الجمعة، 28 يوليو 2017

هنا الأقصى
عناصر الخطبة:
* الفرح بنصر الله تعالى.
* بقاء الأمل في أمة الإسلام.
* أهمية دور العلماء في قضايا الأمة.
* أهمية الرجوع إلى دين الله تعالى لتحقيق النصر.

(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)
الانتصار على العدو وشفاء غليل المظلوم من أعظم النعم التي امتن الله تعالى بها على الناس، فكما أن النصر فيه تمكين للحق وأهله، ونشر للخير، ودحض للباطل، فإن فيه معنى نفسيا مهما لنفوس البشر، ألا وهو الفرح بالنصر، وشفاءُ الصدر. ولعظم هذه النعمة، وأهميتها بالنسبة لكل فطرة سليمة، فقد شرع الله تعالى لعباده الفرح بالنصر، وشرع لهم أن يتشفوا بأعدائهم، ولذلك شواهد عديدة في القرآن الكريم، فقوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون) إنما نزل في خبر انتصار الروم على الفرس، وقد نزلت بمكة، لما كان الصحابة فيها مستضعفين، يدخل الحزن والقهر في نفوسهم، فوعدهم الله تعالى بأنهم سيفرحون بنصر الله تعالى بعد بضع سنين.
وتأملوا تلك الآية الكريمة التي عرضت لنا مشهد إغراق فرعون وقومه، حيث يقول الله تعالى فيها: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)، لاحظوا قوله تعالى: (وأنتم تنظرون)، قال أهل العلم: إن الله تعالى أغرق فرعون وقومه أمام أعين بني إسرائيل ليكون ذلك أشفى لصدورهم.
وانظروا إلى تلك الآية الكريمة التي وصفت لنا مشهد القتال وجعلت إنزال الهزيمة والعذاب بالعدو وشفاءَ الصدور، جعلتها من الأمور التي تحث النفس على القتال حيث قال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيدكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم).
إن إلحاق الغيظ والهزيمة النفسية بالكفار هو من الأعمال المرضية عند الله سبحانه، كيف لا، وهم قد حادوا الله وكفروا به، وصدوا الناس عن دينهم (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدنا فتربصوا إنا معكم متربصون).
عباد الله! إن الله تعالى رحيم بعباده، ومن تمام رحمته أن يتمم النصر بالفرح وشفاء الصدور، وكيف لا يشفي المظلوم صدره وقد علاه الظالم وقهره، ومنعه من عبادة ربه وإقامة دينه سنين عددا، وأخذ ماله وأرضه واستباح عرضه.. ومن تأمل في هذا المعنى تجلت له عظمة التشريعات الربانية، التي تراعي خفايا الصدور وخلجات النفوس، وتوجهها التوجيه السليم.
عباد الله! لقد عاينا بالأمس مشاهد عظيمة، شفت صدور المؤمنين، وأغاظت الكافرين، مشاهد لطالما تشوقت نفوس المؤمنين لرؤيتها، مشاهد أعادت لنا شيئا من الأمل، جلعتنا نرى شيئا من النور وسط ذلك الركام والظلام، وحق لنا عباد الله أن نقف مع ذلك المشهد التاريخي المهيب الذي دخل فيه المسلمون إلى المسجد الأقصى، بعد صبر ومصابرة، في مشهد أحرق قلوب اليهود وأكبادهم حتى لم يستطعوا أن يقابلوه إلا بالقمع والإجرام.. حق لنا أن نقف معه وقفات.
أما الوقفة الأولى فهي وقفة تبعث الأمل في نفوس الأمة، لقد أخبرنا النبي ﷺ بأن الخير لا ينقطع في هذه الأمة، وأنها أمة تنبض بالحياة ولو تكالب عليها الأعداء.. فمع الهزائم العسكرية التي مني بها المسلمون في هذا الزمان، والذي تبعه موجات من الهزائم النفسية، وموجات من الأفكار التغريبية الدخيلة على هذه الأمة، كالأفكار العلمانية والإلحادية.. هذه الأفكار التي يهدف الكفار من نشرها بيننا إلى إبعادنا عن ديننا، وإبعادنا عن عزتنا وكرامتنا، هذه الأفكار التي تهدف إلى تدجين الشعوب، وتهدف إلى التسوية بين الضحية والجلاد، إلا أن الإسلام يبقى في القلوب لا تخبو جذوته، ولا ينطمس نوره مهما وقع للمسلم من تقصير وتأثر بتلك الأفكار الانهزامية المخالفة لدين الإسلام.. إن نور الإسلام قادر على طمس تلك الظلمات.. لقد علمتنا تلك المشاهد أن الأمل لا ينقطع من هذه الأمة، وأن جنود النصر موجودة في داخلنا لو وجدت من يحسن تحريكها وتوجيهها.
أما الوقفة الثانية فهي أن هذه الأحداث قد أبرزت لنا دور أهل العلم الشرعي في إدارة هذه المعركة، في مشهد مهيب، تقدمت فيه تلك اللحى التي شابت في طاعة الله تعالى، تقدمت فيه تلك العمائم الطاهرة، تقدمت لتأخذ دورها الذي غُيِّبت عنه سنين عددا، لكنها الآن في المقدمة وبين الصفوف، قدمها صدقها، قدمها تضحتها.. شجاعة وإقدام، وحكمة وحزم.. هاهم أهل الدين يقدمون نماذج تعلم السياسيين ما معنى السياسة، وتعلم المتاجرين بقضايا الأمة كيف تكون القيادة.. لقد أبدوا حنكة عظيمة، وقدرة كبيرة على قراءة الواقع، وتقدير المواقف، لقد أبدوا شجاعة عظيمة، لم يخونوا ولم يرضخوا لضغط.. كانوا أحرارا وعلموا الناس معنى الحرية.
وكأني بذلك الذي يحتقر أهل الدين ويلمزهم بأنهم مغفلون سذج، لا يفهمون ولا يفقهون.. كأني به يقف أمام شموخهم فاغرا فاه، محدقا بعينيه.. أهؤلاء الذين كنت ألمزهم بأنهم غير متحضرين وغير مثقفين… فبئست الثقافة تلك التي تزري بالدين وأهله، وتجعل صاحبها يقف على الحياد من نصرة دينه وقضايا أمته. 
إن مثل هذا الموقف ليؤكد لنا تلك الحقيقة التي نطقت بها النصوص الشرعية من بقاء من يقول الحق في أمة الإسلام، حتى ولو كثر الدجالون وتجار الدين، ومحرفو الكلم عن مواضعه، فإن تلك الفئة من العلماء المتمسكة بالهدى تبقى كالنجم يبرق ويسطع بين الظلمات، ليهتدي به كل ضال، ويقتدي به كل ناشد للرشاد.
ودور هؤلاء العلماء لا بد أن يكون بارزا قياديا في هذه الأمة، لأنهم ينظرون إلى الواقع ببصيرة الوحي والشريعة، ويخشون ربهم فيما يقولون ويفعلون، وكما أن خشية الله تعالى تعين على اجتناب الحرام، وتنجي يوم الحساب، فإنها كذلك تحمي الأوطان وتصون المقدسات، وصدق الله إذ قال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

