الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

[جواب مختصر حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد 
أما بعد
فإن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف من الأمور التي يتكرر عنها السؤال كل عام. وقد انقسم الناس في حكم ذلك ما بين مانع حاكم على الاحتفال بأنه بدعة أو محرم، وما بين مجيز لذلك مستحب له.
وهذه كلمة أحاول فيها بيان الحق في المسألة إن شاء الله.
فأقول: 
من المسائل التي اتفق عليها المانعون والمجيزون أن النبي ﷺ وصحابته وتابعيهم لم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ.
وأول من أحدث هذه المواد هم العبيديون.
وعليه فقد تمسك المانعون بهذا الأصل، وحكموا على هذا الفعل بأنه بدعة، بناء على تعريف البدعة في الشرع، وهو: طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها التقرب إلى الله سبحانه. 
فالمولد متفق على أنه شيء محدث، وقد قام المقتضي لفعله في عهد النبي ﷺ، ومع ذلك لم يفعله، ولم يفعل ما يؤصل له، من إظهار فرح أو تعظيم لهذا اليوم كل عام كما يفعله بعض الناس الآن. 
بل إن اختلاف العلماء في تحديد يوم مولد النبي ﷺ، وعدم وجود اتفاق من الصحابة -مثلا- على يوم معين لميلاده ﷺ يدل على أنهم لم يحتفلوا بهذا اليوم، ولم يخصوه بشعائر أو أعمال خاصة. 
وفاعل المولد يقصد بذلك الأجر والثواب من الله تعالى بهذا الفعل، ويستحسن هذا الفعل شرعا، إذا فهذا الفعل بدعة.
ونستطيع القول إن هذه النقطة، بالإضافة إلى تحرير معنى العيد -كما سيأتي- هما الركيزة الأساسية عند المانعين من الاحتفال بالمولد.
وهذا أصل راسخ واضح منضبط في الشريعة.
وللمانعين أدلة وتفاصيل أخرى سيأتي بعضها خلال مناقشة أدلة المجيزين للاحتفال.

أما المجيزون فإنهم أجازوا الاحتفال بالمولد منطلقين من أمور، قد تجتمع عندهم وقد تفترق، منها:
  • أن الاحتفال من البدع، الحسنة.
  • أن الاحتفال ليس عبادة.
  • أن النبي ﷺ احتفل بيوم مولده من خلال صيام يوم الاثنين.
  • أنه من باب تعظيم ومحبة النبي ﷺ وتعلم سيرته.
  • ذكر نقول -صريحة أو محتملة- عن بعض العلماء في تجويز الاحتفال أو إقراره.

- أما النقطة الأولى، وهي قولهم: إن الاحتفال من البدع الحسنة؛ فهو قائم على تقسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، أو على تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام: محرمة، ومكروهة، ومباحة، ومستحبة، وواجبة.
قالوا: الاحتفال وإن كان لم يفعله النبي ﷺ فإنه من البدع الحسنة، فالفعل يشترط أن يكون مخالفا للشرع حتى نحكم عليه بأنه بدعة، والاحتفال بالمولد ليس مخالفا للشرع، ولا يوجد نص يحرمه.
وقد قال عمر رضي الله عنه عن صلاة التراويح جماعة: نعمت البدعة هذه. وجمع أبو بكر المصحف في مكان واحد، وزاد عثمان الأذان الأول يوم الجمعة، وهذه بدع حسنة، والمولد مثلها.
ويمكن الإجابة عن هذا من خلال أمور:
الأمر الأول: البدعة في اللغة هي مجرد الإحداث، أو الإتيان بشيء جديد، سواء كان من أمور الدين أو الدنيا، وعليه فالبدعة بالمعنى اللغوي ليست مذمومة بالكلية كما سيأتي التفصيل في ذلك.
الأمر الثاني: دلت النصوص الشرعية بوضوح على أن مجرد زيادة شيء في الدين بقصد التقرب إلى الله تعالى يعتبر مخالفة، وليس شرطا أن يأتي نص يحرم كل فعل محدَث، بل الأصل المنع من أي فعل يقصد به التقرب إلى الله تعالى إذا لم يكن لهذا الفعل مستند في الشرع.
ومن هذه النصوص قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، فجعل مجرد التشريع بغير إذن من الشارع اعتداءً ومخالفة.
وقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فجعل مجرد الإحداث سببا في رد العمل وعدم قبوله، ولم يقيد ذلك بمخالفة نص خاص.
وأخبرنا سيدنا ونبينا محمد ﷺ أن كل البدع الدينية مذمومة، بقوله: «وكل بدعة ضلالة»، وهي صيغة عموم.
وبناء على مثل هذه النصوص وضع العلماء تعريفهم للبدعة في اصطلاح الشرع بأنها: طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها التقرب إلى الله سبحانه. 
وعليه فكل إحداث في الدين يقصد به التقرب إلى الله فهو مذموم، وليس فيه حسن.
الأمر الثالث: ما ورد من تقسيم بعض العلماء إلى البدعة إلى خمسة أقسام قائمٌ في الغالب على المعنى اللغوي للبدعة، وهو مجرد الإحداث، فمن تأمل الأمثلة التي مثل بها بعضهم لكل قسم فإنه سيرى أنها ليس من البدع عند أحد، ولا تدخل في المعنى الاصلاحي للبدعة الذي سبق بيانه.
فمن ذلك أن بعض العلماء ذكر الرد على أهل الكفر مثالا على البدع الواجبة، قاصدا بذلك إحداث ردود على ما يجد من أفكار كفرية، أو الإتيان بردود جديدة على أفكار ضالة سابقة؛ وهذا ليس داخلا في تعريف البدعة الاصطلاحي، بل في البدعة اللغوية من جهة تجدد أفراده، وهناك كثير من النصوص تؤصل لمشروعية الرد على أهل الكفر والضلال.
ومن ذلك أن بعض العلماء ذكر إحداث المآكل والمشارب كمثال على البدع المباحة؛ وهذا ليس داخلا في تعريف البدعة الاصطلاحي كذلك، لأنه لا يراد به التقرب إلى الله سبحانه.
وهكذا من تأمل كثيرا من الأمثلة التي يذكرونها وجدها خارجة عن محل النزاع.
وهذا لا يعني عدم وجود من قسم هذا التقسم ومثل بما هو من البدع فعلا، لكن المراد هنا لفت النظر إلى أن الاعتماد على هذا التقسيم لا يسعف المجيزين في هذا المقام.
الأمر الرابع: قول عمر رضي الله عنه عن صلاة التروايح جماعة: "نعمت البدعة هذه"، أراد به المعنى اللغوي، فصلاة التراويح جماعة لا تدخل في تعريف البدعة الذي تقدم ذكره، لأن النبي ﷺ فعلها، ثم ترك صلاتها جماعة خوفا من أن تفرض على الناس، فعمر رضي الله عنه لم يأت بشيء جديد في هذا.
الأمر الخامس: فرق بين المصالح المرسلة وبين البدع، فالمصالح المرسلة -كجمع المصحف، وزيادة الأذان الأول يوم الجمعة- لم يقم المقتضي لها في عهد النبوة، ولم تكن حاجة لذلك، فلما جدت الأمور في عهد أبي بكر وخافوا على المصحف الضياع بعدما استحر القتل بالقراء جمعوا المصحف، وقول أبي بكر لعمر -لما اقترح عليه جمع المصحف-: "كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ" يدل على استقرار هذا الأصل عند الصحابة، فلم يخرح الصحابة عن هذا الأصل إلا لأمور استجدت، لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ.
ومثل هذا يقال في إحداث الأذان الأول يوم الجمعة.
على أن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فجعل لما سنوه نوع خصوصية.
أما الاحتفال بمولد النبي ﷺ فقد كان المقتضي له قائما في عهده عليه الصلاة والسلام، كرفع مكانة النبي ﷺ وحبه وتقديره، ومع ذلك لم يفعله، ولم يرشد إليه، ولم يفعله الصحابة من بعده، وهم أشد الناس حبا وتعظيما له ﷺ.
الأمر الخامس: ما يذكرونه من إحداث بعض الصحابة لبعض العبادات، كقول ذلك الصحابي بعد الركوع: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه… لا دلالة فيه على مرادهم، لأن النبي ﷺ أقرهم على ذلك، ونحن لا يوجد من يقرنا أو يمنعنا، فهم كانوا إذا فعلوا هذا يعلمون أن هناك نبيا يوحى إليه سوف يقوّم فعلهم إن كان خطأ.
ويبين ذلك أن النبي ﷺ كان ينهى في بعض الأحيان عن بعض ذلك، كما قصة الرجل الذي نذر أن يقوم ولا يقعد، وألا يستظل، وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يجلس، وأن يستظل، وأن يتم صومه.

