد بزع فجر الإسلام على ظلام دامس كانت تعاني منه البشرية في كل نواحي الحياة، فأصلح حياة الناس في كل النواحي، وأصلح حال المرأة وصحح أوضاعها، ورفع مكانتها، وكان منهج الإسلام في ذلك هو العدل لا المساواة التامة في كل شيء، فإذا كان العدل في تقديم الرجل على المرأة أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في تقديم المرأة على الرجل أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في التسوية بينهما فقد أمر به الإسلام، فالإسلام نظر إلى صفات وطبيعة تكوين الرجل والمرأة، من حيث الجسم، والقوة، والعقل، والقدرة على التحمل، ومدى وجود الواجبات والأعباء، ثم أعطى كل ذي حق حقه على هذا الأساس.
فقدم الرجل فأعطاه حق الولاية على المرأة في الزواج مثلا لأن عنده من القوة على الكسب والعمل ما ليس عند المرأة، ولأن عنده من القدرة في التحكم بعواطفه وقراراته ما ليس عند المرأة.
وقدم المرأة على الرجل في حق حضانة الأطفال لأن عندها من الرحمة والعطف ما يعينها على القيام بحقهم.
وأمر كلا من الرجل والمرأة بستر عوراتهم بما يتناسب مع طبيعة كل منهما، وبما يقطع باب الفتنة والشهوات، كما قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وليس من باب التمييز ضد المرأة كما يقوله دعاة محاربة الذكورية.
ولما كان الرجل قويا في بدنه قادرا على مناكفة الناس أمره بأن يخرج ويبتغي رزق عياله، وألزمه بالنفقة على أهله، ولما كانت المرأة ضعيفة في بدنها، وكان لها قدرة كبيرة على تحمل الأطفال والصبر عليهم، أمرها بالقرار في بيتها، وتربية أبنائها، وتوفير الجو المناسب لهم لزوجها ليكونوا أفرادا صالحين في مجتمعهم، في دور بالغ في الأهمية، أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، وهذا الدور لا شك أنه أهم بكثير من مجرد أن تأتي المرأة براتب شهري، قد يستفيد منه الزوج قليلا، وغالبا ما ينفق على الزينة والملابس المخالفة في صفتها للشريعة.
وسوى الإسلام بين الرجل والمرأة إذا لم يوجد سبب لتقديم أحدهما على الآخر، فسوى بينهما في التكاليف الشرعية من الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الشرائع، وجعلها مستحقة للثواب والعقاب ومستحقة لدخول الجنة أو النار بحسب أعمالها، فأخذت المرأة بذلك كامل حقها، وارتفعت منزلتها بعد أن كانت عند الرهبان غير صالحة للتكليف بالشرائع، وغير مستحقة أصلا لدخول الجنة أو النار.
هذه -عباد الله!- هي خلاصة نظرة الإسلام إلى المرأة، وهي نظرة عادلة، بالغة في العدالة الغاية والنهاية، لأنها تشريع رباني، وليست كتشريعات البشر الذين تتحكم فيهم الشهوات، ويتحكم فيهم الهوى، ويحيطهم الجهل بحائق الأمور، وعواقبها.
هذه النظرة التي غابت عن كثير من دعاة محاربة الذكورية في هذا الزمان من أبناء جلدتنا، ففي ظل الهزيمة النفسية التي يعيشونها، وفي ظل جهلهم بأصول الإسلام عموما، وبنظرة الإسلام للمرأة خصوصا، ظنوا أن الإسلام كاليهودية والنصرانية، ظنوا أن الإسلام ثقافة كأي ثقافة من الثقافات القابلة للتعديل والتطويع حسب الرغبة والهوى، فأتوا بالنموذج الغربي فيما يتعلق بالمرأة ودعوا إلى تطبيقه على الإسلام ذاته، وليس على المسلمين فقط.
ولو أنهم فهموا حقيقة الإسلام لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم اعتزوا بدينهم لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم فهموا حقيقة وضع المرأة في الغرب حاليا لما دعوا إلى ذلك، فالمرأة عند الغرب عموما مخدوعة تستغل بإرادتها، يستغلها التجار للترويج للبضائع عن طريق وضع صورهن الفاضحة على المنظفات مثلا، ويستغلها أصحاب الشهوات للترويج للفاحشة عن طريق الأفلام والمسلسلات الهابطة… لقد هدموا الأسرة التي هي النواة الأساسية للمجتمع، وبناء على نظرتهم المادية القائمة على الحسابات والأرقام المجردة، فقد رأوا في جلوس المرأة في بيتها خسارة اقتصادية، فأمروها بالخروج والعمل كالرجل لتنفق على نفسها بنفسها، ولتتحمل العبء كالرجل، فحملوها ما لا تطيق، وخسروا الفائدة المعنوية الكبيرة التي يجنيها المجتمع من المسؤولية العظيمة التي تمارسها المرأة في بيتها.
فضوا وأضلوا، وصدق الله إذ قال: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكا).