الثانية
إن مشهدا كهذا حري أن يعيد توجيه البوصلة، حري أن يعيدنا إلى فهم السبب الصحيح الذي نقاتل من أجله، ونحيا ونموت في سبيله.. لقد أخبرنا الله تعالى أن النصر بيده، لا يكون إلا من عنده، (وما النصر إلا من عند الله)، (ولينصرن الله من ينصره)، (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله)، فإذا أردنا أن يتم الله علينا نعمته، ويمن علينا بالنصر الأكيد فعيلنا أن ننصر هذا الدين، ونصر هذا الدين يكون بالتمسك به، والاستقامة عليه، نصر هذا الدين يكون بنبذ كل دين سواه، وكل فكر عداه، آن لنا أن نعرف أن معركتنا مع اليهود هي معركة دينية بالمقام الأول، وأن الدفاع عن أرض الإسلام ومقدسات المسلمين ما هو إلا دفاع عن الإسلام.. لقد آن لنا أن نعلم أن التزام طاعة الله تعالى من أهم ما يأتي بالنصر، وهذا الالتزام عام لكل أحكام هذا الدين، لقد أخبرنا النبي ﷺ أن انتشار المعاصي بيننا، والتكالب على الدنيا، وترك الجهاد هو سبب الذل والهوان، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».

لقد علمتنا هذه الأحداث أمرا يبدو أنه قد غاب عن البعض، وهو أن المظلوم لا يأخذ حقه بالورود والرياحين، ولا بالكلام والاستنكار، بل بالقوة والبأس والمدافعة والجهاد، فواجب علينا عباد الله أن نأخذ بالأسباب الإيمانية والمادية التي تحقق لما ذلك، وإن الله تعالى قد وعد عباده الصالحين بالنصر والتمكين إن هم استقاموا على الدين وأخذوا بالأسباب المادية للنصر (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).

الخميس، 1 يونيو 2017

إحسان العبادات في رمضان
عناصر الخطبة:
- أهمية استغلال شهر رمضان.
- معنى الإحسان.
- من صور الإحسان في رمضان.

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)
لقد من الله سبحانه وتعالى علينا فشهدنا هذا الشهر العظيم، هذا الشهر الذي تضاعف فيه الأجور، وتحط فيه الخطايا، وتعتق الرقاب من النار، هذا الشهر الذي تنزل فيه الرحمات، وتكثر فيه الهبات والخيرات.. وإن المؤمن ينبغي له أن يستغل هذا الشهر أحسن استغلال، فيملأ وقته ويعمره بالطاعات والقربات.
وإن النبي ﷺ أرشدنا إلى طريقة إذا اتبعناها في عباداتنا فإننا ننال خيرا كثيرا، ونحصّل أجرا عظيما.. أرشدنا إلى الإحسان في عبادة الله ﷻ، هذا المقام الذي تنافس فيه الصالحون، وسعى إليه المتقون، هذا المقام الذي يجعل العبد يبلغ الدرجات عند الله سبحانه، هذا المقام الذي يرقق القلب، ويجعل العبد يأتي بالعبادة على الطريقة المشروعة الصحيحة.
دخل جبريل على النبي ﷺ في صورة رجل فسألة أسئلة عدة، فكان من أسئلته أنه سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان.. وهي مقامات من مقامات هذا الدين، ومقام الإحسان أعلاها، لا يأتي به كل من هو في دائرة الإسلام والإيمان، بل يفوز به من ارتقى في مقام العبودية، وتوجه بكليته إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد جاء ذكر الإحسان في كتاب الله تعالى في مواضع منها قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).
والكلام هنا ليس عن الإحسان إلى الناس في المعاملة، أو الإحسان بالمال للأهل والفقراء.. وهما من أعظم القربات، إنما الكلام هنا عن نوع آخر من الإحسان، وهو الإحسان في عبادة الله سبحانه وتعالى، وقد فسره النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
ومدار معنى الإحسان في العبادة على إيقاع العبادة على أحسن وجه وأكمله، إخلاصا لله تعالى، وبعدا عن الرياء، وخشوعا وخضوعا، ومتابعة للسنة، ومجانبة للبدعة... قال أهل العلم: إن النبي ﷺ ذكر للإحسان مرتبتين: مرتبة عليا، ومرتبة أقل منها، فمن لم يستطع تحقيق الإحسان عن طريق المرتبة العليا، انتقل إلى المرتبة الأخرى.
والمراد بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» أن تعبد الله وكأنك تنظر إليه جل وعلا، مستحضرا قربه ومعيته، وأنك بين يديه كأنك تنظر إليه، فإذا استحضر العبد هذا المعنى حصل له الخشية والتعظيم لله تعالى، كما جاء في رواية أخرى للحديث: «أن تخشى الله كأنك تراه».. وهذا الأمر موجب كذلك لإتقان العبادة غاية الإتقان، ويوجب المحبة والشوق للقائه سبحانه.
فإن لم يستطع العبد الإتيان بهذا المقام فإنه يستطيع أن يحقق الإحسان في العبادة عن طريق المقام الآخر، وهو أن يعبد الله مستحضرا نظر الله تعالى إليه، وهذا موجب للخوف والرهبة منه سبحانه، فإذا فعل ذلك سهل عليه الانتقال إلى المرتبة العليا.
إذا علمتم هذا عباد الله، فاعلموا أن شهر رمضان من أولى الشهور التي ينبغي أن يحرص المسلم على الإحسان فيها، وذلك لاجتماع طاعات كثيرة في هذا الشهر الفضيل.. من صيام، وقيام، وصدقة، وقراءة قرآن وذكر لله تعالى، فالمحسن والمفلح هو الذي يحسن استغلال هذا الشهر فيوقعُ فيه العباداتِ على أكمل وجه، والخاسر هو الذي يفرط ويضيع، ويأتي بالعبادات على سبيل التخلص منها، وعلى أنها حمل يلقيه عن كاهله.
فمن صور الإحسان في العبادات في هذا الشهر المبارك:
الإحسان في الصيام: ويكون بأمور، منها: الإيمان والاحتساب في الصيام، كما قال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، أي من صام رمضان مؤمنا بوجوبه عليه، وأن الصيام فرض على كل مسلم مكلف به، وليس حرية شخصية، فيصوم المسلم إيمانا وطاعة، لا مجاراة للناس أو خوفا منهم.
أما الاحتساب، فهو أن يستحضر المسلم أجر الصيام أثناء صيامه، ويستحضر النصوص الشرعية التي جاء فيها ذكر أجر الصائم عند الله تعالى، كقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن الناس سبعين خريفا»، وكقوله عليه الصلاة والسلام: «للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه»… إلى غير ذلك من النصوص الواردة في فضل الصيام.. إذا فعل العبد ذلك حصل له استحضار القُرب من الله تعالى، وشعر بلذة العبادة، وحلاوة الإيمان. 
والاحتساب مقام عظيم من مقامات العبادة، ينبغي للعبد أن يحرص عليه في كل عبادة يفعلها، ولأهمية هذا الأمر قال فيه النبي ﷺ: «لا أجر لمن لا حسبة له».
ومن صام إيمانا واحتسابا فإنه لا يظهر التثاقل عن الصيام، ولا يظهر ضيق النفس بدخول شهر رمضان، ولا يتمنى مروره سريعا.
ومن الإحسان في الصيام كذلك: صون اللسان والجوارح عن إيذاء الناس، فيحبس لسانه عن الغيبة والنميمة، والسب والشتم، ويحبس يده عن الضرب والاعتداء والظلم.. وقد قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب، فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم»، فإذا كان عليه الصلاة والسلام قد نهى عن رد الإساءة بمثلها، فكيف بالابتداء بها!
ومن الإحسان في الصيام: عدم نشر الفساد في هذا الشهر الفضيل، كما تفعله بعض قنوات العهر والفجور العربية، التي  لا تقتصر على نشر الشهوات وكشف العورات في هذا الشهر الفضيل، بل تستغل هذا الشهر لتشويه الدين وثوابت الشريعة، ولترسخ في الناس مفاهيم الدين الممسوخ الذي يريده الغرب، ويعمل على بثه بين المسلمين.
وقانا الله شرهم، وجنبنا طريقهم…
الخطبة الثانية
فمن صور الإحسان في أداء الصلوات المفروضة في رمضان وغيره، صلاتها جماعة في المسجد، مع الخشوع والخضوع، ومراعاة آداب المسجد، والحرصُ على عدم التشويش على المصلين، وَمِمَّا يتعلق بهذا الحرص على الصلاة في وقتها دون تقديم أو تأخير، فلا يؤخر صلاة المغرب إلى أن تظهر النجوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
ومن الإحسان في قيام الليل في شهر رمضان، قيام رمضان إيمانا واحتسابا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وتقدم معنا معنى الإيمان والاحتساب.
ومن الإحسان في القيام، الحرص على الخشوع فيها، وإتمام ركوعها وسجودها، والتأني فيها، بل وإطالتها قدر المستطاع.. وليحرص على أن لا يكون قيامه لليل سببا في فوات صلاة الفجر مع الجماعة.
ومن الإحسان في تلاوة القرآن الحرص على الإكثار منها، وبخاصة في العشر الأواخر من رمضان، والقراءة بتفكر وتدبر، كما قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).