- أما قولهم: إن الاحتفال بالمولد ليس عبادة، بل هو عادة، وعليه فلا يدخل في البدع.
فالجواب: أن مجيز الاحتفال إذا جمع في حجته بين أن الاحتفال من البدع الحسنة، وبين أنه ليس عبادة= فقد وقع في تناقض واضح، فإما أن يكون الاحتفال عبادة وإما أن يكون عادة.
وعليه فإن وجد من يحتج بأن الاحتفال هو عادة فقط، وأنه لا يقصد به الثواب، ولا التقرب إلى الله ﷻ= فالجواب عليه من خلال تحرير معنى العيد في الشريعة، وما هو موقف الشريعة من إحداث الأعياد، ويبين هذا أمران:
الأمر الأول: أخبرتنا النصوص الشرعية بأن الأعياد عند المسلمين ثلاثة أعياد فقط، عيد الفطر والأضحى ويوم الجمعة، ولم تفتح الشريعة الباب مشرعا أمام إحداث الأعياد، لأنها لم تعاملها معاملة العادة المحضة، بل جعلت لها بعدا دينيا من جهة المنع من إحداث شيء جديد منها.
يدل على ذلك منع النبي ﷺ أهل المدينة من الاحتفال بيومين كانوا يحتفلون بهما قبل الجاهلية، وقال: «قد أبدلكم الله خيرا منهما يوم العيد ويوم الفطر».
فقوله ﷺ: «قد أبدلكم» يفيد عدم إمكانية الجمع بين المبدل والمبدل منه، ولو لم يكن النهي عن الاحتفال بغير أعياد الإسلام مقصودا لما عبر بهذا اللفظ.
وقال ﷺ في حديث عائشة: «إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا»، وهذا فيه حصر.
وقال ﷺ للرجل الذي نذر أن يذبح إبلا ببوانة: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟»
فإن قال قائل: الاحتفال بالمولد ليس عيدا، وأنا لم أجعله عيدا؛ فالجواب من خلال:
الأمر الثاني: وهو أن العيد اسم لما يعود ويتكرر على وجه معتاد، وذلك بأن يعود كل عام أو كل أسبوع في يوم معين.
والضابط الذي يضبط لنا معنى العيد من غيره أمران: التكرار، والاجتماع له وما يتبع ذلك من عادات أو عبادات.
قال ابن تيمية: فالعيد يجمع أموراً: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها: أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات.
وعليه فكل اجتماع في يوم يتكرر كل عام مثلا، مع تخصيصه باجتماع أو تعظيم فهو عيد، وإن لم يسمِّه صاحبُه عيدا.
وهذا يشمل ما كان لمناسبات دينية كالمولد والإسراء والمعراج، أو مناسبات دنيوية كيوم الاستقلال، أو أعياد الميلاد الفردية. 
ويشمل كذلك ما كان أصله من الأعياد تشبها بالكفار، وما كان حادثا من بعض أهل الإسلام.
وحكمها جميعا أنها أعياد زائدة على أعياد الإسلام، فالأصل أن الاحتفال بها ممنوع، لما تقدم.

- قولهم: إن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين، وهذا احتفال بمولده، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: «فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ».
وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
فالجواب من وجوه:
الأول: أن النبي ﷺ صام يوم الاثنين لفضله، فهو يوم ترفع فيه الأعمال، ويوم ولد فيه النبي ﷺ، ويوم أنزل فيه الوحي على النبي ﷺ، فسبب صيامه أساسا هو فضل هذا اليوم، بدليل أنه كان يصوم معه الخميس.
والشريعة تخص الأوقات الفاضلة بأمور فاضلة لتزيد من شرف الجهتين، كما خصت شهر رمضان بالصيام، لكونه ظرفا لنزول القرآن.
الثاني: من صام بالنية المتقدمة فلا حرج عليه في ذلك إذا لم يخصصه بيوم معين في السنة، فالنبي ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يرشد إليه.
الثالث: ليس في الصيام معنى الاجتماع الذي في العيد، وليس فيه أي شبه بالاحتفال بالمولد.