الخطبة الثانية
لقد عمل الغرب على نشر هذه الأفكار في العالم الإسلامي عموما، وفي بلادنا فلسطين خصوصا، وذلك من خلال الأفلام والمسلسلات، ومن خلال العمل الدؤوب للجمعيات التغريبية، ومن خلال الضغط السياسي الذي يطالب دائما -ضمن طلبات كثيرة- بالمزيد من التنازلات والتشريعات في جانب المرأة مقابل استمرار الدعم المادي، ويسترون ذلك بشعارات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولا شك أن المرأة تتعرض لصور من الظلم داخل مجتمعنا، لكنها صور محصورة، والإسلام بتشريعاته قارد على معالجتها، لكن دعاة محاربة الذكورية ينفخون فيها ويهولونها، ثم يأتون بزي المصلح… ولو أن نشاط الجمعيات النسوية اقتصر على رفع الظلم الذي يمارسه بعض الناس على نسائهم لهان الأمر، ولكن دورها امتد ليمارس دورا ثقافيا يدعو إلى نشر القيم الغربية بيننا فيما يتعلق بالمرأة، وصار يمتد إلى المطالبة بمزيد من التشريعات التي تصب في صالحهم، ولا تلتزم بحدود الإسلام، ولا أدل على ذلك من العرس السنوي الذي نشهده في بلادنا، من الاحتفال بيوم المرأة، والذي يتخلله مشاهد النواح واللطم على المرأة، وكأننا نئد البنات، أو كأننا نستغل النساء جنسيا كما يفعل الغرب… إنهم يستغلون صور الظلم الموجودة لتمرير أجناداتهم الثقافية الغربية، لكنهم يتدرجون في ذلك تدرجا خبيثا، فغايتهم النهائية ليس إيقاف حرمان المرأة من الميراث، بل إنهم يسعون لتسوية الرجل بالمرأة في الميراث، غايتهم أن يسقطوا ولاية الزوج والأب عن المرأة، غايتهم ألا تُلزم المرأة بلبس الجلباب، غايتهم ألا يكون للأب حق في أن يمنع ابنته من التبرج والخروج المنفلت من البيت.
ولا شك عباد الله أن جهدهم في المدارس والجامعات وغيرها قد بدأ يؤتي ثماره، فعلى صعيد الجلباب مثلا، صار القليل من الناس يلزمون بناتهم به، والأقل الذين يلزمونهن بشروطه الشرعية، وصرت ترى تأخر لبس البنت للجلبات بدعوى صغر سنها، وصرنا نرى جرأة كثير من البنات وقلة الحياء الظاهرة عليهن، كيف لا؟ وهم يقولون لها: أنت كالرجل في كل شيء، لا تخافي، وثِقي بنفسك!، ولا تطيعي أحدا…


الخميس، 26 يناير 2017

الاستقامة

عناصر الخطبة:
  • الأمر بالاستقامة، وتعريفُها.
  • ثلاث معالم من معالم الاستقامة.
  • بين الاستقامة والحرية.

روى مسلم عن أبي عمرو سفيان بن عبد الله الثقفي، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم».
في هذا الحديث -قليل الكلمات، عظيم المعنى-، صحابي جليل يسأل رسول الله ﷺ سؤالا قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، لقد طلب من النبي ﷺ أن يدله على شيء يعمل به في الدين، سأله عن شيء يستمر عليه ولا يلتفت إلى غيره.. لقد كان هذا الصحابي الجليل قادما مع وفد إلى النبي ﷺ، ولحرصه على الخير ولضيق الوقت سأل النبي ﷺ هذا السؤال، فأجابه عليه الصلاة والسلام بجواب جامع، يشمل الإيمان والعقيدة، ويشمل الأعمال الصالحة، ويشمل الطريقة التي ينبغي أن يسير عليها في حياته، أخذ هذا الرجل الكلمة وذهب، ورواها لمن بعده حتى وصلت لنا، فكانت نورا يهتدي به كل من سلك طريق الهداية عبر السنين.
الاستقامة هي سلوك طريق الإسلام، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات، وترك المنكرات، من غير غلو ولا تقصير، مع الثبات على ذلك.
ولنقف مع هذا الحديث وقفة محاولين من خلاله أن نرى أهم معالم الاستقامة، التي أمرنا الله سبحانه بها، وأمرنا بها نبيُّه عليه الصلاة والسلام.
فأول معالم هذه الاستقامة هو الإيمان بالله، والذي بدأ النبي ﷺ به، والإيمان هو القاعدة التي تتأسس عليها الاستقامة، ولا يمكن للعبد أن يستقيم إلا إذا آمن بالله حقا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «قل آمنت بالله» يشمل كل أبواب العقيدة التي يجب على المسلم معرفتها، من توحيد الله سبحانه وإفراده بالعبادة، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر… على العبد أن يؤمن بها إيمانا راسخا لا يتزحزح، وذلك لأن الاستقامة والثبات على الأعمال الصالحة لا يمكن أن يحصل إلا إذا كان عند المسلم إيمان قوي، وعقيدة راسخة، ويقين بأن دين الإسلام هو الدين الحق، وأن ما سواه باطل.
والذي ينظر في حال كثير من الناس في هذا الزمان، وبخاصة الشباب منهم، فإنه يلاحظ أن من أهم أسباب انصرافهم عن الطاعة هو عدم قوة الإيمان، وكيف لا يكون ذلك؟ ونحن نعيش في زمن مليء بالشهوات، مليء بالشبهات والأفكار المسمومة، وإذا كانت الاستقامة غير ممكنة بدون قوة الإيمان في زمن النبي ﷺ، فكيف بهذا الزمان الذي انتشرت فيه الأفكار التي تشكك في أصول الإيمان، من الإيمان بالله والرسالات، ونبوة سيدنا محمد على وجه الخصوص.. أفكار تشكك في سنته عليه الصلاة والسلام، وتشكك في ثوابت الإسلام، وهذه أفكار موجودة منتشرة في هذا الزمان، يستطيع أي طالب للشر أن يصل إليها بسهولة، وقد تدخل عليه هي من غير استئذان بواسطة وسائل التواصل، والذي يزيد الأمر سوءا وبلاء أن هذه الأفكار تدخل في أغلب الأحيان على نفوس لم تتحصن ضد هذه الأفكار، بل لا يوجد عندها ثقافة إسلامية كافية، بل لا يوجد عندها حتى ثقة واعتزاز بهذا الدين ورموزه، فإذا وردت هذه الشبهات على نفسية مهزومة غير مثقفة بثقافة الإسلام تمكنت منها وحرفتها عن الاستقامة، بل ربما عن الإسلام كله. 