ومن الإحسان في أداء الزكاة والصدقة إخراجها بطيب نفس، وعدم البخل بها، وعدم المن بها على الفقير، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).

الجمعة، 5 مايو 2017

(ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا…)
عناصر الخطبة:
  • ذكر جملة من عتو بني إسرائيل.
  • تقسيم معاصيهم إلى قسمين.
  • التحذير من سلوك طريقتهم

﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾ [المائدة: ٦٥-٦٦]
آيتان كريمان من سورة المائدة، ذكرهما الله سبحانه بعد ذكر جملة من عتو بني إسرائيل وطغيانهم، ومقابلتهم لنعمة الله تعالى عليهم بالكفر، فالله سبحانه وتعالى ذكر عنهم في بداية هذه السورة أنهم نقضوا الميثاق الذي أخذه عليهم من الإيمان برسل الله جميعا ونصرهم، وفي مقدمهم محمد ﷺ قال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية)، وذكر أنهم حرفوا التوراة والإنجيل   (يحرفون الكلم عن مواضعه)، ثم ذكر سبحانه تحريف النصارى لعقيدة التوحيد التي أوحى الله بها إلى عيسى، وكفّرهم لأجل ذلك: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم )، وذكر كذب اليهود والنصارى لما قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه)، ثم ذكر رفضهم الشديد لدخول بيت المقدس حتى قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ثم ذكر استكبارهم وتوليهم عن تحكيم شريعة ربهم، وقال  : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ثم ذكر استهزاءهم بصلاة المؤمنين  (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا)، وذكر حقدهم على المسلمين لأنهم مسلمون فقط  : (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون)، وذكر مسارعتهم إلى العصيان والإثم وأكل المال الحرام (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت )، ثم ذكر أن طغيانهم واعتداءهم وصل قمة الطغيان والإجرام، وذلك بالاعتداء على ذات الله سبحانه ووصفه بالنقائص، فذكر عن اليهود قولهم: يد الله مغلولة، وذكر عن النصارى من قبل أنهم قالوا: المسيح ابن الله.
وقد تخلل ذكرَ هذه الجرائم عنهم ذكرُ بعض العقوبات التي عوقبوا بها، وتحذير المسلمين من سلوك طريقهم، ثم قال سبحانه : ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرنا عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَأَدخَلناهُم جَنّاتِ النَّعيمِ . وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ﴾، آيايتان لا يملك الإنسان أمامهما إلا أن يقف مذهولا حائرا، كيف جمعت بين فتح باب التوبة للمجرم، وذكر الجزاء العظيم على ذلك في الدنيا والآخرة، مع ذكر الجريمة التي ارتكبها أهل الكتاب، مع ذكر انقسامهم إلى قسمين  : قليل مقتصد ممتثل لأمر الله، وكثير مجرم معرض، مع الإشارة إلى تحذيرنا من سلوك طريقتهم، كل هذا في قالب بديع، يخاطب العاطفة والعقل في وقت واحد. 
… لو آمن أهل الكتاب بمحمد ﷺ، وتركوا التمرد والعصيان، لأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم امتلثوا ما جاء في كتبهم ولم يحرفوها لنالوا خير الدينا كذلك.
عباد الله! إذا تأملنا هاتين الآيتين نجد أن الله تعالى أشار إلى أن المعاصي والجرائم التي وقع فيها بنو إسرائيل كانت على نوعين: نوع يتعلق بعدم وجود التقوى التي تحمل الإنسان على طاعة الله سبحانه، وتساعده على الانتصار على نفسه وشهواته، وأشار إلى هذا بقوله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا)، فذكر أنهم لم يكن عندهم من الخوف والتقوى ما يتغلبون به على نفوسهم المريضة المتمردة العاتية، فذكر هنا مرض الشهوات.
والنوع الثاني: يتعلق بعدم وجود التسليم القلبي لأوامر الله سبحانه، والمتمثل بتحريفهم لدينهم، وبتحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل ومعانيهما، وأشار إلى ذلك بقوله: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ما أنزل إليهم من ربهم )، فذكر أنهم حرفوا دينهم وزادوا فيه ونقصوا، وهذا هو مرض الشبهات التي تتعلق بالفكر والاعتقاد.
والحقيقة -عباد الله!- أن الإنسان إذا جمع بين هذين المرضين فإنه يكون مزيجا من التمرد والطغيان والإعراض عن ذكر الله سبحانه… فالإنسان قد تغلبه شهوته ويعصي، لكنه قد يتوب ويرجع بعدما ينال ما يريد من شهوة أو مال، ويبقى قريبا من التوبة، لكنه إذا جمع مع هذه الشهوة شبهة ورأيا فكريا يقنعه أن هذه المعصية أمر مطلوب، والله سبحانه يحب هذه المعصية فهذه هي المصيبة الكبرى، ومن كانت هذه حاله كان بعيدا عن التوبة، وإن كان باب التوبة مفتوحا له كذلك إذا تخلص من الفهم المحرف لدينه.
وأهل الكتاب -كغيرهم من أهل الضلال-  قد جمعوا بين الأمرين: فلم يتغلبوا على شهواتهم، وحرفوا دينهم ليوافق هواهم، فمن أمراض الشهوة عندهم   : أكلهم للمال الحرام  بالباطل، وقعودهم عن القتال، وعدم إيمانهم بمحمد ﷺ كبرا وحسدا.
ومن أمراض الشبهات: تحريفهم لنصوص التوراة والإنجيل، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وعدم الحكم بما أنزل الله، ووصفهم لله تعالى بالنقائص.
فأنتج هذا نفوسا شيطانية عاتية، تقوي شبهاتُها شهواتِها، وتقوي شهواتُها شبهاتِها، في حالة ليست بدعا من الضلال والانحراف، وليس جديدة من الإجرام والاعتساف، فأهل الكفر من كل ملة جمعوا بين الأمرين، وأهل الانحراف في زمان يجمعون بين الطريقتين.
إلا أن الله سبحانه قد أكثر من ذكر حالة أهل الكتاب لنا في القرآن، وأبدأ وأعاد ذكر قصصهم لنا: بسبب سرعة تأثر بعض المسلمين بهم، لكونهم أهل كتاب، وأهل علم… لكن ما نفع العلم إذا كان سببا في الضلال والانحراف؟!
لا توجد قصة في القرآن تكرر ذكر كقصة بني إسرائيل، ولم يذكر لنا القرآن تفاصيل قصة كما ذكر تفاصيل قصة بني إسرائيل، والله سبحانه يحذرنا من سلوك طريقتهم، في أثناء تلك القصص وقبلها وبعدها، وحذرنا نيبنا ﷺ كذلك بقوله: «لتتبعن سنن من كان قلبكم حتى لو دخول جحر ضب لدخلتموه». قالوا: آليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!».