- أما ما يذكرونه من نصوص عامة في محبة النبي ﷺ ومكانته، وأهمية تعلم سيرته؛ فهذا ليس محل النزاع، بل كل مسلم يسلّم بهذه الأمور.
وهذه الأمور لا دلالة فيها على مشروعية الاحتفال. 

- وأما ما يذكرونه من كلام لبعض العلماء؛ فنحن لا ننكر وجود من يجيز ذلك، لكن المراد هنا بيان الصواب في هذه المسألة، وطريقة ذلك تكون بالرجوع إلى النصوص ابتداء، ثم الاستشهاد بأقوال العلماء.
وإذا كانت الحجة في أقوال العلماء ابتداء فإن هناك نقولا كذلك عن علماء متقدمين ومتأخرين في المنع من الاحتفال.

وختاما أود التنبيه إلى أن منع الاحتفال هو من باب تعظيم شريعة النبي ﷺ واتباع أثره، وليس فيه أي انتقاص من منزلة النبي ﷺ كما يحاول البعض أن يدلس لتشويه موقف المانعين من الاحتفال.

والله أعلم.

الجمعة، 17 نوفمبر 2017

عبادة التفكر
عناصر الخطبة:
  • أهمية التفكر في مخلوقات الله ﷻ. 
  • التفكر في أحوال الأمم الغابرة.
أخرج ابن حبان عن ابن عمير أنه قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ قال: فسكتت، ثمّ قالت: لمّا كانت ليلة من اللّيالي قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، ذريني أتعبّد اللّيلة لربّي». قلت: والله إنّي لأحبّ قربك وأحبّ ما سرّك. قالت: فقام فتطهّر، ثمّ قام يصلّي. قالت: فلم يزل يبكي حتّى بلّ حجره، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ لحيته، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فلمّا رآه يبكي. قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت عليّ اللّيلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْباب)».
صفة عظيمة من أهم صفات المؤمنين، وعبادة كريمة لطالما حرص عليها أصحاب اليقين… إنها عبادة التفكر.. التفكر في مخلوقات الله سبحانه، والتفكر في أحوال الدنيا، طلبا لليقين، وطلبا للموعظة، وطلبا لعلو الهمة في العمل الصالح.
التفكر -عباد الله- هو أن يكرر الإنسان التفكير فيما يراه حوله من المخلوقات، وفيما يحدث حوله من حوادث، فيما مر ومضى من أحوال الأمم الغابرة… وإن من رحمة الله تعالى بخلقه أن جعل سبيل الوصول إلى معرفته وتقوية الإيمان به أمرا يسيرا، فأدلة خلق الله تعالى للكون بين أيدينا، نراها ونسمعها، وسنة الله في خلقه حاضرة في تواريخ الأمم، وهوان الدنيا وسرعة ذهابها أمر ظاهر، ولكن كثيرا من الناس يغفلون عن التفكر في هذه الآيات مع عظمها، وذلك لأن الإنسان إذا اعتاد رؤية شيء معين فإنه يغفل عما فيه من دقة خلق، ويغفل عما فيه من دلائل وآيات، ويغفل عما فيه من مواعظ تحرك القلوب، ولا يزيل هذه الغفلة إلا تكرار التأمل والتفكر في هذه الأمور.
لذلك فقد أمرنا الله تعالى أن نتفكر في مخلوقاته، ومدح عباده الذين يتصفون بهذه الصفة.. لم يرد الله ﷻ من عبده المؤمن أن يكون قاسي القلب غافلا عما يوجد حوله من آيات ودلائل. بل يريد من عبده أن يكون دائم الفكرة والتأمل فيما يراه ويسمعه.
والأمور التي أمرنا الله تعالى أن نتفكر فيها كثيرة، وكل منها يؤدي إلى نتيجة إيمانية، أو سلوكية مختلفة. فمن هذه الأور التي حثنا الله تعاىلى على التفكر فيها: التفكر في المخلوقات وما فيها من إبداع خلق، حتى نصل إلى اليقين وقوة الإيمان بأن هذه المخلوقات لا بد لها من خالق عليم قدير قوي حكيم. 
ولنتأمل في هذه الآيات التي تلاها النبي ﷺ وبكى ليلة كاملة متفكرا فيها، وقال: «ويل لن قرأها ولم يتفكر فيها». يقول سبحانه في آخر سورة آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيآتنا وتوفنا مع الأبرار…). فقد ذكرت هذه الآيات أن من صفات أصحاب العقول الراجحة أنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض وما فيهما من عجائب الخلق، وأنهم يأخذون منها دلائل على وجوده سبحانه، لتقوية إيمانهم ويقينهم، وأن هذا التفكر ترك عليهم أثرا، ظهر من خلال إقبالهم على العبادة كما في قوله: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا)، ولما علموا عظيم قدرة الله تعالى جعلهم هذا يخافون اليوم الآخر وما فيه من أهوال، ثم ترك عليهم هذا التفكر أثرا في سرعة استجابتهم للحق وتسليمهم لأوامر هذا الخالق العظيم، كما قال عنهم: (ربنا إننا سمعنا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا…).
وقد ذكر الله تعالى في القرآن كثيرا من المخلوقات التي نراها حولنا، وهي من أعظم الأدلة على وجوده وكماله سبحانه، فذكر الشمس والقمر، والليل والنهار، إنزال المطر وإخراج النبات بسببه، وذكر الرعد والبرق، والسحاب والنجوم، وتسخير الرياح لذلك، وتسخيرها لسير السفن في البحر، وذكر خلق الإنسان من عدم، وحثنا على التفكر في الزواج، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وجعْلِ الليل سكنا لنا، وذكر لنا المراحل التي يمر الإنسان بها في حياته، وتفضيل بعض الناس على بعضهم في الرزق، وذكر لنا النحل والإبل والجبال، وغير ذلك. 
وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي لما سئل عن دليل وجود الله تعالى فقال: هذه ورقة التوت، تأكله الدود فيخرح منها الحرير، وتأكله النحل فيخرج منها العسل، وتأكلة الشاة والبقر والأنعام فيخرج منها الروث، وتأكله الظباء فيخرح منها المسك.. كل هذا والتوت شيء واحد.
عباد الله! إن من كان في قبله غفلة أو هوى، لا تنفعه هذا الآيات التي يراها ويسمعها من حوله، لذلك قد أنكر الله تعالى على الكفار عدم اتعاظهم بهذه الآيات موجها لهم إلى التفكر فيها فقال: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون. وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون).
لكن أصحاب القلوب القاسية يحاولون الهرب من هذه الدلالات التي تقنع العقل، وتدخل إلى القلب رغما عنه.. وفي هذا الزمن يحاولون رد أي ظاهرة إلى تفسيرات علمية ترجعها إلى أي سبب.. المهم أن لا يقولوا: هي من عند الخالق العظيم، ومشكلتهم ليست في ذكر السبب العلمي، فالإسلام علمنا أن كل شيء مما نراه حولنا له سبب، لكن من هو الذي يخلق هذا السبب؟ من الذي يجعله سببا؟ هنا يقف الملاحدة، ويحالون الفرار، يقولون: الزلازل تحدث بسبب تحرك طبقات الأرض، نعم هذا سبب، فمن الذي يحركها؟ من الذي يخلق هذا السبب؟ يقولون: المطر يأتي بسبب اختلاف الضغط الجوي، نعم هذا صحيح، فمن الذي يخلق هذا السبب؟ ومن الذي يجعل الكون يسير بهذا النظام؟ ومن الذي أتقن خلق الإنسان؟ أكل هذا جاءت به صدفة عمياء؟! (تعالى الله عما يشركون).
الخطبة الثانية
عباد الله! إن من أهم الأمور التي أمرنا الله تعالى أن نتفكر فيها: التفكر في أسباب هلاك الأمم الغابرة.. أمم بلغت من التطور الحضاري قمته، وبلغت من القوة ما بلغت، مع ذلك أُفنيت في لمح البصر.. إنهم لم يشكروا الله سبحانه على نعمة القوة والتقدم، بل سخروها في سبيل الشرك ونشر الفواحش والمعاصي، فأبادهم الله تعالى.. ولقد حثنا القرآن على أخذ الموعظة من هذه الأحداث التاريخية في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون. ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوؤى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون).