المعلم الثاني من معالم هذه الاستقامة: هو عدم الالتفات إلى غير الوحي مصدرا لأخذ الدين، وهذا قد يؤخذ من قول الرجل: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. وهذا معلم مهم من معالم الاستقامة، فأصول الدين وثوابته واضحة جلية، لا تتغير ولا تتبدل عبر السنين، فمن ظن في نفسه نباهة وذكاء وراح يحرف ثوابت الدين بدعوى التجديد ومواكبة العصر، فأنكر الحدود مثلا، أو أنكر الحجاب، فليحتفظ بذكائه لنفسه، أو ليستعمل نباهته فيما ينفع المسلمين.
ومن أهم معالم الاستقامة كذلك: عدم الانحراف عن الطريق، وهذا يؤخذ من لفظ الاستقامة نفسه، وقد صرح به القرآن في قوله تعالى للنبي ﷺ: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)، والانحراف يكون بأحد أمرين: إما بالتفريط والتساهل، وإما بالإفراط والتشدد، ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر من العبد، أما التساهل فيكون بترك الواجبات أو فعل المحرمات، وأما الإفراط والتشدد فيكون بتحميل النفس ما لا تطيق من العبادة، بحيث يشق عليها الاستمرار، وهذا له آثار سيئة على الاستقامة، فالعبد مهما شدد على نفسه فإنه لن يبلغ مراده، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا»، وكذلك فإن العبد إذا حمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمل فإنه قد يؤدي به إلى ترك العبادة، وقد جاء في الحديث «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله».
ولذلك فإن الله تعالى قال في الآية: (فاستقم كما أمرت) أي: كما أمرك الله تعالى، فالاستقامة ليست تابعة للأهواء الشخصية، ولا للذوق، ولا لما يحبه الإنسان، بل هي تابعة لأوامر الله تعالى، ولو ترك الله تعالى الاستقامة لأهواء الناس، كل يستقيم بالطريقة التي يحبها لفسد الدين، ونحن نرى في هذا الزمان كثرة الدعاوى، فترى صاحب الطبع المتساهل يريد دينا يناسب تساهله وتفريطه، وترى صاحب الطبع الشديد يريد دينا يوافق شدته وغلظته، والدين بريء من الطرفين، فعلى العبد أن يوطن نفسه، ويخالف هواه وما يحب لأجل أمر الله سبحانه، وهذا هو المؤمن حقا. 
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعلمون)

الخطبة الثانية
في هذا الزمان الذي طغت فيه المفاهيم العلمانية والغربية عند كثير من الناس، يرى البعض بأن مفهوم الاستقامة فيه تقييد لما يسمونه بالحرية الشخصية، لأنه يمنع الإنسان عن بعض رغباته؛ والحق أن هذا الفهم ناشيء عن عدم فهم لطبيعة دين الإسلام، وعن غفلة عن طبيعة البشر، أما دين الإسلام فإنه مبني على العبودية لله سبحانه، وعلى الخضوع التام لأوامره، فإذا آمن الإنسان بأن الله تعالى هو الذي خلق الخلق وحده، وأنه دبّر أمور الخلق بمن فيهم البشر، وإذا آمن بأنه يجب عليه أن يخضع لله سبحانه، فإن من الأمور المتحتمة عليه أن يخضع جميع تصرفاته لهذا الخالق، فيفعل ما يأمر به، ويترك ما ينهى عنه، وهذه نتيجة طبيعية للإيمان، ولا يصح إيمان عبد يزعم أنه يُؤْمِن بالله ثم يقول: لا أريد أن ألتزم برسالته للبشر، ومن جهة أخرى فإن سعادة العبد لا تكون إلا بالخضوع لخالقه، ولا يجد راحة إلا في كونه عبدا لله سبحانه، ذلك لأن الإنسان فيه ضعف وحاجة وفقر لا ينفك عنه، وطبيعته وفطرته تملي عليه أن يتعلق ويخضع لشيء أعظم منه، فإذا خضع وتعلق بالله فاز في الدنيا والآخرة، وإن لم يتعلق بالله تعلق بشيء آخر ولا بد، وذلك لما جُبل عليه من حب الكمال والتعلق به، قال ابن القيم رحمه الله: "لا سبيل إلى السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال
والأخلاق ليس إلا هديهم، وما جاؤوا به فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها والروح إلى حياتها". 
عباد الله! إن قوما لم يفهموا هذا الأمر، فظنوا أن تمردهم على أوامر الله يجلب لهم السعادة، وظنوا أنه باستطاعتهم أن يكونوا مؤمنين بالله مع كونهم لا يسلّمون لأمر الله ولا يخضعون لشرعه، وقد رد الله تعالى على هؤلاء، وجعل إيمانهم مجرد زعم لا حقيقة له، فقال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). 