الثانية
بعدما عرفنا -عباد الله- خطورة حال أهل الكتاب، وأن الله تعالى حذرنا من اتبعاعهم… فهل هناك صور واقعية من هذا الاتباع؟ هل هذا واقع نعشيه؟ أم أنه شيء ذهب ومضى قديما؟
كلا، فالذي ينظر في حال المسلمين اليوم يرى صورا لا تعد ولا تحصى في وقت ضيق من تلك الصور.
أما على سبيل الشهوات: فنرى أكل المال بالباطل والغش والتعامل بالربا كثيرا فاشيا بين المسلمين، نرى قلة الالتزام بالحجاب الشرعي وشروطه، نرى التهافت على الدنيا وحبها، وكراهية الموت والجهاد في سبيل الله، وحتى على سبيل المظهر والملابس صرنا نرى كثيرا من شباب المسلمين يحرصون عي التشبه بمظاهر الغرب، من دون أدنى تفكير.. لماذا أفعل هذا؟!
وأما فيما يتعلق بالشبهات: فكثير جدا، وهو الداء العضال، والمصيبة الكبرى، أما تحريف الدين فحدث ولا حرج… حملات يقوم بها كهنة الفساد والفهم الحداثي للإسلام، تهدف لإخراج دين ممسوخ، بعضهم يريد موافقة حاكم، وبعضهم يريد موافقة الغرب، وبعضهم يريد تسويغ شهوة، ويسترون كل هذا التحريف بغطاء الإصلاح والتجديد الديني، كإنكار كون أحاديث النبي ﷺ حجة شرعية، وكقولهم بلزوم فهم القرآن فهما جديدا يتوافق مع العصر.. وكثير من الناس يتأثرون بهم إما بحسن نية، أو سوء قصد وطوية.
ومن ذلك محاولة تحريفهم لثوابت الإسلام التي لم يختلف المسلمون فيها يوما، كقولهم: اليهود والنصارى ليسوا كفارا،  بدعوى التسامح الديني، وكقولهم  :  لا يجب الحكم بالشريعة،  بدعوى التطور والحداثة، إضافة إلى ما يذكرونه فيما يتعلق بالمرأة: من عدم وجوب الحجاب عليها، وعدم قوامة الرجل عليها، إلى غير ذلك مما يقولونه، من تحليل الخمر، والربا وغير ذلك.
كل ذلك -عباد الله!- بطرق خبيثة وستار ديني، موافقين في ذلك لأهل الكتاب، وهل تظنون أن تحريف الأحبار والرهبان كان بمصادمة نصوص التوراة والإنجيل وادعاء بطلانها، كلا والله ما كان إلا بتحريفها وادعاء أن ما توصلوا إليه بعقولهم وشهواتهم هو مراد الله تعالى.
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)



الجمعة، 7 أبريل 2017

من عوامل النصر... 
(على وقع حادثة خان شيخون)

عناصر الخطبة:
  • حكمة تشريع الجهاد.
  • علاقة الجهاد برفع الذل.
  • مفاهيم مشوهة للجهاد.