إننا إن عجزنا عن أخذ العبرة من التاريخ فما هي فائدة عقولنا، وإذا لم نعلم أن المصائب والزلازل وانقطاع المطر قد تكون عقوبات أو إنذارات من الله تعالى فما فائدة علومنا..  هل سنستجلب رحمة الله تعالى بالمعاصي؟ هل سنجلبها بسب الله تعالى؟ أم بتحيكم غير شريتعه؟ أم بنشر الفواحش؟ أو بإفساد الشباب والفتيات بالاختلاط المحرم؟ أم بإقامة الحفلات الماجنة؟ أم بظلم بعضنا لبعض؟ أم بالجبروت والطغيان؟ لكن الإشكال ليس في عدم وجود العقول والقلوب، فالعقول والقلوب موجودة.. لكن الإشكال هو في عدم استخدام هذه العقول وهذه القلوب بالطريقة الصحيحة، حتى غدت كأنها غير موجودة، قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

الخميس، 9 نوفمبر 2017

الشوق إلى لقاء الله ﷻ 
عناصر الخطبة:
  • ما هو الشوق إلى لقاء الله ﷻ.
  • الشوق إلى لقاء الله تعالى من صفات الصالحين.
  • الشوق إلى لقاء الله من أسباب علو الهمة.
عن السائب بن مالك، قال: كنا جلوسا في المسجد، فدخل عمار بن ياسر فصلى صلاة أخفها، فمر بنا فقيل له: يا أبا اليقظان: خففت الصلاة. فقال: أوَ خَفيفةً رأيتموها؟ قلنا: نعم. قال: أما إني قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله ﷺ، ثم مضى فاتبعه السائب فسأله عن الدعاء، ثم رجع فأخبرهم بالدعاء: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْينِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلَكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غيرِ ضَرَّاءٍ مُضِّرَةٍ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإيِمَانِ، وَاجْعَلنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ».
دعاء نبوي عظيم، اشتمل على معاني كثيرة، يطول فيها الكلام، ويفنى في بيانها المداد، لكننا نريد من نقطف ثمرة واحدة من هذه الحديقة الغناء، ونحاول أن نتكلم عن معنى عظيم واحد، من المعاني الكثيرة التي اشتمل عليها هذا الحديث ألا وهو: الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى.. هذا المقام الإيماني العالي، الذي عبر عنه النبي ﷺ في هذا الدعاء من خلال أكثر جملة، فقال في أول الدعاء: «أَحْينِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»، وقال في آخره: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلَكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة».
عباد الله! أتدرون ما هو الشوق إلى الله تعالى؟ هو أن يحب العبدُ ربَّه، ثم تزيد هذه المحبة في قلبه على كل ملاذ الدنيا وشهواتها، حتى إنه ليتمنى أن يخرج سريعا من هذه الدنيا، لا لشيء إلا ليلقى الله ﷻ، ولذلك فإن النبي ﷺ لما ذكر الشوق إلى لقاء الله تعالى قال: «في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة»، فالضراء هي ما يلحق الإنسان من مصائب في هذه الدنيا، والفتنة هي انتشار العصيان لله تعالى في الأرض وانتشار الفتن حتى يخاف العبدُ على دينه.. هذان السببان هما ما يدعوان إلى تمني الموت في الغالب: أن يتمنى الإنسان الموت لمصيبة وضيق نزل به، وأن يتمناه خوفا على دينه من الفتن، لكن ليس هذا ما أراده النبي ﷺ، فالشوق إلى لقاء الله هو أن تقوى تلك المحبةُ في قلب العبد، حتى يشتاق إلى لقاء الله، لشدة محبته لله وليس لأي سبب آخر.
إذا وصل العبد إلى هذه المرتبة الإيمانية فقد وصل إلى النعيم الدنيوي، وعاش في ريح الجنة قبل أن يدخلها، ولذلك كان بعض الصالحين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف.
وسر هذا الشوق هو تغلّب محبة الله تعالى على محبة الدنيا، فالقلب إذا كان غارقا في الدنيا وشهواتها لا يمكنه إدراك هذه المعاني، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وإن الشوق إلى لقاء الله تعالى هو من صفات صفوة عباد الله وخيرهم، ها هو النبي ﷺ يرى المطر نازلا فيحسر ثيابه عن جسده الشريف ليصيبه المطر، فيُسْألُ عن هذا فيقول: «إنّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِربِّه».
وازداد شوقه لربه في آخر حياته، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاس: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمُنَا بِهِ.
وها هو موسى عليه الصلاج والسلام يتعجل إلى لقاء الله تعالى فقيول: (وعجلت إليم رب لترضى)، بل ويطلب منه أن يراه شوقا إليه فيقول: (رب أرني أنظر إليك)، ويسأله الله تعالى عن عصاه (وما تلك بيمنك يا موسى) فيطيل الجواب استئنانا بالكلام مع الله تعالى فيقول: (هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غني ولي فيها مآرب أخرى).
ولما حضرت بلالَ بنَ أبي رباحٍ الوفاةُ وغشيته سكرات الموت قالت امرأته: واكرباه، فقال لها بلال: بل وافرحاه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه. ويقول الحسن: والذي نفسي بيده ما أصبح في هذه القرية من مؤمن إلا وقد أصبح مهموماً محزونًا، ففروا إلى ربكم وافزعوا إليه؛ فإنه ليس لمؤمن راحة دون لقائه. ويقول عبد الله بن زكريا: لو خيرت بين أن أعيش مائة سنة في طاعة الله أو أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه؛ لاخترت أن أقبض في يومي هذا وساعتي هذه شوقا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وإلى الصالحين من عباده.  وقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وشوقه إلى ربه. وقال ذو النون: ما طَابَتِ الدنيا إلا بِذِكْرِه، ولا طَابَتِ الآخرة إلا بِعَفْوِه، ولا طَابَتِ الجنة إلا بِرؤيته.
إنه شوق يبقى مع المؤمنين حتى بعد دخولهم إلى جنان النعيم، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: تَلاَ رَسُولُ الله ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَاد: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا يُحِبُّ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ الله مَوَازِينَنَا؟ وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُخْرِجْنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ الله شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْه».
الخطبة الثانية
إن محبة الله ﷻ والشوق إلى لقائه هي من أكثر الدواعي التي تدعو الإنسان إلى العمل الصالح والجد، يقول ابن القيم: فالشَّوق يَحْمِل المشتاق على الْجِدّ في السير إلى مَحْبَوبِه، ويُقَرِّب عليه الطريق، ويَطْوِي له البعيد، ويُهَوّن عليه الآلام والْمَشَاقّ، وهو مِن أعظم نِعْمَة أنْعَم الله بها على عَبْدِه.
في معركة بدر صاح النبي ﷺ في أصحابه وقال لهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنة». فألقى عميرُ بنُ الحُمَامِ تمراتٍ كانت في يده وقال: والله إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات.. فقاتل حتى قتل.
وتأملوا قصة أبي الدحداح كيف حرك الشوق قلبه وألبسه حب البذل والعطاء اشتياقاً للأجر العظيم من الله، فعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: وإن الله يريد منا القرض؟ قال النبي ﷺ: «نعم يا أبا الدحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله، قال فناوله رسول الله يده، قال فإني أقرضت ربي حائطي قال: حائطه له ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادي يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: أخرجي من الحائط فإني أقرضته ربي عز وجل.