لقد ظنوا أن الشريعة أغلال وآصار، وأنهم إن تخلصوا منها فإنهم سيكونون أحرارا، لقد ظنوا أن الحرية تكون بالكفر بالله سبحانه، وبنشر الإلحاد بين الناس، وبإشاعة الفواحش بينهم، لقد ظنوا هذا، لكنهم لما تحرروا بزعمهم من العبودية لله صاروا عبيدا لغيره، فبعضهم صار عبدا لنفسه وهواه، وبعضهم صار عبدا لمن يقلده ويتبعه ويقتدي به في الباطل، وبعضهم صار عبدا للشيطان، ورحم الله ابن القيم لما قال:
هربوا من الرق الذي خلقوا له  فبُلوا برق النفس والشيطان









السبت، 7 يناير 2017


إطلالة سريعة على الغزو الفكري… بين التاريخ والواقع

أصل هذه المقالة محاضرة ألقيتها في بعض المدارس، وقد اشتملت على:
- عرض سريع للعداوة بين المسلمين والنصارى من خلال النصوص الشرعية ومن خلال الواقع.
- تاريخ دخول الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين، مع ذكر بعض وسائله
- عرض للغزو الفكري في واقعنا من خلال التعليم والمرأة
- مع التعرض لنظرة الإسلام للمرأة، وحكم الحجاب، والاختلاط...

الغزو الفكري على المسلمين موضوع مهم يمس حياة كل مسلم في هذا الزمان، وسأدخل إلى هذا الموضوع من مدخل تاريخي، كيف نشأ هذا الفكر؟ وما هي المراحل التي مر بها؟ وسبب البداءة بالعرض التاريخي أن النظر في التاريخ يساعدنا في على فهم الأمور التي نعيشها بشكل سليم… إذا أردت أن تفهم الواقع الذي تعيش فيه وتعلم كيف تتعامل معه، فإن مما يعينك على هذا الأمر: أن تنظر في التاريخ، لأن التاريخ فيه عبر.
 والإنسان الموفق والسعيد في حياته هو الذي ينظر في التاريخ ويستفيد منه العبر، ويأخذ منه الدروس؛ وغير الموفق والمخذول هو الذي يرى التاريخ ويرى الوقائع تتكر وتعود أمامه ثم لا يستفيد من هذا التاريخ، ولا يعرف كيف يتعامل مع الواقع.
بداية، الغزو الفكري ناشئ عن مسألة مهمة، أصل لها كتاب ربنا جل وعلا، وأصل لها نبينا ﷺ، هذه المسألة هي عداوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى للمسلمين، هذه المسألة من المسائل التي جاءت فيها آيات كثيرة، فهي حقيقة شرعية، وهي كذلك حقيقة تاريخية. 
سبب النزاع بين أهل الحق وأهل الباطل على مر العصور… الله تعالى خلقنا لغاية، هذه الغاية هي العبادة، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومعنى يعبدون: يوحدون، يعني: يفردوني بالعبادة، يعبدوني ولا يشركوا معي أحدا في العبادة، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، الله تعالى لم يترك أمة من الأمم، ولم يترك عصرا من العصور إلا وبعث فيه رسولا، لماذا؟ الجواب: (أن اعبدوا واجتنبوا الطاغوت)، وهذا هو التوحيد، هذا هو مقصود الله تعالى من خلق الخليقة؛ ولما كان الشيطان قد أخذ على نفسه العهد أن يضل بني آدم، وأن يحرفهم عن دينهم، وعن الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، كما قال تعالى عن الشيطان (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)، وقال تعالى عنه: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)، فالشيطان لا يوفر وسيلة ولا يألوا جهدا في أن يضل الإنسان بأي طريقة من الطرق؛ والشيطان قد نجح في إضلال كثير من الأمم، وفي صرفها عن دين الله تعالى، الذي أنزله على الأنبياء.
دين التوحيد الذي هو الإسلام هو دين جميع الأنبياء، أنزله الله تعالى على كل الأنبياء، على آدم وعلى نوح وعلى إبراهيم وعلى موسى وعلى عيسى، هو دين واحد، وإنما وقع التحريف من بعض أتباع هذه الديانات، كما حرف النصارى دينهم من التوحيد إلى الشرك، فصاروا يقولون بالتثليث، وحرف اليهود دينهم من التوحيد إلى الشرك، (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) يضاهئون يعني يشابهون، فدل على أن هذه المسألة متوارثة بين الأمم… إنهم يحرفون دين التوحيد إلى الشرك، يعبدون مع الله إلها آخر … ثم بعد أن رفع الله تعالى عيسى، وقع أتباع دينه في التحريف، ولم يبق من دين التوحيد الذي أنزله الله تعالى إليهم شيء.
… ولا يزال القتال والسجال مستمرا بين أهل الحق وأهل الباطل منذ فجر التاريخ، قتال بالسيوف وقتال بالكلام، قتال بالحجة والبرهان وقتال بالسيف والسنان، تارة ينتصر أهل الحق، وتارة ينتصر أهل الباطل، والله عز وجل قد يجعل أهل الباطل ينتصرون حتى يختبر أهل الحق… هل هم متمسكون بما عندهم من الحق أم لا.