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا).
لقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بالبينهات والبراهين والحجج الواضحات، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا… ولما كان أهل الشر والباطل في كل زمان لا يرضون للحق والهدى أن يسود وينتشر، شرع الله تعالى للنبي ﷺ وللمسلمين من بعدِه أن يجاهدوا في سبيل الله، فمع أن دين الإسلام دين قريب من فطرة الإنسان وعقله، ومع أن حججه وبراهينه واضحة لا يقدر أحد على ردها، إلا أن هناك من المجرمين من يقدم الباطل ولا يستجيب للحق، لدواع مادية، أو ليحافظ في زعامته وأتباعه، فيظل أولئك الطغاة سيوفا مصلطة  على رقاب المؤمنين، يستضعفونهم، ويقتلونهم، ويسومونهم سوء العذاب، لأجل أن يردوهم عن دينهم، كما قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا).
ولأن الإسلام دين واقعي، ولأن سنة الله في خلقه أن يكون التدافع والتقاتل دائما بينهم، كل يقاتل لهدفه أو شهوته أو مصلحته، فقد شرع الله تعالى للمسلمين أن يجاهدوا ويقاتلوا، وأمرهم أن يكون هدفهم هو إعلاء كلمة الله في الأرض، ورفع الظلم عن المستضعفين ليتمكنوا من ممارسة دينهم وإظهاره… فالمواعظ والكلام والخطب تنفع كثيرا من الناس، إلا أن هناك من الكفار من لا تؤثر فيه موعظة، ولا تنفعه حكمة، فلا يرى الحق إلا إذا رأى بريق السيوف.
وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن الكفار إذا عادوا المسلمين واستضعفوهم وطغوا وتجبروا فإن الله يعاقب الكفار في الدنيا بعذاب أو إهلاك، وهذا العذاب الرباني إما أن يكون من عند الله سبحانه، وذلك بتصريف أمور الكون من رياح وكوارث طبيعية، أو أن يكون العذاب والعقاب على أيدي المومنين، وذلك بالجهاد، كما قال تعالى: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا).
ها هم صناديد قريش من الكفار قد آذوا النبي ﷺ، وعذبوا الصحابة ليردوهم عن دينهم، فتوعدهم الله بالعذاب والنبي ﷺ لا يزال في مكة، فنزل قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، وقوله: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون)… ولما هاجر النبي ﷺ، وأقام دولته، وأذن له بالجهاد لاقى المشركين في معركة بدر، فهزمهم الله، ولحق بالمشركين الخزيُ والعذاب في الدنيا والآخرة، فقال تعالى واصفا هذا العذاب الذي لحق بهم في بدر: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون. والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون. قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين).
نعم هي سنة الأولين، ومن ذلك ما حدث لفرعون وجنوده، فإنه لما عذب مؤمني بني إسرائيل، وكذب نبي الله موسى، وطغى وتجبر، ولحق ببني إسرائيل إلى البحر، أغرقه الله تعالى، وأغرق جنده فلم تغن عنه قوته، ولم تغن عنه جنوده القوية، ولذلك قال الله تعالى بعد ذكر هزيمة قريش: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب. ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين).
عباد الله! إن مثل هذه الوقائع التي أخبرنا بها القرآن مرشدا لنا لأخذ العبرة منها، يبنغي أن تكون دافعا لنا إلى الطريق الصواب، ينبغي أن توجهنا التوجيه الصحيح، ماذا نفعل؟ وكيف نعرف العدو من الصديق؟ 
إن الذي حدث في سوريا وفي خان شيخون بالتحديد من قتل وحشي للأطفال والنساء، ما هو إلا جزء من الصورة التي تحدث في سوريا، ما هو إلا جزء من إجرام ذلك النظام الكافر الذي يحارب المسلمين لأجل دينهم.
وقبلها بأيام ألقت قوى التحالف الصليبي قنبلة على مجمع سكني في الموصل، قتل فيه أكثر من ٥٠٠ مسلم، ما بين طفل وامرأة ومدني أعزل، وليس هذا كذلك إلا جزء مما يحدث في العراق. وما الذي يحدث في سوريا والعراق إلا جزء من الصورة الكبيرة لما يحدث في العالم الإسلامي، وإن هذه الأحداث ينبغي أن تحث المسلمين على النهوض، ونفض الغبار، والأخذ بأسباب العز والتمكين، فإن الكفار بأفعالهم هذه قد استحقوا عقوبة الله سبحانه، ولم يعد بين وقوع هذا العذاب عليهم إلا أن يأخذ المسلمون بأسباب النصر والتمكين، من التمسك بالدين وإعداد العدة.
واعلموا عباد الله أن نصر الله سبحانه لا ينزل على الكسالى القاعدين، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، والبدء بالتغيير، فإن الله تعالى لا يغير حال قوم من الحسن إلى السيء، ولا من السيء إلى الحسن إلا إذا بدرت منهم بوادر التغيير، كما قال تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). 

الثانية
إن أعداء الله وأعداءنا لم يكتفوا بما لحق بنا من الهزائم العسكرية، لم يكتفوا بالقتل والاغتصاب والاحتلال والتشريد ونهب الثروات، بل أردوا أن يطوعوا الشعوب المسلمة وأن يروّضوها حتى ترى في جلّادها مُخَلِّصَها، وحتى ترى فيمن اغتصب نساءها وقتل أطفالها مصلحا إنسانيا يسعى لنشر ثقافة السلام بين شعوب الأرض.
ولقد عملوا لتحقيق ذلك عبر وسائل كثيرة جدا، وعبر أقلام مأجورة، ووسائل إعلام رخصية؛ ومن أهم أساليبهم في ذلك أمران: تحريف الدين، ونزع الحمية والعزة من قلوب المسلمين.
أما تحريف الدين فقد عمدوا إلى أهم المسلّمات الإسلامية، وبخاصة تلك المفاهيم التي تتعلق بالكفار، كالولاء والبراء والجهاد، فعملوا على بث ثقافة محبة الكفار بين المسلمين، ودعوا إلى التقارب مع النصارى وعدم تكفيرهم بل والاحتفال بأعيادهم… وسموا ذلك بالتسامح.
وأما الجهاد فقد عملوا على إظهار الإسلام بصورة ذليلة، وتدرجوا في ذلك تدرجا خبيثا، فزعموا أن الإسلام ليس فيه جهاد طلب، وأنه لا يقاتل لنشر الدين والتوحيد، ولا يقاتل لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بل لا يقاتل إلا إذا عتدى عليه أحد، ولا يحركه شيء إلا أن تنتهك حرماته وتحتل أرضه، ثم قالوا: ولا يقاتل إذا احتلت أرضه، بل يسعى لحل الأمور بالعقلانية والحكمة والسلام وأغصان الزيتون، ثم وصموا من يجاهد لتحرير وطنه الإسلامي بالإرهاب، ثم عادوا إلى أصحاب الزيتون فلم يرضوا منهم أن يطالبوا بحقهم ولو بالكلام.