إن محبة الله تعالى ومحبة من يحبونه تجبر ما عند المؤمن من نقص في الأعمال الصالحة، وتجعله في مصاف الصالحين، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً قََالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟» قَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَال: «فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلاَمِ  فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، لِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ.

الخميس، 26 أكتوبر 2017

وعد بلفور
عناصر الخطبة:
  • من أهم أسباب الظلم الواقع على المسلمين: عداوة الكفار للمسلمين، وحالة الضعف العامة.
  • الغزو الفكري وأثره في تطويع بعض المسلمين.

(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
في هذه الأيام تمر علينا ذكرى أكبر مهزلة في تاريخ البشرية المعاصر… لقد كان الناس يظنون أن الإنسان إذا لم يكن مالكا لشيء فإنه لا يحق له التصرف فيه، فلا يحق لك مثلا أن تبيع بيت جارك، أو أن تهديه لصديقك مثلا.. لقد كان هذا هو المعيار العقلي والديني الذي تتعامل به البشرية، حتى جاء وعد بلفور، وحتى جاء الكرم الإنجليزي ليعطي حقا في فلسطين لشرذمة عاثت فسادا في الكرة الأرضية، جاء هذا الكرم على حساب فلسطين..
ولكن لحظة.. هل هذه الحالة من قلب الموازين، والعبث بالعقل البشري حالة جديدة حقا؟ أم أنها قديمة؟ إذا تأملنا كتاب ربنا وجدنا أن هذه الحالة ضاربة في القدم.. ما من طاغية ولا ظالم ولا داع إلى الكفر والضلال إلا استخدم هذه الطريقة، ها هو فرعون الطاغية الكافر، يقول لقومه محذرا لهم من موسي عليه الصلاة والسلام: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد) مع أن فساد فرعون وظلمه وكفره لا يخفى على أحد. وها هم قوم لوط يقولون: (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) فجعلوا الطهارة والعفة جريمة. بل ها هم كفار قريش يتعجبون من دعوة النبي ﷺ لهم إلى التوحيد فيقولون: (أجعل الآلهة إلها واحدا).. وهكذا في كل حين يظن الطغاة والظلمة أنهم بقوتهم وجبرتهم يمكن أن يستمروا بسلب الحقوق وخداع العقول.
ولكن إذا حاولنا أن نقف على سبب هذا الظلم الذي وقع علينا، وإذا نظرنا في نصوص الشرع فإننا سوف نجد أن هناك سببين رئيسين لمثل هذه الحالة من الهزيمة التي تتكرر كلما تكرر سببها: هذان السببان هما: عداوة الغرب الكافر للمسلمين، وحالة الضعف التي مرّ ويمر بها المسلمون.
ـ أما العداوة بيننا وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهي من الحقائق الشرعية والتاريخية التي لا يمكن لأحد أن يشكك فيها، لقد أخبرنا تعالى أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنا حتى نترك ديننا ونتبع دينهم المحرف فقال: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)، وقال: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا).
فهل بعد هذه الآيات التي تصرح بوجود العداوة بيننا وبينهم مقال، وهل هناك مقال بعد كل تلك الحروب التي جرت بيننا.. وهل بعد فلسطين والعراق وسوريا وأفغانستان وأراكان والصومال وغيرها.. هل بعد كل هذا الخراب الذي حل في بلاد المسلمين يكون هناك عذر لمن يريد أن يغمض عينيه عن هذه الحقيقة.. وهذا يوقفنا على أن عداوة الكفار لنا هي شيء حقيقي، وليس نظرية مؤامرة،وليست أوهاما كما يقول البعض.
- وأما السبب الثاني -وهو حالة ضعف المسلمين-، فإنه لما كان ذلك الحقد الصليبي لا يمكن أن يزول من قلوب الغرب على المسلمين، فإنهم يستغلون أي حالة ضعف يمر بها المسلمون، يستغلونها ليبعدوا المسلمين عن دينهم، ويستغلونها لقتل المسلمين واحتلال بلادهم. 
قال ﷺ: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
لقد استغل الكفار حالة بُعْد المسلمين عن دينهم، واستغلوا ضعفهم وانقضوا على بلاد المسلمين وتقاسموها، ونهبوا خيراتها، ثم وضعوا بينها ذلك الكيان السرطاني الخبيث.. نعم إنه خبيث، لقد ملؤوا الأرض فسادا ولا دولة لهم، فكيف وقد صارت لهم دولة، لقد أراد الغرب بإنشاء كيان اليهود على أرض المسلمين أن يضمن بقاء المسلمين ضفعاء بعيدين عن دينهم، تابعين لغيرهم.