ومن هذا أن الله تعالى أرسل نبينا محمدا ﷺ في فترة كان فيها انقطاع من الرسل، فهدى الله سبحانه وتعالى به الناس، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، هدى الناس إلى دين الحق، وقاتل الناس على ذلك، قاتل الناس لأجل أن يهديهم لدين الحق، كما قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فالنبي ﷺ إنما قاتل لأجل هذه الغاية النبيلة، هذا القتال الذي هو لأجل الدين، ولأجل التوحيد هو قتال لغاية سامية نبيلة، وليس كما نرى الآن الدول الغربية الكافرة، تقاتل لأجل المال، ولأجل المصالح، ولا يراعون في حروبهم هذه الناس، ويقتلون بلا رحمة… ومن الآيات التي جاءت في بيان أن القتال إنما هو للدين ولأجل الله: قولُه تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)… والآيات في هذا كثيرة.
ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيمن قاتل: النصارى، في مواقع، في معركة مؤتة (٨ هــ)، وذهب ليقاتلهم في تبوك (٩  هـ)، والله عز وجل هزمهم ففروا رعبا من النبي ﷺ، ثم بعد وفاته استمر الخلفاء الراشدون على قتال النصارى، (والكلام هنا على الدولة البيزنطية بالذات، لأن الحديث يدور حول التغريب ومكر النصارى ومحاولة تغييرهم لدين المسلمين) فوقعت معارك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كمعركة أجنادين، ومعركة بيسان، ثم فتحت دمشق، ثم حمص وحماة، ثم فتحت القدس، ثم سائر فلسطين وسوريا، ولبنان، وكل هذا في غضون سبع سنوات فقط… (الله عز وجل إذا علم من المسلمين الصدق فإنه يبارك لهم، ويجعلهم يحققون من الانتصارات في مدة قصيرة ما لا يحققه غيرهم)، وكذلك فتحوا مصر (٢٢هـ)، وتونس (٤٣هـ)، والأندلس (٩٢هـ)…
لماذا قدمت بهذا؟ لأبين سببا من الأسباب التي جعلت أهل الكتاب من اليهود والنصارى يضمرون الحقد والعداء للمسلمين؛ والسبب الأول لتلك العداوة هو أننا مسلمون، لأننا اهتدينا إلى دين الإسلام، وإلى دين التوحيد، وهم ضلوا عنه، وهذا الأمر ذكره الله تعالى في كتابه، فقال: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون)، وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)، وقال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)… لأنهم يحسدوننا على هذا الدين العظيم الذي نحن متمسكون به، وقال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)… هذه الآيات نستفيد منها هذه الحقيقة الشرعية وهي أنهم يعادوننا لأجل الدين، والأمر الثاني الذي يعادوننا لأجله هو أننا انتصرنا عليهم، وفتحنا بلادهم حتى ننشر فيها الهدى والنور، لا لنستفيد من مال ونضطهد فقراءهم كما يفعلون بنا! المسلمون لما فتحوا بلاد الغرب إنما فتحوها لأجل هدايتهم، ولإرادة الخير لهم.
إذا علمنا هذا الأمر، علمنا أنهم حقدوا علينا ثم أرادوا أن ينتقموا من المسلمين، وأن يثأروا لأنفسهم ولدينهم الباطل، فشنوا نوعين من الحروب على بلاد المسلمين: النوع الأول: هي الحروب المعروفة، التي تستخدم فيها السيوف والقنابل وتسيل فيها الدماء. والنوع الثاني: هي الحروب الناعمة المخملية، لا دماء فيها ولا سيوف، إنما فيها أفكار، وفيها شبهات، وفيها كفر وضلال.
نعرج على النوع الأول من الحروب، وقد ذكرنا طرفا منها… وقد استمرت الحروب بين المسلمين وأهل الكتاب على مر سنوات طويلة، ما بين غالب ومغلوب، الله عز وجل ينصرنا تارة، ويبتلينا تارة…. ومن أهم هذه الوقائع التي ظهر فيها حقد النصارى على المسلمين: واقعة سقوط الأندلس، حيث سقطت غرناطة - وهي آخر دولة للمسلمين هناك - عام ٨٩٦هـ، فلم يبق للمسلمين كيان هناك، وفي مقابل إحسان المسلمين إلى النصارى فيما سبق، قابل النصارى ذلك الإحسان بالإساءة والإجرام، فأجبر النصارى هناك المسلمين على الدخول في النصرانية، أو الهجرة، وكانوا يسمون من تنصر منهم بالنصارى العرب، وكانوا يعاملونهم بتمييز، ولم يقبلوا منهم أصلا هذه الديانة. 
والأمر الآخر الفظيع الذي ارتكبوه في حق المسلمين: ما يعرف تاريخيا بمحاكم التفتيش، وهي محاكم أنشأها قساوسة النصارى في الأندلس بُعيد سقوطها، هدفها البحث عن المسلمين المتخفين، فإذا رأوا مصحفا في بيت أحدهم، أو رأوه يصلي، أو رأوهم يتزين للعيد والجمعة، وقد يكشفون عن عورة الرجل ليروا أهو مختون أم لا… أي علامة على الإسلام كانت تجعلهم يأخذونه إلى تلك المحاكم ليعذب بأشد أنواع العذاب.