ولقد عملوا على بث هذه الثقافة في جيل الشباب بخاصة، فعبثوا بالمناهج، وحذفوا منها كل ذكر للجهاد، أو حذفوا سير الفاتحين المجاهدين المسلمين، وكأنهم يقولون: دعوكم من تاريخكم المشرق، لن نسمح لكم بالعودة إليه، أمامكم طريق مفروش بالورود لتحرروا أرضكم… والذي يتتبع وسائل الإعلام الفلسطينية يرى صورا كثيرة لذلك، لا مجال لذكرها، لكن لفت نظري إعلان وضع لماراثون فلسطين الذي انطلق من ساحة كنيسة المهد، وقد وضعوا له إعلانا لشبان وفتيان يلبسون ملابس الرياضة، ويركضون بجانب جدار الفصل العنصري، وقد كتبوا فوق الإعلان: اركضوا نحو الحرية… كنت أظن أن طريق النصر أصعب من ذلك بكثير…اركضوا فإذا وصلتم فآذنوني! 

الجمعة، 31 مارس 2017


"عيد الفصح"
(بمناسبة فرض عطلة رسمية بمناسبة عيد الفصح في فلسطين)
عانصر الخطبة:
بيان طغيان بني إسرائيل وتحريفهم لدينهم.
أصل عيد الفصح.
حرمة فرض عطلة رسمية بهذه المناسبة.
بيان منطلق العلمانيين في هذه المسألة.

﴿وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذي آتَيناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنها فَأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوينَ . وَلَو شِئنا لَرَفَعناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ ﴾.
هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف، ذكرها الله سبحانه بعد حديث طويل عن بني إسرائيل، استغرق ثمان وستين آية، ذكر الله سبحانه وتعالى فيها كثيرا من صور عتو وطغيان بني إسرائيل، وتمردهم على أوامر الله تعالى، بين فيها كفرانهم للنعم الكثيرة التي أنعمها الله تعالى عليهم، بين عدم انتفاعهم بالعلم، وأن العلم كان سببا في طغيانهم وسقوطهم في مهاوي الدركات لأنه لم يلاق نفوسا زكية وقلوبا طاهرة، كان العلم الذي أنزل إليهم سببا في تفرقهم، كما قال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)… لقد استغل علماؤهم نصوص التوراة والإنجيل لتحريف دين التوحيد الذي أنزل إلى أنبيائهم، استغلوها لوصف الله سبحانه بالنقائص، ولتحريف العقيدة لتصبح مجموعة من الغزعبلات الوثنية، التي لا توافق عقلا ولا فطرة، ولذلك فقد ضرب الله تعالى لهم مثلا -بعد أن ذكَر كلَّ هذا عنهم- ضرب لهم مثلا برجل منهم كان عالما فلم ينفعه علمه بل ضره، لأنه لم يراع حق الله تعالى فيه، فضَلَّ وكفر، وقد شبهه الله سبحانه بالكلب الذي يلهث سواء زجرناه أو تركناه، فكذلك هذا الرجل لم ينفعه العلم لا حال كونه مؤمنا، ولا حال كونه كافرا ليرده عن غيه.
هذه الصورة عباد الله! صورة تكرر في كل وقت، فمن هذا ما حدث عند النصارى من تحريف دينهم، على أيدي علمائهم وملوكهم، وكان للقوة والمال دور كبير في تحريف دينهم، وقد أشار الله سبحانه إلى أثر المال والحرص على الدنيا في تحريف دين النصارى في آيات، منها قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثما قليلا فبئس ما يشترون)، ومن ضمن تلك العقائد الوثنية التي تسربت إليهم أنهم اعتقدوا أن المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام له نصيب من صفات الألوهية والربوبية، وأنه ابن الله تعالى، ثم لما حاول اليهود قتله رفعه الله تعالى إليه، وقتَل اليهودُ رجلا يشبهه، فقالوا: إن الرب قدم ولده قربانا ليحمل خطايا البشر، فأتوا بعقيدة تشمئز منها كل نفس فيها تعظيم لله تعالى، ادعوا لله ولدا، ثم ادعوا أنه ترك ولده ليقتله اليهود، فمات ابن الرب عندهم، مات الإله الذي يعبدونه، ووضع في القبر، وأغلق قبره عليه، ثم ادعوا أنه قام من قبره يوم الأحد، بعد ثلاثة أيام من موته، وهذا ما يسمونه بالقيامة، أي قيام المسيح من قبره، والنصارى يحتفلون بهذه المناسبة من كل عام، ويسمون هذا العيد بعيد الفصح، أو القيامة، وهو أعظم وأهم أعياد النصارى.
وكما رأينا عباد الله! فهذا العيد -كعيد الميلاد- مرتبط ارتباطا شديدا بتلك العقائد الوثنية المحرفة، التي وضعها لهم رهبانهم وملوكهم، وهي عقيدة تصادم الإسلام مصادمة تامة، بل جاءت آيات القرآن صريحة وواضحة في إبطال هذه العقيدة وردها وبيان زيفها وفسادها، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا -ابتداء- أن المسيح عيسى ابن مريم ما هو إلا بشر، وأنه ليس له من صفات الألوهية أو الربوبية نصيب، فأبطل أصل عقيدة القيامة التي يزعمون، ومن هذه الآيات التي تبين ذلك قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كان يأكلان الطعام)، فهل هناك إله يأكل الطعام؟ وهل هناك إله يعتريه ما يعتري البشر بعد أن يأكل الطعام؟ هل هناك إله ينزل من بطن امرأة، ضعيفا صارخا باكيا، قد لوثته الدماء؟ هل هناك إله يرضع من ثدي أمه؟ إنها عقيدة ظاهرة البطلان، عقيدة بالغة في الكقر غايته، ولذلك فإن الله سبحانه لم يكتف ببيان بطلان هذه العقيدة بل كفر كل من يقول بها فقال: (لقد كفر الدين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)، (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، فهذا الأساس الذي قامت عليه عقيدة القيامة قد أبطله الله تعالى، لكن هل اكتفى القرآن بذلك؟ لا. بل نص على بطلان عقيدة الصلب وقتلِ المسيح أصلا، في آيات واضحة من القرآن فقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)، لست أدري أي عقول هذه التي تعتقد أن الإله يضرب ويجلد، ثم يرفع على خشبة، ثم تدق المسامير في يديه ليثبت على الصليب، ثم يموت معذبا شيئا فشيئا؟ إذا كان أحدنا لا يرضى لنفسه أن يموت هذه الميتة فكيف رضوا بها لإلههم؟ ألم يكن قادرا على إنقاذ نفسه؟ لكنها خزعبلات بني آدم، قد دخلت في دين النصارى حتى صار دينا وثنيا بامتياز.
ولقد من الله تعالى علينا بدين الإسلام، وهدانا إلى العقيدة الصافية النقية، الخالية من تدخل بني آدم فيها، عقيدة أنزلت من فوق سبع سماوات، أنزلت على قلب محمد ﷺ، فبلغها كما هي، ولا تزال كما هي، وستبقى كما هي، ولو كره الكافرون.
إن نعمة الإسلام هي أكبر نعمة، وأجل عطاء أعطانا الله إياه، أبعد أن أنقذنا الله تعالى من الهلاك نقابل نعمة الله تعالى بالجحود والكفران، هل نقابل نعمة الله تعالى علينا بهذه العقيدة الصافية بأن نحتفل بأعياد النصارى وغيرهم من الكفار، أيحتفل المسلمون بأعياد النصارى وتفرض عليهم عطلة رسمية بمناسبة ما يسمى بعيد الفصح في بلاد مباركة، في بلاد وطئتها قدما محمد ﷺ، في بلاد فتحها عمر بن الخطاب، في بلاد ارتوت من دماء الشهداء.
لا أظن أن فرح الصليبيين لما احتلوا بيت المقدس سيكون أشد من فرح النصارى في هذا الزمان، وهم يرون أحفادَ عمرَ بنِ الخطاب، وأبي عبيدة، وصلاحِ الدين يحتفلون بعيد الميلاد وعيد الفصح.
﴿وَلَقَد ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلونَ﴾