عباد الله! فلنتأمل في هذا الحديث الذي وصف النبي ﷺ حالة ضعف المسلمين، وذكر لنا فيها أسباب هذا الضعف، لقد بين النبي ﷺ أن حالة الضعف في المسلمين في آخر الزمان ليست بسبب قلة العدد، فإنه ذكر أن عدد المسلمين كثير، ولكن الخلل في التربية على هذا الدين، هذه التربية الإيمانية التي تزرع العقيدة في القلوب، وتجبل النفوس على العزة والكرامة، وتجعل النصر وإعلاء كلمة الله تعالى غاية لا يقف في وجهها موت الأبطال، ولا فقد الأحباب، ولا فوات الدنيا، ولا قلة الطعام والشراب، تربية تجعل الدنيا مسخّرة لخدمة هذا الدين، ولا تجعلها غاية بحد ذاتها، تربية تَهون النفوس فيها لأجل إعلاء راية التوحيد، ورفع الظلم عن المظلومين.. لقد وصف النبي ﷺ عموم الأمة في ذلك الزمان بأنهم غثاء كغثاء السيل، وغثاء السيل لا قيمة له، فما هو إلا أمور لا حاجة لها تطفو على سطح الماء.. وغثاء السيل لا يعرف اتجاهه، فهو يسير مع السيل كيف سار.
ولكن لماذا يصل أحفاد أبي بكر وعمر إلى هذا الحال؟ لماذا يتردى نسل البطولة إلى هذا المستوى؟ السبب هو أنهم خالفوا طريق أجدادهم، وحادوا عن السبيل، قال عليه الصلاة والسلام مبيننا سبب ذلك: «ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن» ثم فسر الوهن بأنه حب الدنيا وكراهية الموت.. وحب الدنيا سببه البعد عن الدين، والانفتان بدنيا الكفار، وترك الجهاد في سبيل الله.
هذا يعطينا درسا؛ وهو أن التمسك بالدين هو العامل الأساسي لتحصيل النصر، ولرفع الظلم، واسترداد الأرض والمقدسات، وأن الجهاد في سبيل الله تعالى هو ما يوفر العزة والكرامة للأمة، وهو الذي يخوف أعداءنا منا، ويجعلهم يكفون شرهم عنا ويحسبون لنا ألف حساب: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المومنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا).
الخطبة الثانية:
فإن من من أهم مكايد الأعداء لتطويعنا: جعل بعض المسلمين ينظرون إلى الغرب على أنهم مخلصون منقذون، ويرون أن الاقتداء بالغرب والثقة بهم هي طريق النجاح.
وهذه النظرة لا تختلف كثيرا عن وعد بلفور، فهي قلب للموازين، وفهم للمعادلة بشكل معكوس، ولست أدري ما هو الفرق بالنسبة لنا بين دولة اليهود التي تحتل أرضنا، وبين دول أوروبا التي دعمت دولة اليهود، وشرعنت حقهم فيها، ودعمتهم بالسلاح والمال والسياسة، بل إنه لولا أوروبا وأمريكا لما كانت دولة اليهود.. إنهم لا ينتصرون إلا بمساعدة من غيرهم، كما قال تعالى: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس)، فما هو الفرق إذا بين التطبيع مع الغرب والتطبيع مع اليهود.
عباد الله! في بلاد فلسطين، وعلى أنغام وعد بلفور ينشأ جيل تطبيعي بامتياز، لا يحمل أي ممانعة تجاه ما يفرضه الغرب، وما يطلبه من تنازلات عن الدين والثقافة، وأول هذه التنازلات هو تحييد دين الإسلام من معادلة الصراع مع اليهود، وحصره في حالة قومية علمانية، لا ترى لدين الإسلام أي قيمة في تحرير فلسطين..
فهل هذا هو طريق النصر الموعود؟ هل يأتي النصر عن طريق تذويب ثقافة المسلمين في حضارة الغرب؟ هل يأتي النصر بالحفلات الغنائية؟ هل يأتي النصر بالدعوة إلى تحرير المرأة من الدين ومن الحجاب؟ هل يأتي النصر بإشاعة الاختلاط بين الشباب والبنات؟ هل من طريق التحرير أن نخرج شبابنا وبناتنا في رحلات ترفيهية مختلطة؟ وهل جعل المناهج الدراسية ألعوبة بيد الضائعين سيجعل أبناءنا بحال أفضل؟
دعوات لا تعرف إلا تقليد الغرب في كل شيء إلا فيما هو نافع.. هزيمة نفسية، لا تريد إلا دينا مهجنا متسامحا مع الظالم والمحتل..

عباد الله! هذه الأرض أرض ارتوت بدماء الصحابة، ارتوت بدماء أبطال المسلمين، وقبل ذلك فإنها تشرفت بأن وطئتها أقدام محمد ﷺ.. لا يحق لأحد، ولن يستطيع أحد أن يخرج دين الإسلام أو يهمشه من معادلة الصراع مع اليهود.. (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