وطرق هذا التعذيب قد نقلتها كتب التاريخ، وهي وسائل فظيعة، منها: أنهم كانوا يجعلونهم يشربون الماء حتى الاختناق، وقد يضعون الواحد منهم في صندوق يقطر عليه الماء حتى يغرق، وقد يضعونهم في توابيت المسامير، وأحيانا كانوا يسحقون عظامهم، ويجلدونهم بالسياط التي فيها أشواك حديدية… ولم يكتفوا بذلك حتى حولوا المساجد إلى كنائس، ودقوا فيها النواقيس بعدما كان يرفع فيها الأذان، قد ذكر بعض شعراء المسلمين شيئا من تلك المآسي، ورثى حال الأندلس، فقال:
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم     واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم     عليهمُ من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ     لهالك واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما     كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت     كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة      والعين باكية والقلب حيران 
لمثل هذا يموت القلب من كمد    إن كان في القلب إسلام وإيمان

هذا نموذج من ذلك الحقد، ونموذج آخر للحقد: وهو ما يعرف بالحروب الصليبية، وقد كانت قبل سقوط الأندلس، وهي عدة حملات صليبية شنها النصارى على بلاد الإسلام في الفترة الواقعة ما بين أواخر القرن الخامس إلى أواخر القرن السابع (٢٠٠ عام)، حاولوا أن يغزوا المسلمين بتلك الحروب ولم يفلحوا، كانوا يؤذون المسلمين وتقوم لهم بعض الدول، أخذوا المسجد الأقصى، وحرر على يد صلاح الدين الأيوبي - وقد كان له دور كبير في صد هذه الحملات على بلاد المسلمين-. 
وقد أظهرت هذه الحروب وحشية وهمجية تعامل أهل الكتاب مع المسلمين، (بخلاف الحروب التي شنها المسلمون لإعلاء كلمة الله، التي لم يقتلوا فيها النساء والأطفال والرهبان، بل سلمت منهم الأشجار)…. ثم لما فشلت هذه الحملة وهُزِموا وخرجوا من بلاد المسلمين، بدت لهم فكرة الغزو الفكري، أو التغريب، حيث إنهم علموا أن الحروب وحدها لن تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم، فلا بد من وسيلة أخرى، وهي: 
الغزو الفكري، والمراد به: تغيير وتحريف أصول دين الإسلام ومفاهيمه الأساسية، حتى يتمكنوا من احتلال المسلمين، وانتهاك ثرواتهم.
وسنتكلم عن نموذج لهذا الغزو، وهو الغزو الفرنسي لمصر عام  (١٧٩٨م)، وهي المعروفة بحملة نابليون بونابرت، فبعد أن غزاها واحتلها بدأ بالغزو الفكري، فكان يدعي الإسلام، ويقول إنه هو وقومه يحبون الخير للمسلمين، ويريدون تحسين الأوضاع المعيشية للمسلمين، ورفع الظلم عنهم، وكان ينشر بين الناس منشورات فيها هذه المضامين، ومن أهم الأمور التي حاول فعلها: هو تنحية الحكم بالشريعة، فكان يسوّق بين الناس قانونا اسمه قانون نابليون، وكان يحاول - بالتدريج- أن ينحي الحكم بالشريعة عن بلاد الإسلام. 
ومن أهم الأمور التي دعا إليها أنه دعا اليهود أن يأتوا إلى فلسطين من كل أقطار العالم، وفي الوقت ذاته يدعي حب المسلمين… وهذا هو الخبث، يظهر الوجه الحسن وحب المساعدة، ويكيد ويطعن في الجهة الأخرى… 
ومن الأمور التي فعلها أنه أتى معه بحملة علمية للتنقيب عن آثار الفراعنة، وهدفه من ذلك زعزعة ولاء المسلمين للإسلام، وذلك بتحفيزهم على الانتماء للفراعنة، وذلك بإظهار “حضارة وتقدم” وآثار الفارعنة؛ وهم لا يطمحون لأن يترك المسلم دينه، لكنهم يرضون بزعزعة انتماء المسلم لدينه، وبخلخلة عقيدة الولاء والبراء عنده.
… بعدما خرج نابليون من مصر خلف بعده عائلة محمد علي باشا، وكان لمحمد علي باشا دور كبير في التغريب، وفي الغزو الفكري، فكام من أهم الأمور التي فعلها: أنه نشط ابتعاث أبناء المسلمين للغرب بحجة تعلم العلوم الدنيوية، وقد كانوا يذهبون بنفسيات مهزومة مهزوزة، وعقيدة مزعزعة، فلما رأوا التطور وانفتاح باب الشهوات هناك، تشربوا هذه الأفكار العلمانية وعادوا بها لينشروها بين الناس، وكان هؤلاء من النخبة، فكان الواحد منهم لما يشكك في ثوابت الإسلام وحضارة المسلمين يسمع له الناس، ويؤثر فيهم.
ومن الأمور التي فعلها محمد علي باشا أنه فتح المدراس التغريبية في مصر، وقد كان لها مميزات تفوق بمراحل جامعات مصر ومدارسها، فالدراسة فيها قصيرة وعند التخرج يحصل الطالب على وظيفة في الحكومة مباشرة، مع حصوله على راتب أعلى من غيره، بينما كان الذي يدرس في الأزهر يدرس طويلا، ولا يحصل إلا على راتب قليل، فيعيش فقيرا… فأحب الناس المدارس التغريبية لذلك.
وهدف هذه المدارس هو إبعاد المسلمين عن دينهم، لتسهيل السيطرة عليهم، وليعودوا كما كانوا قبل الإسلام، أوزاعا منتاحرين، لا دولة لهم.