الثانية
فإن بلادنا هذه بلاد مسلمة منذ أن فتحها المسلمون، أهلها مسلمون، المسلمون هم أصحاب الحق في هذه البلاد شاء من شاء وأبي من أبى، قد عاش النصارى بل واليهود فيها كأهل ذمة، قد حمى المسلمون دماءهم وأموالهم فعاشوا في أمان، لكن لم يكن ليُسمح لهم بإظهار شعائر دينهم ولا رفع صلبانهم، وهذا ما شرطه عليهم عمر في العهدة العمرية.
لكن العلمانيين لا يرضون بهذه النظرة الإسلامية، بل يريدونه حكما علمانيا لا يفرق بين الديانات، ويقف من الأديان على مسافة واحدة، يقول أهل الباطل: بما أن المسلمين لهم مناسبات تكون فيها عطل رسمية، فكذلك لغيرهم من الأقليات الحق في أن تكون أعيادهم عطلا رسمية… وهذه النظرة قائمة على أن الأديان بالنسبة للدولة شيء واحد، ليس فيها دين حق ودين باطل، الإسلام كغيره من الديانات الباطلة… وهذه عقيدة كفرية عباد الله، لا شك في كفر معتنقها عند جميع طوائف المسلمين، وقد قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه).
أما إن قالوا: نحن نفرض العطلة بهذه المناسبة على المسلمين من باب التسامح الديني، فهذا باطل كذلك، فالتسامح لا يكون في العقيدة، التسامح لا يكون بأن نحتفل بعيد مرتبط بعقيدة باطلة، ثم لو سلمنا بجواز هذا التسامح المزعوم فإن التسامح أمر اختياري، فكيف يفرض علينا أن تنسامح ونعطل في هذه المناسبة.
وهل إذا نشأ في بلادنا طوائف وأديان أخرى تريد أن تحتفل بأعيادنا سنفرض عطلة على المسلمين أيضا، فإذا نشأ في بلادنا طائفة بوذية مثلا، فهل سيفرضون علينا أن نحتفل معهم بميلاد بوذا من باب التسامح.. هذا لازم مذهبهم، وهل إذا نشأ في بلادنا ملاحدة فهل يا ترى سنحتفل معهم بعيد ميلاد داروين…
إنه نفق مظلم لا نهاية له، تخبط لا يخرج منه إلا التمسك والاعتزاز بهذا الدين… (يريدون أن يطفؤوا نور الله …)


الجمعة، 3 مارس 2017


مكانة المرأة في الإسلام

عناصر الخطبة:
المرأة قبل الإسلام.
المرأة في الإسلام.
المرأة عند الغرب.

عمل الجمعيات التغريبية في فلسطين.