الجمعة، 6 أكتوبر 2017

التبرج والاختلاط
الأسباب والعلاج
عناصر الخطبة:
  • أهمية مسألة الحجاب.
  • بعض أسباب انتشار التبرج.
  • بعض سبل محاربة هذه الظهارة.
(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، الحجاب فريضة ربانية على نساء المسلمين، حصل فيها خلل كبير في هذا الزمان، وسنحاول أن نقف على بعض النقاط الرئيسة المتعلقة بهذا الموضوع.
إن المقصد الأساسي من الحجاب ومن كل عبادة هو الامتثال والتسليم لأمر الله تعالى وتحقيق العبودية له، وهذا الامتثال هو المعلم الأساسي من معالم شخصية المسلم والمسلمة، فالله تعالى أمر المرأة بالحجاب كما أمرها بالصلاة والصيام، لأنه يحب أن يرى امتثال النساء الصالحات لأوامره سبحانه، ثم إن الحجاب بعد ذلك له حكم وفوائد عظيمة تعود على المرأة والرجل وعلى المجتمع بأسره، فالحجاب الشرعي المتسوفي للشروط يحمي المرأة ويحمي المجتمع.. يحمی المرأة من أصحاب النفوس الضعيفة التي تتحين الفرصة للاعتداء أو الإيذاء بأي صورة من الصور، ويحمي المجتمع من شيوع الفواحش فيه.. وهذه الحكمة الربانية هي الحل العملي الوحيد الذي يضع حلا لمشاكل الأسرة والاغتصاب والتحرش، ومن نظر إلى معدلات الاغتصاب والتحرش في البلاد التي يشيع فيها العري، مع عدم قدرة تلك الدول المتقدمة ماديا على وضع لحد لهذه المشكلات التي توجب غضب الرب، وتهدم المجتمع= علم يقينا أن الإسلام قد أتي بالحل الجذري لهذه المشاكل.. وعلم يقينا أن مسألة الحجاب ليست من الأمور الثانوية أو الهامشية، بل هي من أهم الأمور التي ينبغي أن تُلفت إليها الأنظار وتوجه لأجلها الجهود، إنها مسألة تجلب غضب الرب، وفساد المجتمع، إنها ليست مسألة هامشية عند المصلحين.. وهي كذلك ليست مسألة هامشية عند المفسدين، ومن تأمل حرص الكفار على محاربة الحجاب ومفاهيم قوامة الرجل على المرأة وحرمة الاختلاط ونحو ذلك.. ومن تأمل تصنيفهم للناس والدول بالتشدد أو الاعتدال، بحسب مواقفهم من ملف المرأة =علم أن موضوع المرأة عندهم هو من الأمور الرئيسية، التي لا "تسامح" فيها، ولا "قبول فيها للآخر"، فإفساد المرأة يسهل عندهم إفساد المسلمين جميعا. 
إن مسألة فرضية الحجاب وحرمة الاختلاط بين الرجال والنساء ليست من المسائل التي فيها أخذ ورد في الإسلام، بل نصوص الكتاب والسنة حسمت هذه المسألة، ولم تجعلها محلا لتبادل وجهات النظر، ومن هذه النصوص قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، وقال: (ولا يبدين زينتهن إلاما ظهر منها)، وقال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وقال: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب).. لقد قصدت الشرعة من الحجاب أن تستر زينة المرأة ومفاتنها عن أعين الرجال.. هذا هو مقصد الحجاب ستر الزينة وليس إظهار الزينة، وذلك للحكم التي ذكرنا بعضها، إلا أننا في زماننا قد صرنا نرى التساهل في الحجاب والاختلاط، ومن صور هذا التساهل: التساهل في شروط الحجاب الشرعي، فقد تلاعب كثير من الناس بصفة الحجاب حتى جعلوه زينة بدل أن يكون لستر الزينة، ومن ذلك: انتشار الجلابيب الضيقة التي تفصل معالم الجسم، وانتشار الملابس المزخرفة الملونة، ولبس البنطال،  والتأخر في لبس الجلباب بزعم صغر سن الفتاة، ووضع المكياج عند الخروج، وكثرة الخروج إلى الأسواق، والتساهل في ستر العورات في الصالات والأفراح، إلى غير ذلك من صور الخلل. 
ومرادنا هنا أن نحاول التعرف على بعض الأسباب التي أدت بنا إلى هذه الحال.
فأول هذه الأسباب: ضعف الوازع الديني الذي يحمل المرأة على الالتزام بأوامر الله سبحانه، فالتقوى ومخافة الله ﷻ كفيلة بأن ترد أي إنسان إلى رشده وتعيده إلى الطرق الصحيح.
ومن هذه الأسباب: الجهل بأهمية الحجاب، والحكمة من تشريعة، فكثير من النساء لا يعرفن أن الحجاب فريضة عليهن كالصلاة، ولا يدركن أهمية ذلك لهن وللمجتمع، فالحجاب عند كثير من النساء لا يعدو أن يكون عادة أو إجبارا ترتديه بالحد الأدنى لتتخلص من كلام المصلحين في إنكار التبرج.
ومن هذه الأسباب: الغزو الفكري.. لقد عاشت أمة الإسلام عصورا ودهورا تحافظ على حجاب نسائها، حتى جاء الاستعمار فأكل خيرات بلاد المسلمين واحتل بلادهم، إلا أن الاستعمار كان له دور فيما هو أعظم من تخريب الديار.. لقد عمل على تنحية الشريعة من حياة الناس، وعمل على تغيير معالم هذا الدين الذي أذل الكافرين، هذا الدين الذي كانت له دولة يدفعون لها الجزية ويحسبون لها ألف حساب، لقد عملوا على تغيير معالم الإسلام في شتى المجالات، ابتداء من تغيير الحكم بالشريعة، إلى العبث بمفهوم الجهاد والغاية منه، إلى إضعاف الصفة الجامعة بين المسلمين جميعا واستبدالها بروابط أخرى كالقومية والوطنية، إلى غير ذلك من معالم الإفساد.. وملف المرأة كان له أهمية كبيرة عندهم، فحرصوا على إنشاء الجمعيات، وصنع الشخصيات والأبواق، وعلى شراء الأقلام الرخيصة في سبيل تحرير المرأة من أحكام الإسلام.. لقد عملوا بخبث ودهاء وصبر، حتى لا يتصادموا بشكل مباشر مع المسلمين، ولقد نجحوا بكل أسف في ذلك مع كثير من المسلمين، فنشروا التبرج في كثير من البلاد، وأشاعوا فيها الاختلاط والفواحش تحت شعارات التحرر والتقدم والرقي والحضارة، حتى راجت بضاعتهم على كثير من الناس بحسن نية.. لقد صار مألوفا أن تسمع من الفتيات أن الحجاب حرية شخصية، أو أنها غير مقتنعة به.. إلى غير ذلك من الكلمات التي فيها الإنكار الضمني لكون الحجاب فريضة ربنانية من عند الله تبارك وتعالى.. لقد عملت المسلسلات ووسائل الإعلام الباحثة عن الرزق، والجمعيات التغريبية ومثقفو البلاط على بث تلك المفاهيم بين الناس.