وسبب انبهار المسلمين في ذلك الوقت بالحضارة الغربية، -وهو ذاته سبب انبهارهم بها الآن- هو الهزيمة، وقد ذكر ابن خلدون أن  الأمم المهزومة والضعيفة ينبت فيها حب التشبه بالأمم الأقوى… بدءا بالأفكار والمعتقدات، نهاية بالمظاهر، وإذا نظرت إلى أيام عز المسلمين، رأيت عكس ذلك، فكان الأوروبيون يحرصون على التشبه بلباس العثمانيين، لأنهم كانوا أمة ضعيفة. 
… وسبب آخر لهذا الانبهار: وهو ضعف العقيدة في النفوس.

الكلام عن صور الغزو الفكري المعاصر
ماذا نستفيد من هذا الكلام؟ هل هذا الأمر موجود عندنا؟
هذا الأمر موجود في واقعنا ونعايشه كثيرا لكن باسم آخر، سابقا كان باسم التبشير، واليوم باسم العلمانية أو الليبرالية، النصارى في هذا الزمان تركوا دينهم، فهم لا يحتكمون إلى دينهم، لا في الأمور الاجتماعية ولا الساسية ولا الاقتصادية، قد ابتعدوا عن دينهم وتركوه، لكنهم لم يتركوا حقدهم الصليبي على المسلمين، الذي يهدف إلى إخراجنا من دينا، فصاروا يمارسون ذلك بهذه الوسيلة الجديدة وهي العلمانية والليبرالية، ومن أهم الأمور التي ركزوا عليها: التعليم والمرأة.
أما التعليم، فقد عاثوا فسادا في المناهج الدراسية، فالمناهج الدراسية الآن للأوروبيين دور كبير في التحكم فيها، ومن أثرهم في هذه المناهج: أنهم همشوا أمور العقيدة، جعلوها بشكل ضئيل، أو بشكل منفر، كذلك نحوا من المناهج الأخلاق المحمودة كالغيرة والعفة والشهامة والمروءة، وأحلوا مكانها بعض المفاهيم كتهوين الاختلاط، وتحرير المرأة، وحرية العقيدة، وهذه كلها مفاهيم مخالفة لدين الإسلام.
كذلك من وسائهم في العبث في التعليم: أنهم يأخذون خيرة أبناء المسلمين إليهم بحجة التعليم.
ومنها: تنشيطهم للجمعيات التغريبية في المدارس، حيث إنهم لما يدخلون المدارس لا يقولون للطلاب: نريد أن نغرس فيكم العلمانية، ولا يقولون: نريد نزع الحجاب عن المرأة، ولا يقولون: نريد نشر الاختلاط… هم يهدفون -بشكل أولي- لمجرد الدخول إلى المدراس، والحصول على حب الشباب لهم، فهم أصحاب نفس طويل (فالتغريب الذي حدث في مصر أخذ منهم ١٠٠ عام)، فيدخلون باسم عمل الرحلات المدرسية، والنشاطات التربوية، ودورات تطوير الذات، ودورات القيادة، ويظهرون للطلاب أنهم يريدون تقديم الخدمات والمساعدة لهم، لكن أهدافهم المنشورة والمعلنة -والتي نحن نغفل عنها- تقول غير ذلك… وقد يدسون بعض تلك المفاهيم خلال تلك الدورات، كتشجيعهم للمرأة على العمل و”الثقة بالنفس”، ورفض “العادات والتقاليد”.
أما موضوع تحرير المرأة فهو من أهم الأمور عندهم، ومعناه وغايته نزع الحجاب عن المرأة، وتسهيل اختلاطها بالرجال، ورفع ولاية الرجل عنها.
فيقولون: إن إلزام المرأة بالحجاب ظلم للمرأة، وفي تولي الرجل عليها اضطهاد لها؛وهذا غير صحيح، لأن نظرة الإسلام للمرأة موافقة للفطرة، فالإسلام لم يسو بين المرأة والرجل في كل شيء، فالمرأة ليست كالرجل، لا في الخلقة، ولا التفكير، والإسلام يعطي كلا على قدر قدراته وطاقته وهذا هو العدل… (المرأة من ناحية التكليف والثواب والعقاب، والعقيدة ودخول الجنة والنار هي كالرجل)، والإسلام قد خص الرجال بأوامر لم يكلف بها النساء، فهل يأتي أحد ويقول هذا تمييز ضد الرجل! الإسلام أوجب على الرجال الجهاد، وشهود الجمعة، والنفقة… ولم يوجبها على النساء، للعلة التي ذكرنا.
ومن الأحكام التي خص الإسلام المرأة بها: الحجاب، لأن الرجل بطبيعته يميل إلى المرأة، والمرأة كذلك تميل إلى الرجل، لذلك فقد وضع الإسلام بعض الحواجز بين الرجل والمرأة، من باب المحافظة على العفة والفضيلة، ومن باب منع الرذائل في المجتمع، فألزم المرأة بالحجاب الشرعي، قال تعالى: (يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، وهذا الأمر فريضة، وليس حرية شخصية، وواجب على كل ولي للمرأة أن يلزمها بلبس الحجاب، وواجب على الحكام أن يلزم النساء بلبس الحجاب… ليست حرية شخصية….