(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)
آية كريمة في كتاب الله سبحانه، نزلت لتبين أمرا عظيما خطيرا، آية فيها بيان حقيقة مكانة المرأة في الإسلام، نزلت هذه الآية، وجاءت بقية شرائع الإسلام لترفع عهودا من الظلم والقهر كانت تعانيه المرأة قبل الإسلام. 
عانت المرأة قبل الإسلام، وظلمت في الثقافات والأديان السابقة ظلما كبيرا، عانت من حط مكانتها كإنسان، وعانت من ظلم وسوء في المعاملة، وعانت من أكل حقوقها المالية… وإننا إذا نظرنا نظرة سريعة في بعض النصوص الموجودة في في بعض الكتب كالموجودة في التوراة والإنجيل، وكالنصوص المنقولة عن فلاسفة اليونان لنرى ذلك بجلاء، فليس غريبا عندهم اعتبار المرأة نوعا من الشر الشياطين، بل إن كثيرا منهم لم يعتبرها أهلا للتكليف والثواب والعقاب.
ولأجل كل هذا الظلم فقد ظهرت ردات فعل في الغرب، رأت أن سبب الظلم الذي تتعرض له المرأة عندهم هو صراع كوني بين المرأة والرجل، مع أن السبب الحقيقي للظلم الذي تعرضت له المرأة عندهم هو تلك الأديان المحرفة، وتلك النفوس المريضة،  وتلك الأفكار البعيدة عن شريعة رب العالمين… أرادوا أن يعطوا المرأة حقها، فما كان منهم إلا أن تطرفوا في ردة فعلهم. ولما كانت شرائعهم المحرفة لا تخدمهم في هذا الأمر، توصلت عقولهم إلى اختراع ساذج، دمر البشرية وسيستمر في تدميرها، هذا الاختراع هو: مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، ولا يخفى على عاقل أننا إذا أردنا أن نسوي بين شيئين في كل شيء فلا بد أن تكون صفاتهما واحدة، وقدراتهما واحدة، فإذا لم يتوفر هذا الشرط فالمساواة هنا هي عين الظلم. 
عباد الله! لقد بزع فجر الإسلام على ظلام دامس كانت تعاني منه البشرية في كل نواحي الحياة، فأصلح حياة الناس في كل النواحي، وأصلح حال المرأة وصحح أوضاعها، ورفع مكانتها، وكان منهج الإسلام في ذلك هو العدل لا المساواة التامة في كل شيء، فإذا كان العدل في تقديم الرجل على المرأة أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في تقديم المرأة على الرجل أمر به الإسلام، وإذا كان العدل في التسوية بينهما فقد أمر به الإسلام، فالإسلام نظر إلى صفات وطبيعة تكوين الرجل والمرأة، من حيث الجسم، والقوة، والعقل، والقدرة على التحمل، ومدى وجود الواجبات والأعباء، ثم أعطى كل ذي حق حقه على هذا الأساس.
فقدم الرجل فأعطاه حق الولاية على المرأة في الزواج مثلا لأن عنده من القوة على الكسب والعمل ما ليس عند المرأة، ولأن عنده من القدرة في التحكم بعواطفه وقراراته ما ليس عند المرأة.
وقدم المرأة على الرجل في حق حضانة الأطفال لأن عندها من الرحمة والعطف ما يعينها على القيام بحقهم.
وأمر كلا من الرجل والمرأة بستر عوراتهم بما يتناسب مع طبيعة كل منهما، وبما يقطع باب الفتنة والشهوات، كما قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وليس من باب التمييز ضد المرأة كما يقوله دعاة محاربة الذكورية.
ولما كان الرجل قويا في بدنه قادرا على مناكفة الناس أمره بأن يخرج ويبتغي رزق عياله، وألزمه بالنفقة على أهله، ولما كانت المرأة ضعيفة في بدنها، وكان لها قدرة كبيرة على تحمل الأطفال والصبر عليهم، أمرها بالقرار في بيتها، وتربية أبنائها، وتوفير الجو المناسب لهم لزوجها ليكونوا أفرادا صالحين في مجتمعهم، في دور بالغ في الأهمية، أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، وهذا الدور لا شك أنه أهم بكثير من مجرد أن تأتي المرأة براتب شهري، قد يستفيد منه الزوج قليلا، وغالبا ما ينفق على الزينة والملابس المخالفة في صفتها للشريعة.
وسوى الإسلام بين الرجل والمرأة إذا لم يوجد سبب لتقديم أحدهما على الآخر، فسوى بينهما في التكاليف الشرعية من الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الشرائع، وجعلها مستحقة للثواب والعقاب ومستحقة لدخول الجنة أو النار بحسب أعمالها، فأخذت المرأة بذلك كامل حقها، وارتفعت منزلتها بعد أن كانت عند الرهبان غير صالحة للتكليف بالشرائع، وغير مستحقة أصلا لدخول الجنة أو النار.
هذه -عباد الله!- هي خلاصة نظرة الإسلام إلى المرأة، وهي نظرة عادلة، بالغة في العدالة الغاية والنهاية، لأنها تشريع رباني، وليست كتشريعات البشر الذين تتحكم فيهم الشهوات، ويتحكم فيهم الهوى، ويحيطهم الجهل بحائق الأمور، وعواقبها.
هذه النظرة التي غابت عن كثير من دعاة محاربة الذكورية في هذا الزمان من أبناء جلدتنا، ففي ظل الهزيمة النفسية التي يعيشونها، وفي ظل جهلهم بأصول الإسلام عموما، وبنظرة الإسلام للمرأة خصوصا، ظنوا أن الإسلام كاليهودية والنصرانية، ظنوا أن الإسلام ثقافة كأي ثقافة من الثقافات القابلة للتعديل والتطويع حسب الرغبة والهوى، فأتوا بالنموذج الغربي فيما يتعلق بالمرأة ودعوا إلى تطبيقه على الإسلام ذاته، وليس على المسلمين فقط.
ولو أنهم فهموا حقيقة الإسلام لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم اعتزوا بدينهم لما دعوا إلى ذلك، ولو أنهم فهموا حقيقة وضع المرأة في الغرب حاليا لما دعوا إلى ذلك، فالمرأة عند الغرب عموما مخدوعة تستغل بإرادتها، يستغلها التجار للترويج للبضائع عن طريق وضع صورهن الفاضحة على المنظفات مثلا، ويستغلها أصحاب الشهوات للترويج للفاحشة عن طريق الأفلام والمسلسلات الهابطة… لقد هدموا الأسرة التي هي النواة الأساسية للمجتمع، وبناء على نظرتهم المادية القائمة على الحسابات والأرقام المجردة، فقد رأوا في جلوس المرأة في بيتها خسارة اقتصادية، فأمروها بالخروج والعمل كالرجل لتنفق على نفسها بنفسها، ولتتحمل العبء كالرجل، فحملوها ما لا تطيق، وخسروا الفائدة المعنوية الكبيرة التي يجنيها المجتمع من المسؤولية العظيمة التي تمارسها المرأة في بيتها.
فضوا وأضلوا، وصدق الله إذ قال: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معشية ضنكا).

الخطبة الثانية
لقد عمل الغرب على نشر هذه الأفكار في العالم الإسلامي عموما، وفي بلادنا فلسطين خصوصا، وذلك من خلال الأفلام والمسلسلات، ومن خلال العمل الدؤوب للجمعيات التغريبية، ومن خلال الضغط السياسي الذي يطالب دائما -ضمن طلبات كثيرة- بالمزيد من التنازلات والتشريعات في جانب المرأة مقابل استمرار الدعم المادي، ويسترون ذلك بشعارات حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولا شك أن المرأة تتعرض لصور من الظلم داخل مجتمعنا، لكنها صور محصورة، والإسلام بتشريعاته قارد على معالجتها، لكن دعاة محاربة الذكورية ينفخون فيها ويهولونها، ثم يأتون بزي المصلح… ولو أن نشاط الجمعيات النسوية اقتصر على رفع الظلم الذي يمارسه بعض الناس على نسائهم لهان الأمر، ولكن دورها امتد ليمارس دورا ثقافيا يدعو إلى نشر القيم الغربية بيننا فيما يتعلق بالمرأة، وصار يمتد إلى المطالبة بمزيد من التشريعات التي تصب في صالحهم، ولا تلتزم بحدود الإسلام، ولا أدل على ذلك من العرس السنوي الذي نشهده في بلادنا، من الاحتفال بيوم المرأة، والذي يتخلله مشاهد النواح واللطم على المرأة، وكأننا نئد البنات، أو كأننا نستغل النساء جنسيا كما يفعل الغرب… إنهم يستغلون صور الظلم الموجودة لتمرير أجناداتهم الثقافية الغربية، لكنهم يتدرجون في ذلك تدرجا خبيثا، فغايتهم النهائية ليس إيقاف حرمان المرأة من الميراث، بل إنهم يسعون لتسوية الرجل بالمرأة في الميراث، غايتهم أن يسقطوا ولاية الزوج والأب عن المرأة، غايتهم ألا تُلزم المرأة بلبس الجلباب، غايتهم ألا يكون للأب حق في أن يمنع ابنته من التبرج والخروج المنفلت من البيت.
ولا شك عباد الله أن جهدهم في المدارس والجامعات وغيرها قد بدأ يؤتي ثماره، فعلى صعيد الجلباب مثلا، صار القليل من الناس يلزمون بناتهم به، والأقل الذين يلزمونهن بشروطه الشرعية، وصرت ترى تأخر لبس البنت للجلبات بدعوى صغر سنها، وصرنا نرى جرأة كثير من البنات وقلة الحياء الظاهرة عليهن، كيف لا؟ وهم يقولون لها: أنت كالرجل في كل شيء، لا تخافي، وثِقي بنفسك!، ولا تطيعي أحدا…