ومن هذه الأسباب: غياب الحياء.. ويحضرني هنا موقف عظيم، موقف يقف الإنسان أمامه حائرا متأملا.. فاطمة رضي الله عنها تمرض، فتأتي أسماء بنت عميس تزورها وتحدثها، فتقول فاطمة: والله إنّي لأستحي أن أخرج عند الرجال في وضح النهار ليس عليّ إلا الكفن!! لأن النعوش لم يكن لها جوانب تستر الميت عن الأعين، تستحي وهي ميتة وعليها ثلاثة أكفان أو أكثر… بعدما مات عمر رضي الله عنه ودفن في حجرة عائشة مع صاحبيه قالت عائشة رضي الله عنها: والله ما دخلت إلا وأنا مشدود علي ثيابي حياء من عمر… مشية فتاة صالحة ينزل قرآن يتلى إلى يوم القيامة يصف لنا كيف مشت تلك الفتاة، إنها فتاة صالحة ابنة الرجل الصالح تأتي إلى موسى عليه الصلاة والسلام لتوصل له دعوة أبيها له، يقول الله تعالى في ذلك: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء)، إن حياء المرأة عند العلمانيين ليس مهما، بل هو عندهم عيب وخلل وعقدة نفسية، يحرصون على تخليص فتياتنا منه، لكننا لو تأملنا في حكمة ذكر هذا التفصيل الدقيق أثناء ذكر تلك القصة ذات الأحداث الرئيسية الكثيرة= علمنا أن الحياء وبخاصة في النساء هو من الأمور التي دعت إليها كل الشرائع وعظمتها. 
إن المسلسلات الهابطة ومناهجنا الدراسية وكثيرا من الجمعيات التغريبية قد نجحت في نزع الحياء عن كثير من الفتيات عن طريق عرض النماذج السيئة من النساء على أنهن قدوات يقتدى بهن، أيعلم أبناؤنا وبناتنا سيرة حياة أمثال هدى شعراوي.. نزعوا عنها الحياء من خلال بث بعض المصطلحات البراقة التي تخدع العقول: كحرية المرأة، وتمكين المرأة، قالوا لها: ثقي بنفسك فأنت قوية، لا تخافي من زميلك، لستِ بحاجة إلى الحجاب لتحمي نفسك، ولست بحاجة إلى الجلباب لتكوني ملتزمة بدينك إلى آخر تلك القيم الهابطة، التي يبثونها عمليا بين فتياتنا من خلال تلك الدورات التدريبية التي تغري الكثيرين.
ومن هذه الأسباب: غياب دور الأهل: فالأهل هم الحاضنة الأولى التي تربي وتزرع، وبتني وتنشيء، وغياب دورهم في التعليم والتثقيف بل والإلزام بالجلباب له دور كبير في فشو هذه الظاهرة، وهو إثم كبير قبل ذلك.
ومن هذه الأسباب: المناهج الدراسية: فدور المناهج في بث الثقافة بين الأجيال الناشئة دور لا ينكره أحد، وبما أننا مسلمون فالواجب علينا أن تعالج منهاجنا الدراسية هذا الأمر من خلال بث قيم الحياء والفضيلة في نفوس البنات وتربيتهن على ذلك، والواجب أن تبين مناهجنا أهمية الحجاب وكونه فريضة ربانية على كل مسلمة، ولا شك أن خلوها من ذلك هو خلل كبير فيها، فكيف إذا كان الحال عكس ذلك، كيف إذا كان الحال أن المناهج توحي إلى فتياتنا بالتوجه إلى التبرج بطرق غير مباشرة.
ومن هذه الأسباب: الزي المدرسي: ففرض زي مدرسي مخالف للشريعة على الفتيات البالغات من أهم عوامل انتشار التبرج، وذلك لأن الزي المدرسي له قبول عند كثير من الناس لما فيه من الرسمية، وأكثر الناس -وللأسف- يتابعون ما يملى عليهم من دون تفكر في حِل أو حرمة ذلك، كما أن التزام الفتاة البالغة بالزي المدرسي يهون في عينها خطر التبرج، ويهون عليها الالتزام بشروط الحجاب، فإذا انتهت من المرحلة المدرسية لم يكن من السهل عليها أن تلبس الجلباب الشرعي. 
ومن أعظم هذه الأسباب: التقليد الأعمى: وهو البلاء العظيم، وهو من أشد الأسباب التي تحمل فتياتنا على عدم الالتزام بشروط الحجاب.. هناك كثير من الفتيات يعرفن شروط الحجاب، ويعرفن مخالفة أكثر الملابس الموجودة لصفة الجلباب الشرعي، لكن يشق عليها أن تخالف صفة ملابس صديقاتها وجاراتها.. لقد عم البلاء، وصار لبس الجلباب الشرعي المستوفي للشروط أمرا نادرا، بل قد يكون وضعا غريبا عند كثير من الناس.. والواجب علينا هنا عباد الله أن نعلم بناتنا أن الصواب ليس دائما في فعل أكثر الناس، وأن الله تعالى لا يعذر من يترك الطاعة حرصا على رضا الناس، أو خوفا من ذمهم، بل ذلك سبب للإثم والخسارة في الدنيا والآخرة، قال ﷺ: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخظ عليه الناس».. فالواجب أن نعظ بناتنا، وأن نذكرهن بأهمية طاعة الله تعالى، وعقوبة المعصية، وأن نبين لهن خطر التبرج والاختلاط على الدين وعلى المجتمع. 

الثانية
إذا علمنا أسباب هذه الظاهرة فالوجب علينا أن نعالجها بمحاربة أسبابها: فلنعلم بناتنا أهمية الحجاب، وأنه فريضة ربنانية تجلب رضا الرب وصلاح المجتمع.. فنعلمهن أن الغرب وثقافته ليست قدوة لنا، وإن ديننا فيه كل يصلح حالنا في الدنيا والاخرة.. فلنغرس فيهن الحياء منذ الصغر، فالحياء كفيل بأن يجعل الفتاة تبادر إلى الجباب قبل أ نيطلب منها أحد ذلك.. فلنحارب مشاهدة المسلسلات والقنوات الهابطة التي تبث القيم الفاسدة بين المسلمين.. فلنلبسهن الجلباب الشرعي عند الذهاب إلى المدرسة، ولنقل لا للزي المدرسي المخالف للحجاب.. فلنعمهن أن الله تعالى سيسأل كل فرد منا عن عمله، ولن ينفعه تلقيد غيره، ولن يشفع له عند الله.

هذه عباد الله أمانة، كل منا سيُسأل عن زوجته وبناته، وهذا ليس بالأمر الهين اليسير، بل هو شأن عظيم عظيم عند الله تبارك وتعالى، (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).