وطريقة التغريبيين في التهوين من الحجاب أنهم يقولون: إن الحجاب حرية شخصية، من أحبت أن تتحجب فلتفعل، ومن لا تريد فلها ذلك؛ وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي ميز الإسلام فيها المرأة عن الرجل: موضوع الميراث، فأعطى للرجل ضعف المرأة، لأن الرجل -في الأصل- هو الذي يعمل وهو الذي يكد، وهو المكلف بالإنفاق، ومن الأمور التي ينادي بها التغريبيون: المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهذا موجود في بلادنا، فإذا أرادت المرأة أن تأخذ كالرجل فإنها تستطيع ذلك عن طريق المحكمة! وهذا مخالف لدين الإسلام.
ومن الأمور التي يركزون عليها: تسهيل الاختلاط؛ والإسلام حرم الاختلاط، والمراد به أن يكون المرأة والرجل في مكان واحد، سواء كان محصورا أو واسعا.
قال ابن القيم: "ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المستمرة".
لا تضع الزيت بجانب النار ثم تقول: لا أريد إشعال النار، هل يمكن أن تضع المرأة بجانب الرجل، في مكان واحد، ولا يحدث الميل، ثم النظر، ثم الابتسامة، ثم الكلام، ثم الموعد، ثم اللقاء، ثم الزنا؛ هذا تسلسل طبيعي، معروف عند العقلاء.
ومن شبهات التغريبيين في هذا الباب أنهم يقولون: كلما جعلنا المرأة تتبرج، وكلما جعلناها تختلط بالرجل، فإن ذلك يجعل الرجل يزهد فيها، ويقولون: أنتم لما تمنعون الاختلاط، وتلزمون المرأة بالحجاب فأنتم تسببون الكبت الجنسي عند الجنسين؛ وهذه دعوى كاذبة، كاذبة من حيث الأصل، لأن هذه فطرة ومهما عريت المرأة، وأكثرت من الاختلاط فإنك لا يمكن أن تزيل ذلك الميل في قلب الرجل والمرأة.
وكاذبة من حيث الواقع الذي يعيشونه هم، فالدول الغربية الآن هي دول التعري والاختلاط، ومع ذلك فإن الاعتصاب عندهم بلغ حدا مهولا، إذن هذه نظرية كاسدة، وكلام فاسد، يريدون ترويجه علينا حتى نقع فيما هم واقعون فيه، كما قال تعالى عن الكفار: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء).
والحكمة من منع الاختلاط هي الحفاظ على العفة وسد الذريعة أمام الخنا والفجور.
الأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن)، هذا الخطاب وجهه الله تعالى لأمهات المؤمنين، وهو يشمل كل النساء المؤمنات بإجماع المفسرين، ومعنى القرار أن تجلس المرأة في بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة، لماذا؟ لأن الوظيفة التي أعطاها الإسلام للمرأة هي تربية الأبناء، وتوفير الجو المناسب للرجل، حتى يبدع.
المرأة العاملة هل تستطيع أن تهتم بأبنائها حق الاهتمام، هل تستطيع أن تعطي الزوج حقه، كلا، بل الواقع أنها تقصر في حق أبنائها وزوجها، قال النبي ﷺ: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، ولاحظوا الدور العظيم الذي أعطاه الإسلام للمرأة… راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها، هل هذا اضطهاد للمرأة؟! هذا الدور ليس هينا، هذا دور عظيم، المرأة هي الحاضنة التي يوفرها الإسلام للرجل، حتى تخرج الأبطال والمبدعين، كما كان الحال قديما.
وقال النبي ﷺ لنسائه لما حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر»، وهذا ليس اضطهادا للمرأة. 
وليس معنى هذا عدم الخروج مطلقا، تخرج للحاجة، قد تخرج للتسوق، قد تخرج للعمل إذا احتاجت، ونحن لا نقول إن العمل محرم على المرأة إذا احتاجت، لكن المحظور هو أن تكون المرأة منافسا للرجل في العمل، كما هو الحال الآن، وهذا سبب مشكلة البطالة الآن، لأن هناك حصة معلومة كبيرة للمرأة في العمل. مَن الأولى ليحصل على العمل، الشاب الذي يريد أن يتزوج ويفتح بيتا وينفق على أسرة، أم المرأة التي تعمل، وتنفق -غالبا- كثيرا من مالها على الزينة واللباس؟!
ومن شبههم في تجويز الاختلاط: صلاة الجماعة…، وهذا في الواقع دليل على حرمة الاختلاط، لأن النبي ﷺ فصل بين الرجال والنساء، وقال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، لتكون المسافة بعيدة. وكان النبي ﷺ يأمر الرجال إذا انتهت الصلاة أن يبقوا في أماكنهم حتى تخرج النساء وحدهن، بل إنه جعل بابا خاصا بالنساء، وقال: «لا يدخل منه إلا النساء»، وهذا دليل على حرمة الاختلاط، لا على مشروعيته، وهناك أدلة كثيرة على هذا الأمر، من أهمها: أدلة غض البصر، فالإسلام أمر بغض البصر، وإذا كان يأمر بغض البصر فمن باب أولى تحريم الاختلاط، لأنه لا يمكن غض البصر مع الاختلاط…والأدلة كثيرة في ذلك، وهو من الأمور المسلمة في الإسلام، فالمسلمون ما عرفوا الخلاف في هذا إلا في العصر الحديث، فإن القول بجواز الاختلاط لا يعدو أن يكون أثرا من آثار الغزو الفكري.

وبعد، فإن الذي ينظر في حال كثير من شباب اليوم ليرى تشتت الرؤية، وعدم وضوح الهدف أمامهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للتغريبيين؛ وهذه تنبيهات على أصول في هذا الباب، أسأل الله جل وعلا أن ينفع بها.